إعلان

قطار التطبيع والمحطة "المعلقة"...

المصدر: "النهار العربي"
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
توقيع اتفاق تطبيع بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل
توقيع اتفاق تطبيع بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل
A+ A-
مشهد تاريخي آخر يتكرر على طريق السلام في منطقة الشرق الأوسط. وحفل آخر لتوقيع معاهدات سلام وتطبيع بين إسرائيل ودول عربية. فبعد لقاء بيغن والسادات في حضور الرئيس الأميركي جيمي كارتر، عام 1978، كرت السبحة مرة أخرى في 1993 بين ياسر عرفات وإسحاق رابين في رعاية الرئيس جورج بوش الأب، وبعدها بعام بين الملك حسين واسحاق رابين، ثم تواصلت المسيرة ستة عشر عاماً، تخللتها اتفاقيات على مستوى مكاتب تمثيل وعلاقات ديبلوماسية علنية مع قطر وتونس والمغرب وعُمان، وسفارة مع موريتانيا (ألغيت عام 2010).
 
وها نحن في العام 2020 نشهد اتفاقين للتطبيع الكامل على مستوى سفارات بين دولتين خليجيتين، الإمارات والبحرين، يوقعان معاً في البيت الأبيض في رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيري الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد، والبحريني عبداللطيف الزياني.
 
ردود الفعل العربية والفلسطينية وحتى العالمية تجاه هذه الخطوات اختلفت الى حد كبير، لأكثر من سبب. فقد كانت أقوى الردود تجاه الخطوة الأولى بين مصر وإسرائيل. فالرئيس السادات كسر حاجزاً هائلاً بزيارته التاريخية عام 1977 القدس وإلقائه خطاباً امام الكنيست الإسرائيلية، ثم انخراط مصر في مباحثات السلام التي أدت الى اتفاق كامب ديفيد الشهير في العام التالي. وساهمت في شدة الصدمة والتأثير مكانة مصر العربية والأفريقية والدولية، وكونها أكبر دول المواجهة مع إسرائيل وأكثر من خاض حروباً معها، في حرب النكبة (1948)، والعدوان الثلاثي (1956)، والنكسة (1967)، والاستنزاف (1968-1972)، ورمضان (1973). 
 
وفيما احتفل العالم بهذا الإنجاز التاريخي ومنح السادات وبيغن جائزة نوبل للسلام (1987) والتزمت واشنطن تقديم منحة سنوية بقيمة مليارين ومئة مليون دولار لمصر على شكل معونات اقتصادية وعسكرية، ارتفعت حدة الغضب العربية والفلسطينية إلى درجة التخوين ووقف الدعم والمقاطعة السياسية والتجارية ونقل الجامعة العربية من القاهرة الى تونس. كما أن العلاقات المصرية - الإسرائيلية لم تمضِ على النحو المخطط له، بخاصة بعد تولي الرئيس حسني مبارك السلطة في مصر، إذ لم يقم ولا مرة واحدة بزيارة إسرائيل، واستمر في دعم القضية الفلسطينية، فيما واصل الشعب المصري مقاطعة إسرائيل ورفض التطبيع التجاري والثقافي والاجتماعي معها. وفي نهاية المطاف، اكتفى البلدان بإنهاء الحرب بينهما، والتعاون الأمني والاستخباراتي، حتى تاريخه. 
 
وفي المقابل، فإن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 واتفاقيات اوسلو  عام 1993 التي أثمرت اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل وتسليمها أجزاء من الضفة الغربية وغزة، لم تواجه أي عواصف تذكر. بل بدا وكأنما تنفس العرب الصعداء بقرب نهاية الصراع مع إسرائيل وتبادلوا التهاني والتبريكات مع القيادة الفلسطينية الوليدة، وسميت السلطة دولة، وعرفات رئيساً للدولة، ومكاتبها في البلدان العربية سفارات. 
 
وهكذا لم يواجه الاعتراف الأردني والقطري والموريتاني والمغربي والتونسي والعماني بإسرائيل أي اعتراض يذكر، إذ فتح الفلسطينيون باباً واسعاً عبرت منه قوافل التطبيع، ولم يبقَ من الرافضين إلا السعودية وبعض بلدان الخليج، إضافة إلى العراق وسوريا ولبنان والسودان والجزائر والصومال وجيبوتي (ولاحقاً موريتانيا). 
 
ومع أن الإمارات والبحرين استقبلتا علناً وفوداً وشخصيات إسرائيلية، إلا أن ذلك لم يخفف من ردة الفعل الفلسطينية والإيرانية على تطبيع البلدين رسمياً، والأغرب من ذلك الاعتراضات التركية (رغم العلاقات الوثيقة والمتطورة بين أنقرة وتل ابيب على كل المستويات). فبدا وكأنما يحدث الأمر للمرة الثانية بعد اعتراف مصر، وفي شكل مفاجئ ومن دون سابق إنذار، كما فعل السادات. 
 
المحير في الأمر أن الذين ارتضوا التطبيع لأنفسهم، وأقاموا في بلدان مطبّعة كمصر والأردن، وتلقوا الدعم من بلدان حليفة لإسرائيل كتركيا، هم أكثر الرافضين والغاضبين. ما يدفع إلى التساؤل: هل الرفض خاص بدول الخليج، لأنها تاريخياً أكثر الدول الداعمة للقضية، أم لنظرة فوقية تعتبر هذه الدول بقرات حلوب ليس لها الحق السيادي المسموح لغيرها؟ أو  لأن القيادات الفلسطينية واثقة من استمرار الدعم الخليجي مهما تعدت واستعدت؟ وهل هذه القناعات هي التي دفعت السلطة الفلسطينية إلى رفض تسلم الدعم الطبي والغذائي الذي ارسلته الإمارات بعذر أن طائرات الشحن وصلت من طريق مطار تل أبيب؟ رغم أن مثيلاتها من تركيا وقطر وصلت عبر المطار نفسه واستقبلت بالورود، وأن ملايين الدوحة تصل عبر السلطات الإسرائيلية! وأن هذه التصورات هي التي جرّت القيادات الفلسطينية الى التطاول على زعماء وشعوب الخليج وامتداح أعدائهم، في مؤتمر رسمي عام ومتلفز، في حضور ومشاركة رئيس السلطة محمود عباس؟
 
تصوري أن ردود الفعل الفلسطينية ستساهم الى حد كبير في تشكيل الرأي العام الخليجي في مقبل الأيام تجاه التطبيع والقضية، سلباً أو إيجاباً. فإن واصلت ارتكاب الأخطاء بالتحالف مع أعداء العرب في طهران وأنقرة، والتجاوز في حق زعماء وشعوب الخليج، فإن نبوءة ترامب ستتحقق، وسيلتحق المزيد من البلدان الخليجية والعربية بركب المصالحة مع إسرائيل. وإذا تعقلت هذه القيادات وصححت مسارها العدواني وتصالحت مع حلفائها العرب وتباعدت عن أعدائهم العجم، فستجد من أشقائها المزيد من الدعم والتأييد. 
 
الكرة اليوم في ملعب الفلسطينين والحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى الى عقول راشدة، وسياسات عاقلة، وخطاب تصالحي، وإعادة ترتيب الأولويات وخريطة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، بعيداً من الشعبوية والعقائدية والمظلومية والمصالح والأهواء الشخصية. فمصلحة الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية على المحك، ربما أكثر من أي وقت مضى. وقطار الحل لن يقف طويلاً في المحطة ذاتها. والعرب لن يجمدوا مصالحهم 72  عاماً أخرى من أجل قضية أصحابها هم أخطر عليها من أعدائها. الفلك يدور! 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم