إعلان

لبنان... والجفاء العربي

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
خلال تشييع الناشط لقمان سليم
خلال تشييع الناشط لقمان سليم
A+ A-
خلال الأسبوع الماضي، انشغل الشعب اللبناني بمشهد تشييع العزيز لقمان سليم وما حمله من كلمات معبّرة تدعو لتحكيم العقل على العنف والسلاح، متلهياً بمدح أو ذمّ الحضور الكثيف لسفراء الدول الأجنبية، من دون أن يتنبه للغياب الصارخ والمتعمد ربما للدول العربية وممثليها عن هذا المشهد المؤلم وما يعكسه من حقيقة انعزال لبنان عن محيطه العربي وسقوطه التام في ما يؤشر لمرحلة أكثر سوءاً.
 
سفيرة "الشيطان الأكبر"، وفق مسميات ثقافة محور الترسيم، دوروثي شيا دخلت حارة حريك، مسقط رأس لقمان سليم، برِجلها اليمنى تحت حماية القوات الخاصة اللبنانية التي تشحذ أصلاً حماية أمن "المقاومَة"، المقاومِة لكل ما هو مقترن بفكرة السيادة والدولة، من دون أن يقوم أحد من فرسانها الممتطين دراجات نارية بالاعتداء عليها أو حتى مواربتها. كلام شيا العنيف أتى واضحاً ليصحح تصريح رئيسها وزير الخارجية أنطوني بلينكن الذي غاب عن تصريح إدانته لجريمة اغتيال لقمان أن يكون القاتل هو الميليشيا التي انتقدها الراحل وحاربها حتى الثمالة، بل طالب بسذاجة أو ربما خباثة بإصلاح القضاء اللبناني لمعرفة قاتل سليم.
 
غياب السفراء العرب عن تشييع لقمان في شكل خاص وعن لبنان في شكل عام ليس موقفاً من شجاعة هذا المفكر المتنور العروبي والغربي ولا اعتراضاً عليها، ولا حتى تخوفاً من عمل أمني قد يتعرضون له من "الأهالي"، الفرقة المجوقلة الجاهزة دائماً للترحيب بأي ضيف قد يتجرأ على زيارة ربوع "حزب الله" كما هو حال قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب اللبناني، بل هو غياب لعدم وجود لبنان على لائحة اهتماماتهم الحالية، تاركين الشعب اللبناني وحده في مواجهة شياطينه وقديسه المزعوم.
 
لعقود طويلة، استغل اللبنانيون صداقة وكرم بلدان عربية عدة رأت في لبنان الملجأ الآمن بطبابته وتعليمه ومصيفه وشعبه الطيب. هذا الشعب الذي سمح لزعمائه وقادته بتحويل لبنان لاحقاً إلى قاعدة متقدمة لمشروع إيراني توسعي آمن، عمادُه سلاح غير شرعي يحمي أمراء الفساد مقابل سكوتهم عن قتله لشعوب المنطقة من سوريا إلى اليمن السعيد.
 
الدول العربية لم تبخل يوماً على لبنان بالأموال لإعادة إعمار ما دمرته الحروب الأهلية في خمس عشرة سنة، بل إنها لم تتردد في إعادة إعمار لبنان والضاحية الجنوبية بعد المغامرة الإيرانية في حرب الـ 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، والقيام بوساطة سياسية وتوزيع الهدايا لإقناع أمراء الطوائف اللبنانيين بالجلوس إلى طاولة الحوار، لكن الحميمية العربية ما لبثت أن تحولت إلى جفاء حاد يلامس السلبية العدوانية.
 
قبل انتخاب حليف "حزب الله" الماروني ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، تعامل العرب مع لبنان على أنه بلد شقيق يتعرض لمحاولات اختطاف من قبل "الحرس الثوري" الإيراني وفصيله اللبناني، حيث كانت لا تزال هناك جماعات وخلايا مقاوِمة للسيطرة الإيرانية تمثلت بحركات سيادية، بعضها فاسد ربما، تطالب بالدولة وحكم القانون. لكن ما لبث أن ركب دعاة السيادة قطار التسوية وانتخاب عون كلٌ لحجّته الرخيصة، معبدين الطريق لمن يمثله عون وصهره جبران باسيل لقطع حبل الصرة مع العالم العربي.
 
وليس هناك أسوأ من فشل اللبنانيين بإقناع العرب في جدوى نصرتهم لهذه الطغمة إلا الاستخفاف بالدور العربي والنظر إليه على أنه ملحق للقرار الأميركي والأوروبي، وأن الدول العربية ستقوم بتمويل النهضة الاقتصادية اللبنانية عندما تدق ساعة التسوية. فلبنان العربي أو لبنان ذو الوجه العربي أو الفينيقي أو المريخي هو وطن غير قابل للحياة في ظل احتلال السلاح وانتشار الفساد، وتعافي اقتصاده مرهون بعودته إلى محيطه العربي الطبيعي إنما تحت نظام اقتصادي جديد قابل للحياة، وأي كلام عكس ذلك هو هلوسة وعَتَه موصوفان.
 
الأشقاء العرب وسفراؤهم ما زالوا متواجدين في لبنان، وكلامهم وكرمهم عبر مبادراتهم الإنسانية لم يتغيرا، واليقظة العربية السياسية مرهونة باستيقاظ الشعب اللبناني الذي لا يزال يسأل "أين العرب"، لكنه يرفض أن يجيب عن السؤال الوجودي والأخلاقي، "هل لبنان يستحق العناء؟".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم