إعلان

العدل أساس الملك

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
العدل أساس الملك
العدل أساس الملك
A+ A-
أكثر من أربعة أشهر مرّت على انفجار مرفأ بيروت الذي دخل التاريخ البشري كرابع أكبر وأعنف انفجار في العالم. فمدينة بيروت التي صمدت عبر التاريخ أمام الكوارث الطبيعية وإجرام آرييل شارون دمرتها أطنان من "الأسمدة" المُعدّة للجهاد الزراعي وشوهتها قلة ضمير ساسة هذا الجهاد، لتتشرد مدينة هي أكبر من الحياة.
 
بعد أربعة أشهر من الغموض والتساؤلات، خرج علينا المحقق العدلي القاضي فادي صوّان بادعاء - يوصف بالضعيف أو ربما بغير الكافي نظراً لحجم الجريمة - ضد رئيس الوزراء الحالي حسان دياب وثلاثة من الوزراء السابقين في خطوة اعتبرها البعض بمثابة رميٍ لكرة النار من يد القضاء إلى حضن الطبقة السياسية المتّهمة. بطبيعة الحال وقف الشعب اللبناني إلى جانب القاضي صوّان وطالبه بمواصلة التحقيق ومحاسبة كل المتورطين والمتدخلين في الجريمة، من دون التردد في تسمية من شارك في قتل الأبرياء.
 
ورغم خطوة صوّان الجريئة، فإن القضاء اللبناني ليس سليماً، والأشخاص أنفسهم الذين يؤيدون خطوة الادعاء يعرفون تماماً أن القضاء في لبنان هو ضحية متعاونة مع النظام السياسي اللبناني وطبقته التي تُعيّن وتأمر بعض القضاة، ليس لإحقاق الحق والعدالة، بل لتسخير سيفهما في قمع الخصوم السياسيين أو كم أفواه المنتفضين على النظام من الثوار. في الواقع، المعضلة الحقيقية تكمن في كون القضاء، بركنيه النزيه والفاسد معاً، سلعة تستخدمها الطبقة الحاكمة في حروبها الصغيرة.
 
فسعد الحريري سارع إلى التضامن مع رئيس حكومة تصرف الأعمال حسان دياب كون الأخير يتبوأ أعلى مركز للطائفة السنية في البلد.  إن حسان دياب لا يمثل أحداً إلا الطبقة السياسية التي أجلسته في منصبه، وتحويل الادّعاء عليه إلى مسألة مذهبية هي مسرحية تفيد "حزب الله" وحليفه الماروني جبران باسيل الذي حول الحقن المذهبي والعنصري إلى فن يستخدمه في كل فرصة، من دون الأخذ في الاعتبار تبعات تلك المغامرات.
 
عندما توقفت الساعة في 14 شباط (فبراير) من عام 2005 عند 12:55 ظهراً بالتوقيت المحلي، لحظة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعشرين مدنياً من الأبرياء، لم يخطر في بال أي من المنتفضين على النظام الأمني اللبناني - السوري أن دماء رفيق الحريري تخّص السنّة فقط، أو أن النضال من أجل تحرير لبنان من الاحتلال السوري هو مسألة تخص طائفة من دون أخرى. ومن هنا، فإن الخوف من خطوة صوان مبرر، ليس لأنها تطاول الطائفة السنّية بل لأنها خطوة استباقية تهز عرش الساسة اللبنانيين السنّة الخائفين من قيام الرئيس ميشال عون وباسيل بالانتقام منهم عبر تسخير بعض القضاة لتحريك ملفات تخص أدائهم او بالأصح سوء أدائهم الحكومي. النخوة "السنّية" في رفض ادعاء صوّان لن تحمي السنّة أو الشيعة أو حتى الملحدين من غياب العدالة، بل ستوسّع الحفرة العميقة التي حفرها أمراء الطوائف بتحالفهم مع سلاح "حزب الله". وهنا لا بدّ من التساؤل حول توقيت هذه المسرحية ومصير التدقيق الجنائي المنتظر والوعود الفارغة بترشيق وترشيد الدعم على السلع.
 
لبنان لا يحكمه القضاء بل يحكمه القدر وثلة من الفاسدين الذين يحاولون أن يقنعوا الشعب بأنهم زعماء ورؤساء أقوياء وحتى قديسين أحياناً، وهم في الواقع مجرد مجرمين وشركاء في استنزافه وقتله. طائفة الفاسدين والمفسدين لا دِين لها، بل ناموسها هو الأنانية والمصلحة الشخصية ونبراسها هو الكراسي والأبراج العاجية التي ستتحول عاجلاً أم آجلاً إلى قبور لتسلطها وعجرفتها.
 
الطريق إلى استعادة الدولة ليس بمساندة القاضي فادي صوّان ولا حماية مقامات مذهبية فارغة المضمون، بل باستعادة سيادتها المنهوبة بما في ذلك هيبة القضاء ودوره كاملاً. عندها فقط، يستطيع القضاء أن ينطق باسم الشعب ويحقق شعار "العدل أساس الملك" الذي يزين قوس المحكمة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم