إعلان

البحث عن الثورة وعارف ياسين

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
عارف ياسين مرشح "النقابة تنتفض"
عارف ياسين مرشح "النقابة تنتفض"
A+ A-
في ظل استمرار الانهيار الكامل لفكرة لبنان ونظامه ووسط فشل الطغمة الحاكمة في إعادة ما تبقى من الدولة إلى مسارها الطبيعي، لاح بصيص أمل تمثل في تمكّن تحالف عريض من مكونات الثورة اللبنانية من الفوز بفارق كبير في انتخابات المندوبين في نقابة المهندسين في بيروت. وهو إنجاز لا يزال مرهوناً بفوز النقابي العريق عارف ياسين بمنصب الرئاسة "النقيب" في استحقاق انتخابي آخر سيجري الأحد المقبل.
 
اللافت في المعركة الانتخابية هذه، ليس فقط الصحوة الحقيقية لمهندسي لبنان لا سيما أولئك الذين كانوا منضوين في صفوف أحزاب السلطة الفاسدة، بل العقلية التي تتحكم بالعمل السياسي الحزبي وغير الحزبي والثقافة المسيطرة على عقول الثوار والمتحزبين، والتي تحتاج الى تغيير تام لتتمكن الثورة الحقيقية من تحقيق خطوات جدية تجاه نظام سياسي ديموقراطي.
 
المنافسة هي من الأمور المشروعة والمحببة في أي استحقاق ديموقراطي، ولكن الحملات التي ترافقت مع ترشح عارف ياسين لمنصب النقيب والحملات المضادة لها حملت في تفاصيلها خطورة تضاعف مواجهة الطغمة الحاكمة الفاسدة.
 
حزب القوات اللبنانية، الذي ينفي انتماءه للسلطة الحاكمة رغم كونه عراب اتفاق معراب عام 2016 الذي أدى إلى انتخاب ميشال عون، أحد أبرز أسباب السقوط الحالي، أطلق حملة شعواء ضد عارف ياسين متهماً إياه بالشيوعيّ ليصل حدّ تصميم صورة تظهر ياسين إلى جانب لينين وماركس المشهورين. الشيوعية من حيث المبدأ ليست تهمة، وعارف ياسين قد يكون ماركسي النشأة لكنه حالياً لا ينتمي إلى الحزب الشيوعي اللبناني المُسيّر من قبل "حزب الله"  ومحور الممانعة.
 
عارف ياسين، وعلى غرار أعضاء "النقابة تنتفض"، لم يتحالف مع حزب القوات اللبنانية بل ترشح على لوائح منافسة. ومن هنا، فإن استمرار ياسين في معركة النقيب لم تكن خيانة لـ"القوات اللبنانية" بل هي مسار طبيعي للمعركة، لكن القوات لا تستطيع مهاجمة "عدوها اللدود" الحقيقي، حزب الكتائب اللبنانية الذي انضم إلى صفوف الثورة باكراً. الالتحام العلني مع الكتائب من شأنه إخراج القوات من المعركة السياسية وزواريب الشارع المسيحي، لذا سارعت كحزب يميني مسيحي إلى مهاجمة الشيوعي الشيعي عارف ياسين.
 
في المقابل جاء ردّ مناصري وأصدقاء ياسين على الهجمة اليمينية بهجمة يسارية مماثلة اتهمت حزب القوات بالفاشية مطلقين مجموعة مفردات تعود الى عصور غابرة بأدبيات سياسية تنتمي الى الحرب الباردة. هذا الاتهام أسعد مناصري ياسين بقسمهم الأكبر المنتمي الى اليسار التقليدي واليسار الجديد. فيساريتهم تصبح أكثر سطوعاً مع يمينية وفاشية أخصامهم التقليديين.
 
المسألة هنا لا تكمن في معركة نقيب المهندسين ولا بالماضي النضالي الساطع لشخص مثل عارف ياسين أو آخرين من أمثاله ميزتهم أنهم لا يشبهون أزلام الزعماء والأحزاب الذين حولوا كل النقابات إلى أوكار فساد ومحاصصة، بل في التحدي الذي تقف أمامه كل الأطراف السياسية وعلى رأسها القوة التغييرية والذي يتمثل برمي الأطر التقليدية للمواجهات السياسية في القمامة وتبني عقلية لا تتلهى بثنائية اليمين واليسار وما يأتي معها من مفاهيم تصادمية.
 
التصويت لعارف ياسين ولائحته الأحد المقبل ليس طلقة في صدر اليمين اللبناني والفاشية، بل هي خطوة إضافية على طريق استرجاع أحد قلاع العمل النقابي والانتقال نحو مشروع سياسي عريض واقعي يضع قضية السيادة كنبراس لأي عمل انتخابي مستقبلي إن كان على مستوى النقابات او الاستحقاق النيابي في ربيع 2022. معركة "النقابة تنتفض" وعارف ياسين لم تأتِ من العدم، بل هي نتاج نضال طويل بدأ مع النقيب الراحل عاصم سلام الذي تحدى الوصاية السورية وهي رسالة أمل للثوار الحقيقيين الذين نزلوا الى الشارع في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 في أن قوى الثورة قادرة على التوحد في وجه السلطة، والأهم الفوز...
 
التغيير الحقيقي لن يحصل بين ليلة وضحاها، ومرض استغلال النظام الزبائني لعقود مضت هو مرض خبيث يحتاج الى جلسات طويلة من العلاج لاستئصاله من دون قتل المريض. ومعركة عارف ياسين ليست في سبيل نقابة المهندسين فحسب، بل هي معركة يجب الفوز بها، من دون اللجوء إلى ايٍّ نوع من الخدع والمناورات التي استخدمتها السلطة على مر السنين والتي جعلت من الحذاقة ثقافة، في محاولة أولية لإعادة ترسيخ الأخلاق والقيم كأساس للعمل السياسي في لبنان.
الكلمات الدالة