إعلان

أهمية مصر كنقطة ارتكاز في المنطقة

المصدر: النهار العربي
جيرار ديب
الجيش المصري
الجيش المصري
A+ A-
لطالما أدت مصر الدور الريادي في الصراع العربي - الإسرائيلي، وشكّلت من الناحية الجغرافية نقطة الارتكاز الجغرافي العربي. يعتبر الجغرافي البريطاني، هالفورد جون ماكندر في نظريته "قلب العالم"، أنّ موقع مصر في الشرق الأوسط، هو بمثابة نقطة الارتكاز للمنطقة. وتعتبر دوائر القرار الأميركية، أن لا حرب من دون مصر، فهي محوريّة الحرب والسلم، وهذا ما دفع برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن لاتّخاذ قراره الاستراتيجي الإسرائيلي في كامب ديفيد، الهادف إلى إخراج مصر من معادلة الصراع العسكري بين العرب وإسرائيل وأخذها نحو السلام، مشدّداً على أهمية مصر الاستراتيجية للسيطرة على الشرق الأوسط.
 
في السياق التاريخي لموقع مصر الاستراتيجي، نجد أنّ محمد علي باشا، كان قد تنبّه إلى الأهمية الجيوبوليتيكية لنقطة الارتكاز الجغرافي (Pivot Area) من خلال حملته على الجزيرة العربية (1811-1818) وحملته على اليمن 1819 والسودان 1820، ثم دوره في إخماد الثورة اليونانية ضد العثماني.
 
إنّ زحف محمد علي باشا من نقطة الارتكاز الجغرافي إلى قلب الشرق الأوسط، الهلال الخصيب، قد أقلق الدول الأوروبية التي زحفت ضدّه. فهل سيعيد التاريخ نفسه، ونرى اللاعب المصري يزحف مجدّداً لتفعيل دوره عبر إيقاف المشروع الإيراني في الشرق، بإقامة الهلال الشيعي، ما قد يدفع إلى الصدام بين الإيراني والمصري، وتحقق مصر ما لم تستطع تحقيقه السياسات الأميركية من جهة كبح جماح إيران وتركيا الحالمتين بإعادة أمجاد إمبراطوريتيهما في الشرق؟
 
المتابع لمسار تسليح الجيش المصري، من قبل الروسي والأميركي وحليفه الأوروبي، يدرك أنّ كل الأفرقاء مهتمّون بإقامة علاقة متينة مع مصر. ففي الرؤية الجيوبوليتيكية لمسار الحرب الدائرة في المنطقة، ومن مصلحة الجميع، تسليح الجيش المصري وتقوية دوره في المنطقة. ففي حين أعلنت شركة "إم بي دي إيه" الأوروبية لصناعة الصواريخ والذخائر أنّ القوات البحرية المصرية ستحصل على أحدث صواريخ سطح - جو، فاجأت القوات المسلحة المصرية الجميع، عندما عرضت جانباً من أسلحتها الروسية المتطورة في ترسانتها العسكرية، حيث لم يتوقع كثيرون امتلاك مصر لهذه الأسلحة.
 
تجربة الدول الكبرى وصراعها لبسط النفوذ على أرض الكنانة، سقط مع سقوط الحرب الباردة، وتحوّل من حالة الصراع على النفوذ إلى حالة دعم الدور المصري لاعتباره نقطة ارتكاز لسياساتهم في المنطقة؛ إذ على ما يبدو ليس هناك خلاف بين الأميركي والروسي على هذا الدور، بل هناك تقاطع في المصالح. فمصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، مدعومة من روسيا وكذلك من أوروبا وأميركا على حدّ سواء، إضافة إلى اعتبارها الحليف الرئيسي للمملكة العربية السعودية؛ فإنّ البيان المصري الرافض بشدّة لتقرير الاستخبارات الأميركية باتهام محمد بن سلمان بقتل الصحافي جمال الخاشقجي أكثر من واضح. أضف الى ذلك الدور المصري في دعم التحالف العربي في حربه ضدّ الحوثيين في اليمن.
 
إنّ مدّ الإيراني نفوذه عبر ميليشياته في أكثر من منطقة، إضافة إلى المراوغة التركية في سياساتها في الشرق الأوسط، وضعف الدور السعودي في حسم الأمور لا سيما في الحرب اليمنية، دفع إلى إيجاد عقبة إقليمية تحدّ من طموحهما في المنطقة، عبر دفع اللاعب المصري نحو عمق الصراع، بعدما كان قد اتّخذ دور الحياد بعد اتفاق السلام مع الإسرائيلي.
 
إنّ التحول في نقطة الارتكاز، والدفع بها نحو لعب دور محوري في المنطقة، سيفرمل الدور الإيراني والتركي معاً. بات هذا مطلباً روسياً بسبب تضارب المصالح بينهم على أرض سوريا، وقد ظهر ذلك في أكثر من موقف، وعلى أكثر من صعيد. فالإيراني الذي يريد تحويل الساحة السورية ملعباً لتحقيق المزيد من المكاسب في ملفاتها الداخلية، والتركي الذي يفتّش عن مناطق آمنة داخل الأراضي السورية، يعرقلان الخطة الروسية التي تريد من سوريا أرضاً موحدة لنفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً على البحر الأبيض المتوسط.
 
النفوذ الإيراني أيضاً، وتطوير منظومته الصاروخية وميوله إلى إبرام التحالفات على كل الأصعدة مع اللاعب الصيني، ما سيدفع بميليشياتها إلى تقويض النفوذ الغربي في المنطقة على حساب التدخل الصيني. فلبنان مثال واضح على ذلك، حيث تعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية وانهيار الاقتصاد والدعوة المستمرة لـ"حزب الله" نحو التوجه شرقاً يصبّ حتماً لصالح الشركات الصينية واستثماراتها. كذلك الأمر بالنسبة إلى التركي، حيث يلعب على تناقض المصالح بين الروسي والأميركي فيستغلّ المواقف لصالحه، إضافة إلى تقاربه مع المدّ الإيراني عبر تشكيل حلف مبطّن في أكثر من ساحة، فبات مطلباً للدول الحدّ من نفوذه.
 
أخيراً، لن تكون مهمة اللاعب المصري سهلة، فنقطة الارتكاز التي أعطت مصر تفوقاً استراتيجياً في المنطقة، قد لا تكون ذات أهمية اليوم لا سيما أنّ المنطقة متداخلة المشاريع، ومعقدة المصالح، كما أنّ الدول المارقة أصبحت دولاً محورية في الصراع الدائر.
 
أضف الى ذلك التهديد الجدّي لأمن إسرائيل من صواريخ إيران، الذي قابله تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه لن يسمح لإيران بامتلاك القنبلة النووية، باتفاق أو بغير اتفاق، بحسب ما قاله في اتصاله الأول مع الرئيس الأميركي جو بايدن، ليل الخميس 25 شباط (فبراير) الماضي وينذر هذا بعمل عسكري قد يكون مباغتاً، ويضع المنطقة في كف الصراعات غير المنتظرة، حيث سيعاد خلط الأوراق من جديد، وتصبح نقطة الارتكاز في موقع الدفاع بدل الهجوم.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم