إعلان

أميركا والتفاوض مع الإرهاب

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الحوثيون في اليمن
الحوثيون في اليمن
A+ A-
في عهد الرئيس رونالد ريغان أعلنت أميركا موقفاً استمر "رسمياً على الأقل" حتى اليوم، بعدم التفاوض مع الإرهابيين، وعدم التجاوب مع املاءاتهم والقبول بشروطهم مهما كلف الأمر، بعد أن تعلّمت درساً قاسياً من نتائج التفاوض مع إيران وأذرعها الإرهابية في المنطقة. وعلى هذا مضت أميركا في حربها على الإرهاب، ولهذا رفضت التفاوض مع "القاعدة" و"داعش" و"حزب الله" تحت أي ظرف.
 
ولكنها اليوم تريد أن تتفاوض مع الحوثي، وأن نتحمل هجماته على الأعيان المدنية وخروقاته للمعاهدات الدولية وعدم التزامه أي اتفاق وقّع وأشهد العالم عليه، وأن ندير له الخد الآخر ما استطعنا، مقابل بيانات تنديد وتعبير عن القلق، من المجتمع الدولي، ومزيداً من مبيعات الأسلحة الدفاعية (مع وقف الهجومية).
 
حربنا وحروبهم
الغريب أن الأمر نفسه لا ينطبق على إسرائيل ولا على أميركا وحلف الناتو. فبعد كل هجوم شنته المنظمات الإرهابية أطلقت هذه البلدان صواريخها ضد المنشآت وطائراتها ضد الجماعات والأفراد، ولم تعوض أو حتى تعتذر عن جرائم الحرب والضحايا المدنيين في أفغانستان والعراق وسوريا وغزة ولبنان. بل إن إسرائيل تبرر ضرباتها وحتى غزوها واحتلالها لمناطق خصومها بأنها استباقية، وتحمل الطرف الآخر مسؤولية الخسائر المدنية.
 
قلت هذا الكلام لمذيع "بي بي سي"، فردّ قائلاً: "المشكلة أن حرب اليمن طالت وأدمت". ذكرّته بما أذكر به كل من يجادل بمثله، أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها بلدان الناتو على "طالبان" و"القاعدة" ثم "النصرة" و"داعش" وغيرها بدأت في 2001، وما زالت مستمرة. وأن الخسائر البشرية والمادية للغزو الأميركي لأفغانستان والعراق وسوريا لا تقارن بأي حرب في الألفية الثانية.
 
ولا بد من التوضيح هنا أن الحروب الأميركية ليست "مشرعنة"، بمنظور القانون الدولي والمنظمات والمعاهدات الدولية. أما حرب تحرير اليمن، فقد جاءت تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن وأهمها القرار 2216 الذي يأتي تحت الفصل السابع "الإلزامي"، وهو الفصل نفسه الذي خاضت بموجبه الولايات المتحدة وحلفاؤها حرب تحرير الكويت، عام 1991. وطبقاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحض اعضاءها على مساندة أي دولة عضو في حال تعرضت حكومتها الشرعية لانقلاب. وهذا بالضبط ما حدث في اليمن عندما انقلبت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على الحكومة الشرعية المنتخبة، واحتلت صنعاء، واستولت على مؤسسات الدولة، وسجنت الرئيس ونائبه وأعضاء حكومته. وذلك بعد أن تملصت من التزامها مخرجات الحوار الوطني، ونتائج الانتخابات المشهود لها بالنزاهة، و"المبادرة الخليجية" بإشراف الأمم المتحدة والدول الراعية لتنفيذ بنودها وإتمام عملية الانتقال السلمي للسلطة في اليمن، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن (روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) ومجلس التعاون الخليجي.
 
أخطاؤنا وأخطاؤهم
ولو قارنا أخطاء التحالف العربي في حرب التحرير لليمن بأخطاء التحالفات التي قادتها أميركا في كل الحروب التي خاضتها، لوجدنا أنها نادرة وتم في كل مرة تحمل مسؤوليتها ودفع تعويضاتها، ومراجعة العمليات بإشراف أممي، وتصحيح الإجراءات التي أدت الى الأخطاء بتعاون دولي، تقوده أميركا نفسها. وما حرص التحالف العربي على استمرار التعاون مع حلفائها والحصول على أدق المعلومات الاستخبارية عن الأهداف، وشراء أدق الأسلحة والصواريخ رغم كلفتها العالية، إلا لتقليل نسبة الأخطاء حتى أصبحت شبه صفرية. أما ضحايا الصراع الداخلي وجرائم الحوثي، فيجب أن تُصنّف وحدها، ولا يُتهم فيها "كل الأطراف بما في ذلك التحالف العربي"، كما درجت عليه بعض التصريحات.
 
في المقابل، فإن الأخطاء التي ارتكبت في حرب تحرير المناطق العراقية والسورية من قبضة "داعش" أدت الى تهديم مدن على رؤوس أهلها، وتهجير سكانها، وتغيير ديموغرافي طائفي، وخسائر مادية لا تُقدر بثمن، وتشمل آثاراً تاريخية حتى دور العبادة، كما حدث في الفالوجة والموصل، ولم يتحمل أحد مسؤوليتها أو يدفع دولاراً واحداً لتعويض ضحاياها. وهذا مثال واحد فقط، ومثله الكثير إذا أضفنا الحروب الأخرى التي قادتها أميركا على الإرهاب، بما فيها داخل اليمن. ولا ننسى هنا جرائم الحرب والخرق لاتفاقية جنيف في معاملة السجناء والأسرى التي ترتكب في سجون أبو غريب وغوانتنامو وباغرام ومعتقلات وكالة الاستخبارات الأميركية حول العالم.
 
الميكيافيلية الغربية
والذي يدّعي أن هدفه وقف الحرب وحماية المدنيين وتوفير المساعدات الإنسانية لهم، لا يحق له ان يعتلي منبره العالي ليحاضرنا قبل أن يساهم في تحقيق ذلك. فبدلاً من تحميل دول التحالف العربي مسؤولية وتكلفة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الملزمة لكل الدول، وبالذات الأعضاء الدائمين، كان على أميركا، ومعها جوقة متحذلقي اليسار والليبرالية الغربية، أن تقود الحملة لدعم جهود الحكومة الشرعية لتحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين والإرهابيين، كما في العراق وأفغانستان، ومضاعفة المساعدات الإنسانية للمتضررين، كما فعلت السعودية والإمارات، وعقاب إيران لدعمها للحوثي وخرقها لقرار مجلس الأمن بحظر تزويده بالسلاح.
 
أما الجلوس في مقاعد المتفرجين، والتكسب من بيع الأسلحة "الدفاعية" للدول المتضررة بأعلى الأسعار، والبخل في المساعدات الانسانية، ثم التحسر على ضحايا الحرب، وإلقاء المواعظ عن السلام، والقبول بمبدأ التفاوض مع الإرهاب، فهو الكيل بمكيالين والميكيافيلية السياسية في أقبح صورها.
 
ومؤخراً، ألغت إدارة بايدن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية، ومدت يدها بالسلام لهم، وكلفت مندوبيها التفاوض معهم، ودفعت الامم المتحدة للتفاوض مع إيران، وكأنها وكيل شرعي لهم. ومن جانبه، تجاوب التحالف العربي مع نهج السلام، فأعلن هدنة من طرف واحد، رغم أن كل الهدنات المشابهة لم تُحترم من قبل.
 
الرد الإيراني
ماذا كانت النتيجة؟ خلال أيام فقط من هذه المبادرات اطلق الحوثيون مزيداً من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية على المناطق المدنية، بما فيها الرياض خلال زيارة الموفد الأميركي لليمن، وأثناء زيارة الموفد الأممي لطهران. وزادت بتكثيف الاستهداف لمطار أبها، وميناء جدة الإسلامي الذي يصل اليه حجاج بيت الله الحرام، ومدينة الرسول (صلوات الله وسلامه عليه وآل البيت) الذي يدّعون نصرتهم.
 
فطهران تسعى لزيادة الضغط على أميركا لرفع العقوبات عنها، والعودة الى الاتفاق النووي بكل عيوبه وثغراته، وعدم ربطه بالبرنامج الصاروخي ودعمها للإرهاب وسياساتها العدوانية في المنطقة. والمطايا الحوثية مجرد علف لمدافعها ولعبتها السياسية، وإطالة أمد المعاناة للشعب اليمني أداة لتحريك الضمير العالمي في اتجاه خصومها وليس ضدها. ويشجعها نفاق الغرب وجبنه على مواصلة نهجها.
 
حدود الصبر
لا أعرف اذا كانت خطة إيران تكشفت لـ"حمائم السلام" والليبرالية اليسارية في أوروبا وأميركا، أم أن تحيزهم مع إيران وضد بلاد الحرمين يعميهم عنها. ولا أدري ما إذا كانت رسالة الملالي وصلت لصانع القرار في البيت الأبيض، أم لا. لكنها بالتأكيد وصلت إلى التحالف العربي. وقد تم إيصالها لمجلس الأمن وإخطار المجتمع الأممي بأن الصبر يوشك على النفاد. وأن مسار السلام الذي تراهن عليه المنظمات الدولية يزادد استحالة بعد أن وصل عدد الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى 345 صاروخاً، والمسيّرات المفخخة إلى 516 طائرة، والزوارق المفخخة 62 زروقاً سريعاً، والألغام البحرية 204 الغام، والقذائف 76 الف قذيفة (حتى ساعة كتابة هذا المقال)، كلها موجهة الى مواقع مدنية محرم استهدافها بموجب قوانين الحرب والمعاهدات الدولية.
 
واذا لم يتحرك المطالبون بالسلام المتخاذلون عن دعم الجهود لتحقيقه، فإن حق الدفاع عن النفس يشمل حق الرد، وتحييد مصادر الاعتداء. وكما قال العرب ... "اتقِ غضب الحليم" ... فللصبر حدود.
 
@kbatarfi
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم