إعلان

سمير عطا الله في سوق عكاظ

المصدر: النهار العربي
لطفي النعمان
سمير عطا الله.
سمير عطا الله.
A+ A-
انساب حديث الأستاذ سمير عطا الله إلى جريدة "عكاظ" السعودية (14 كانون الثاني/يناير 2022) بسلاسة كتابته وحلاوتها وعمقها، بدءاً من "النهار" مروراً بصحبة كبار معظم الأقطار، حتى أصبح مقاله اليومي في الصفحة الأخيرة من "الشرق الأوسط"، وافتتاحية "النهار" الأربعاء، قهوة صباح قرائه وجمهوره. قال له أحدهم: "إنْ مر يوم من غير (ما اقراك) ما ينحسبش من عمري".

نهل جمهور "عكاظ" العريض من عَذبِ حديث "عازف المقال اليومي" شهادته عن تطورات السعودية التي عرفها الأستاذ سمير من زمن الملك فيصل إلى زمن الملك سلمان، ورؤى التغيير من ولي عهده محمد بن سلمان. وشاطره الأسف على لبنان الذي فقد أمنه واستقراره وذهب بعض أبنائه بعيداً بلا عودة.

كشف الحوار "سر المهنة وأسراراً أخرى" وأفرز قدرة محمودة على القراءة والكتابة والتحليل بمهارة لا تبارى. وأبرز الرجل بثراء صداقة ووفاء واعتزاز لا تجارى. ولكن تلك الأسرار بأي طريقة كشفت؟ ذاك فنّ يتقنه الزميل علي مكي، إذ ينبش المكنون بأسئلة مباشرة تستصفي من "نفط ذاكرة" موسوعية، حديثاً متدفقاً بذكريات طريفة وخبرة غنية كشفت الأسماء المستعارة وملهميه وأصدقاءه من أدباء وساسة وصحافيين وقامات عملاقة، وفرزه بين فكر الشخص وسلوكه، وكذا مؤشرات مقاله وزملائه.

هذا الحوار غيض من فيض "حبر العمر" الذي يملأ الدنيا وينفع أهلها وينساه صاحبه لكأنه "يُحبِر ويرمي في البحر". فكثيراً ما يخرج قارئ عطا الله بعبارات موجزة تصف العالم وأهواله، والإنسان وأحواله... المشهور من الناس والمغمور، العاقل منهم والمجنون... أبدع تشخيص الأخير يوماً: "المجانين من حاولوا تطهير الأرض من الآخر، فلا نستطيع أن نخلي الدنيا من الأعراق والألوان والمعتقدات الأخرى، إن الحل المرسل إلينا مع المشكلة هو التعايش". وأن "السياسات لا تصنعها الساحات".

الأستاذ سمير هو أيضاً "يُعلِّم من دون أن يدري" تقرأه مرةً يُلقّن الكُتّاب أصول التنقيط، وأخرى ينير للأحياء قواعد الحياة، وثالثة ينبه المؤرخين إلى أسس التأريخ وخطايا أهل التاريخ ومزاياهم، ورابعة يشرح للراوي والمترجم كيف تروي وتترجم، وخامسة يخبر الحكاء والسياسي ماذا تحكي ومن تسوس، وسادسة للظريف أين تَضحك وتُضحِك، وسابعة للقارئ لمن يقرأ، وهكذا دواليك، يحاضر من دون حضور مباشر سوى في الصحافتين الورقية واللاورقية (الإلكترونية). ومن أراد أن يستفيد فمن مقاله سيتعلم يوماً تلو يوم.

حتماً سيُعلِّم الجمهورَ خريجُ مدرسة "النهار" برعاية غسان تويني، هو ونفر مقتدر من زملاء "مهنة المتعة" كما يسميها، وصاروا مدارس بأنفسهم من مجايلي سمير عطا الله نفسه: فؤاد مطر، رياض الريس، ميشال أبو جودة، أمين معلوف، إلياس الديري وجهاد الزين إلى آخر قائمة "النهار". وكلما نهج سمير نهجاً خاصاً في غير منبر إعلامي لبناني وكويتي وباريسي ولندني منها "عالم النفط" يرجع إلى "النهار" وينشد "ما أحلى الرجوع إليهِ".

اقتحم الصحافي عطا الله عالم الرواية وخطت يمناه "يُمنى"، ودرس تجارب ورحلات غربية إلى الأراضي العربية عبر كتابَي "قافلة الحبر" و"جنرالات الشرق". ولا يزال قلمه مملوءاً امتلاء فكره، مستعيراً اسماً ومخترعاً قرىً ضمن نصٍ "رهيب" وقالب "بديع" سيأتي قريباً في رواية "ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس". ستلحق مذكراته المنتظرة.

نتساءل لماذا سمير عطا الله وبقية الروائيين يستعيرون من مسرح الحياة "الناس المتحركة والطبائع المتنقلة"؟ لأن "الرواية في طبيعتها، مجموعة استعارات والشخص فيها مجموعة أشخاص، ينتقي الروائي الأحداث والتخيلات من هنا وهناك، ثم يحولها كلها، كالرسام، لوحة واحدة"، بحسب تقديمه رواية "يُمنى" التي رسمها تنتصر على أشهر ساسة لبنان واستقلالييه رياض الصلح "(لما) شعرت أنها حققت الانتصار الذي تريد، صار في وسعها الآن أن تترك الأشياء تتباطأ ما تشاء...".

تلك الرواية هل كانت حقيقية؟... يجيب الراوي أن "لا شيء في الرواية حقيقي، لكن كل شيء فيها يستند إلى حقيقة ما وإلى تاريخ ما... وكثير من السرد الروائي يستند إلى المذكرات والوثائق والتاريخ".

هو بنثرٍ يرقى "إليه" الشعر، يكتب غير مستندٍ دائماً إلى ذاكرة خوانة أحياناً، بل يغرف من فيضان المذكرات والوثائق والتاريخ وكتب - قد تخون أيضاً بعض قرائها - فمنذ وعى على القراءة، بقيت القراءة زاده ووقوده الذي ينصح به كاتب كل سطر: "اقرأ ألف سطر لتكتب سطراً".

ونختم الآن بسطر موجه إلى "أستاذنا" في "مهنة المتعة":

لن تجد شغفاً كشغفك، حضوراً كحضورك وأسلوباً يحاكيك، فاهنأ بتميّزك.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم