إعلان

دول الخليج أنفقت 112 مليار دولار لتحفيز اقتصاداتها... وتحتاج إلى المزيد

المصدر: النهار العربي
هادي خليل
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
أجبر فيروس كورونا حكومات دول مجلس التّعاون الخليجيّ على دفع 112 مليار دولار خلال هذا العام، لتحفيز اقتصاداتها ولملمة جراحها من تداعياته أوّلاً، ولحماية اقتصاداتها من الأثر الحادّ لانخفاض أسعار النّفط على موازناتها أخيراً، خاصّة أنّ الإيرادات النّفطية تمثّل الحصّة الأكبر من مجمل إيرادات الدّول الخليجيّة، الّتي سعت خلال الأعوام الماضية نحو تنويع مصادر دخلها، إلّا أنّ الإيرادات غير النّفطيّة لا تزال حتّى يومنا هذا دون المستوى المطلوب.

وتعتبر أزمة كورونا أقوى ضربة تتلقّاها اقتصادات دول الخليج، بعد الأزمة الماليّة العالميّة الّتي اندلعت شرارتها عام 2007، إلّا أنّ الدّول الخليجيّة السّتّة، تسعى مجتمعة للاستفادة من كلّ أزمة تواجهها، عبر تبنّي إصلاحات ماليّة واقتصاديّة، للنّهوض مجدّدًا والدّخول في مرحلة الازدهار الاقتصاديّ من جديد.

 فأزمة العام 2007، غربلت الأسواق وأخرجت منها الشّركات الورقيّة، والوهميّة، وحدّدت سقف الإقراض في البنوك، وأضافت العديد من الأسس والمعايير الاحترازيّة الجديدة على أعمالها، كما دفعت ببعض حكومات الخليج إلى التّفكير في أهميّة تنويع مصادر الدّخل في البلاد بشكلّ جدّيّ. 

أمّا أزمة كورونا الحاليّة، فقد دفعت بحكومات دول مجلس التّعاون الخليجيّ إلى اعتماد خطط إصلاحيّة تضمّنت تقليص نفقات موازناتها، واتّخاذ إجراءات تقشّفيّة لعبور هذه الأزمة بأمان، والسّير نحو التّنويع الاقتصاديّ بشكل أكبر من السّابق، وذلك عبر تعزيز مشاركة القطاع الخاصّ، الّذي يعتبر المتضرّر الأكبر من جائحة فيروس كورونا، ليكون اللّاعب الأساسيّ في تحقيق التّنمية والنّموّ الاقتصاديّ، الّذي تطمح إليه هذه الدّول. كما دفعت بدول الخليج أيضاً، إلى تقديم حزم ماليّة تحفيزيّة لاحتواء الأزمة وتخفيف الأضرار، الّتي يواجهها نظامها الماليّ والاقتصاديّ، إلّا أنّ قيم المحفّزات لم تكن متساوية بين الدّول الخليجية جميعها، بل اختلفت أحجامها باختلاف قدراتها، وقيم ناتجها المحلّيّ الإجماليّ، وحجم الصّدمة الّتي تلقّاها اقتصادها.

ويصف المحلّل الماليّ خالد الظّاهر لـ"النهار العربي" الإجراءات الّتي أقرّتها دول الخليج بـ"البسيطة" الّتي تمّ اتّخاذها لاحتواء الأضرار فقط، فهي من جهة نظره ليست تحفيزيّة، وغير كافية لدعم نموّ اقتصادات هذه الدّول.

ولفت الظّاهر إلى أنّ دول الخليج، لم تدعم الشّركات المتوسّطة والصّغيرة الّتي تعتبر أساس بنيان اقتصاداتها، والّتي تسعى إلى تحقيق التّنوّع الاقتصاديّ، مؤكّداً أنّ هذه الاقتصادات ستواجه مشكلة حقيقيّة على المدى القصير، إن لم تدعم هذا النّوع من الشّركات وذلك عبر منحها قروضاً ميسّرة، بفترة سماح لا تقلّ عن 3 سنوات، حتّى تتمكّن هذه الأخيرة من النّهوض مجدّداً.

واستشهد الظاهر بالنّموذج الألمانيّ في معالجة تداعيات أزمة "كورونا" على الاقتصاد، مشيراً إلى أنّ الاقتصاد الألمانيّ يعدّ الأقلّ تضرّراً في العالم، لأنّ ألمانيا سارعت مع بداية الأزمة إلى دعم الأعمال، والأنشطة البسيطة، عبر إنفاق نصف النّاتج المحلّيّ للبلاد على أعمالهم، الأمر الّذي ساهم في احتفاظ الشّركات كلّها بمكانتها، وتمكّنها من تحريك العجلة الاقتصاديّة في البلاد.

 من جهة ثانية، وخلال أزمة كورونا، أطلقت المملكة العربيّة السّعوديّة عدداً من المبادرات العاجلة لدعم القطاع الخاصّ، والأنشطة الاقتصاديّة الأكثر تضرّراً، بما يزيد على 18 مليار دولار، والّتي تمثّلت في إيداع مبلغ يصل إلى 8 مليار دولار لصالح البنوك، وشركات التمويل، مقابل تأجيلها تحصيل مستحقّاتها لدى المؤسّسات الصّغيرة، والمتوسّطة لمدّة ستّة أشهر، بالإضافة إلى تمويل ميسّر لتلك الأنشطة بمبلغ 3.5 مليار دولار على شكل منح وقروض. 

أما دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، فقد تبنّت العديد من المبادرات والمحفّزات خلال الأزمة، استهدفت فيها دعم مختلف القطاعات على نحو يمكّنها من المحافظة على إدامة نشاطها، في ظلّ حالة التّباطؤ الّتي يشهدها الاقتصاد العالميّ في الوقت الرّاهن. فقد خصّصت حزماً ماليّة بلغت 34 مليار دولار، بالإضافة الى حزمة إجراءات أخرى لخفض كلفة الأعمال، ودعم الشّركات الصّغيرة والتّعجيل في تنفيذ مشروعات البنية التّحتيّة الحكوميّة الكبرى، فيما لجأ مصرف الإمارات المركزيّ، إلى اعتماد خطّة دعم اقتصاديّ شاملة، بقيمة 27 مليار دولار لدعم اقتصاد البلاد.

ويؤكّد الخبير الاقتصاديّ إبراهيم الفيلكاوي لـ"النّهار العربيّ" أنّ الاجراءات الّتي اتّبعتها دول مجلس التّعاون الخليجيّ لم تؤدّ إلى تحفيز اقتصاداتها، فهو يرى أنّه كان من الأجدى أن تدعم المشاريع، الّتي تعدّ داعمة لاقتصاد البلاد، وبأن تستمرّ الدّول في إنفاقها الرّأسماليّ على مشاريعها التّنمويّة، الّتي توقّفت بمعظمها، مشيراً إلى أنّ دول الخليج تمتلك احتياطات وفيرة من السّيولة، تمكّنها من عبور هذه الأزمة بأمان.

وأضاف الفيلكاوي: "إنّ توقّف الإنفاق على أغلب المشاريع، سنشهد أثره خلال المدييْن المتوسّط والبعيد، أمّا على المدى القصير فقد حرم الشّركات المنفّذة للمشاريع السّيولة، وبالتّالي توقّفت عن دفع رواتب العمّال والموظّفين، وكلّ ذلك سينعكس على الحركة الاقتصاديّة في دول الخليج".

أمّا في الكويت، فقد أدّى بنك الكويت المركزيّ دورًا محوريًّا، لمواجهة التّطوّرات المستجدّة بتخفيض سعر الخصم إلى أدنى مستوى في تاريخ البنك، إلى جانب تخفيض متطلّبات كفاية رأس المال للبنوك بنسبة 2.5 في المئة، وتخفيف وزن مخاطر الائتمان الممنوح للمؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة من 75 في المئة إلى 25 في المئة، وذلك لدعم حركة الاقتصاد. كما طالب مجلس الوزراء الكويتيّ المؤسّسات الماليّة، بمنح قروض ميسّرة للمؤسّسات المتضرّرة من تعطيل أنشطتها خلال أزمة "كورونا"، بفائدة 2.5 في المئة سنويّاً، تتحمّل الحكومة 100 في المئة منها خلال السّنتين الأولى والثّانية، فيما تتحمّل الدّولة 90 في المئة من الفائدة على التّمويل في السّنة الثّالثة، و80 في المئة بدءاً من السّنة الرّابعة. فيما طالب بنك الكويت المركزيّ البنوك المحليّة، بتأجيل أقساط قروض الأفراد والشّركات لستّة أشهر.

أمّا دولة قطر فقد قدّمت محفّزات ماليّة واقتصاديّة بقيمة 20 مليار دولار، لدعم القطاع الخاصّ، من أجل مساعدته على التّعامل مع تداعيات جائحة كورونا. وفي إطار الإجراءات النّقديّة، أصدر مصرف قطر المركزيّ تعليمات للمصارف العاملة في الدّولة، بتأجيل أقساط القروض للقطاعات المتضرّرة لمدّة 6 أشهر.   

وعن هذه الإجراءات التّحفيزيّة، يقول المحلّل الماليّ ميثم الشّخص لـ"النّهار العربيّ": "ما رأيته من إجراءات لا تعدّ تحفيزيّة، بقدر ما هي إجراءات لوقف النّزيف. فالغرض من الإجراءات كلّها الّتي انتهجتها دول الخليج، عودة سير الأعمال، وليس عودة الشّركات للرّبحيّة، ولكن بالمجمل، ساهمت هذه الإجراءات في حماية شركات عدّة من مواجهة الإفلاس أو التّصفية".

وفي السّياق ذاته، وكباقي دول الخليج الأخرى، اتّخذت مملكة البحرين إجراءات اقتصاديّة عدّة في إطار مواجهة تفشّي وباء كورونا، حيث أعلنت عن حزمة ماليّة قيمتها 11.4 مليار دولار، والّتي تضمّنت تكفّل الدّولة برواتب مواطنيها في القطاع الخاصّ بمبلغ 571 مليون دولار لمدّة 3 أشهر، كما قرّرت في يونيو الماضي دفع 50 في المئة من رواتب مواطنيها المؤمّن عليهم في المنشآت الأكثر تأثّراً بفيروس كورونا في القطاع الخاص لمدة 3 أشهر.
 
أمّا سلطنة عمان فقد تبنّت حزمة من التّدابير التّقشّفيّة عبر تخفيض حجم النّفقات الحكوميّة، في محاولة منها للحدّ من آثار فيروس كورونا وحماية اقتصادها من تبعاته، حيث خفّضت إنفاق ميزانيّة العام 2020 بنحو 2.5 في المئة من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، وقامت بتأجيل ضرائب البلديّة وبعض الرّسوم الحكوميّة لبضعة أشهر.

ورغم مساعي دول مجلس التّعاون الخليجيّ إلى لملمة آثار تداعيات فيروس كورونا على اقتصاداتها، إلّا أنّها ستحتاج وفقاً للخبراء إلى مزيد من إجراءات التّحفيز في المرحلة المقبلة، فأزمة كورونا لم تنتهِ بعد.. وأزمة انخفاض أسعار النّفط  كذلك!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم