إعلان

نشوء "حزب الله" – المأزق اللبناني

المصدر: النهار العربي-حسين الحاج حسن
صور قادة الثورة الإيرانية تتصدر في مناطق انتشار "حزب الله" وسيطرته
صور قادة الثورة الإيرانية تتصدر في مناطق انتشار "حزب الله" وسيطرته
A+ A-
عرفت الصراعات والتحولات التاريخية في لبنان مراحل عدة، تغيّر فيها اللاعبون وانتقلت موازينُ القوى من ضفةٍ الى أخرى، ودوماً بحسب متغيراتِ المنطقة وصعودِها. وكما أشرنا في المقالِ السابق تحت عنوان "الوديعةُ الفرنسية... نظامٌ مهترئ وصلاحيةٌ منتهية"، فإنَّ ثلاثة مراحل مهمّة شكّلت بنيان هذا الوطن ونظامه السياسي. 
 
في العام 1979، سقط الشاه في إيران وذهبت السلطة بشكل عنفي نحو نظامٍ ديني يتزعّمه آية الله الخميني، معلناً نشوءَ دولةٍ إسلاميةٍ يحكمها الولي الفقيه، ويؤسس فيها لمرحلة تصدير الثورة ونشرها حول العالم. 
 
في ذلك الوقت، كان لبنان يرزح تحت ثقلين: القوى الفلسطينية المسلحة، والتي جعلت من أرض الوطن ساحة خصبة للصراع العربي – الإسرائيلي، ومنها تشنُّ عملياتها العسكرية وتُصعِّد مواقفها السياسية بعدما تم طرد حركة التحرير الفلسطينية من دول عدة كالأردن، وسوريا ومصر. الثقل الآخر كان صعود القوى المسيحية اليمينية والتي اعتبرت أن وطنها القومي أصبح مهدداً، وأن الوجود المسيحي في هذه المنطقة بات في خطر، وعليه كان حملُ السلاح ردّ فعلٍ طبيعياً لها قبل أن يكون سياسياً أو عسكرياً. 
 
في عام 1982، دخل الجيش الإسرائيلي العاصمة بيروت تحت أمرة وزير الدفاع آنذاك آرييل شارون، مخالفاً ما تم الاتفاق عليه مع حكومته، بأن تكون العملية في لبنان محدودة وقصيرة الأجل وتهدف الى ضرب مواقع لمنظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان، ومنعها من إطلاق الصواريخ نحو الكيان الإسرائيلي. 
 
اجتياح الجيش الإسرائيلي بيروت، ودعوة بشير الجمّيل الى الاستفادة من ذلك عبر الانقضاض على الوجود السوري ومحاربته؛ كما أن حالة الصراع والتشرذم العربيّة التي شرّعت للوجود الفلسطيني حملَهُ للسلاح وتأسيسَهُ جبهاتِ قتالٍ، ساهمت في شكل أو بآخر لـ"الحرس الثوري" الإيراني بأن يدخل لبنان من بابه العريض مستفيداً من الأرض الخصبة للصراع، وتهميش جزء من الطائفة الشيعيّة من لعب دورٍ على الساحة السياسية اللبنانية أسوة ببقية الطوائف.

تتحدّث مصادر تاريخية عدّة عن تلك الحقبة التي دخل فيها "الحرسُ الثوري" لبنان ومن هناك انطلقت مجموعة فكرية - عسكرية عُرفت باسم "حركة المستضعفين" لتكون نواةَ "حزب الله"، حزباً سياسياً، عقائدياً ودينياً.
 
تذكر كيم غطاس في كتابها "Black Wave" عن التحوّل الذي أصاب منطقة بعلبك بعد دخول "الحرس الثوري" اليها وتصف المدينة بـ"طهران الصغيرة": "تم حظر الموسيقى تماماً، وكذلك حفلات الزفاف. بدأت محطة إذاعية جديدة ببث الخطب والأغاني الدينية (...)، ملصقات الخميني وضِعت على الحائِط، ورفرفت الأعلام الإيرانية فوق أعمدة الإنارة، (...) غادر المسيحيون المنطقة، تم حظر الكحول، وبدأت النساء لبس الحجاب بأعداد كبيرة، إما بالإكراه، أو باختيارهنَّ، أو بدافع الاحتراز".
 
لاحقاً، انتقل العمل للاستثمار في الفئات الشبابية داخل أحزمة البؤس والفقر وأولئك الذين خاضوا تجارب عسكرية مع الفصائل الفلسطينية أو حركة "أمل" اللبنانية، حيث تلقوا تدريبات قتالية ضمن مخيمات في منطقة البقاع. 
 
حمل "حزب الله" شعار محاربة إسرائيل ومقاومتها منذ الثمانينات واستطاع إقناع معظم اللبنانيين – أقلّه حتى العام 2000 – بصدق نواياه الوطنية وبأن نضاله وتضحياته دوماً تصب في مصلحة لبنان وشعبه. 
 
إلا أن الحقيقة التاريخية والحتمية اليوم تقول إن "حزب الله" لم يكن يوماً سوى تنظيم عسكري، فكري، عقائدي، إسلامي، راديكالي يحمل طابعاً ايرانياً ويسعى الى تثبيت ركائز التشيّع الفارسي كما يحددها الولي الفقيه من طهران. 
 
بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، اعتقد اللبنانيون - بحسن نية - أن الدافع خلف وجود مجموعة مسلّحة الى جانب الشرعية اللبنانية لم يعد مبرراً، إلا أن "حزب الله" استمر في الإبقاء على جاهزيته العسكرية وتوسّعه السياسي، والاجتماعي والاقتصادي كما والتنظيمي تحت ذرائع لا نهاية لها، منصبّاً نفسه حصن الدفاع الأول والأوحد عن لبنان وشعبه.
 
في 14 من شباط (فبراير) 2005 تم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في مرحلة سياسية تاريخية دقيقة، أعقبت إصدار القرار الأممي 1559 الذي يدعو الى حلّ كل الميليشيات في لبنان ونزع سلاحها، ويؤكد سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله في ظل السلطة الوحيدة والمطلقة للحكومة اللبنانية.
 
دفع الاغتيال وما تلاه من حراك شعبي، ثم دعوة "حزب الله" اللبنانيين الى تقديم الشكر والامتنان الى سوريا، كما وسلسلة الاغتيالات السياسية التي طاولت مفكّرين وكتّاباً وناشطين لبنانيين الى اتّهام الحزب وادانته سياسياً بكل الجرائم والتفجيرات بدءاً من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة وصولاً حتى اغتيال الكاتب لقمان سليم عام 2021.
 
بعد موجة الاغتيالات، أتت أحداث السابع من أيار (مايو) عام 2008، ثم إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011، ثم دخول "حزب الله" آتون الحرب السورية لسنوات خلت، وبعدها تدخّله في حرب اليمن، ووجوده العسكري واللوجستي في العراق، والبحرين، والكويت، والإمارات وغيرها من الدول العربية والغربية. 
 
يعتقد معظم اللبنانيين أن "حزب الله" فقد شرعيته وشرعية حمله للسلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، فيما يتجه البعض الى اعتبار أن الحزب كان حركة وطنية مقاومة الى حين دخول جيشه سوريا. 
 
إلا أن الحقيقة تكمن في مكان آخر، فـ"حزب الله" لم يكن منذ البداية سوى تنظيم إيراني، عمل من خلال "الحرس الثوري" في طهران على تجنيد شباب لبنانيين، واضعاً خريطة طريق أساسية لكيفية بناء دويلته الخاصة، ناشراً أفكاراً وايديولوجية عقائدية هجينة وراديكالية مقارنة بأقرانه من الأحزاب السياسية اللبنانية. 
 
فبالنسبة الى هذا الحزب، فإن قيمة الحياة لدى عناصره تكمن في جاهزيتهم ورغبتهم الدائمة في الشهادة، والانتقال الى الملكوت الأعلى عوضا عن البقاء في هذه "الدنيا الزائلة"، بحسب وصف نائب أمينه العام نعيم قاسم. 
 
بناء مجتمع يوالي "حزب الله" ويطيعه لم يكن بالأمر السهل أو المجاني، ولعلّ أحد أسباب قوة وهيمنة الحزب اليوم على كل مفاصل الدولة والمجتمع هو الوهن والضعف لدى خصومه السياسيين او استخفافهم بقدراته وذكائه. يبدأ "حزب الله" عملياً بناء هذا المجتمع من خلال التعبئة لدى الأطفال والشباب، من خلال نشاطات ثقافية، اجتماعية، ألعاب، ومباريات رياضية لتتطور لاحقاً فتصبح نشاطات كشفية او مشاركة في استعراضات عسكرية في يوم القدس او مسيرة كربلاء يرتدي فيها الأطفال بدلات عسكرية مموهة، معصبي الرؤوس بشعارات دينية، حاملين بنادق بلاستيكية. 
 
ينشأ الفرد ويترعرع في بيئة "حزب الله" مؤمناً بثلاث ركائز أساسية: مبادئ الثورة الإسلامية في إيران، الطاعة للولي الفقيه، والعداوة المطلقة لإسرائيل. أما الأمر الذي يعتبر محورياً في ثقافة الحزب فهو الشهادة، وبالنسبة اليهم فإن نموذج الجهاد، المقاومة، والتضحية يمثلّه الإمام الحسين ويؤخذ به كنموذج بالنسبة الى أجيال المحاربين الشيعة الذين يخدمون في "حزب الله". ويلقن "حزب الله" هؤلاء بأن "الإمام الحسين قد سعى بقوة الى الشهادة في كربلاء، بدلاً من اختيار الحوار مع جيش يزيد" مع علمه بوجود احتمال ضعيف في النجاة.
 
الثابت أيضاً، ومن منطلق أكاديمي وعلمّي بحت، أن عمل "حزب الله" منذ الثمانينات وأفكاره وأهدافه كلها تقع ضمن تصنيف الإرهاب والأعمال الإرهابية. فمن يعمل على تجنيد الأطفال وتدريبهم على الكراهية والعداء والقتال والشهادة هو بحقّ تنظيم إرهابي؛ ومن يقوم بـ 11 عملية انتحارية تفجيرية بهدف زرع الرعب والخوف هو من دون أدنى شك تنظيم إرهابي؛ ومن يحتلّ العاصمة بيروت، وينشر رجاله بالقمصان السود في أرجائها لفرض قراره وسياسته الترهيبية هو أيضاً تنظيم إرهابي. 
 
يستند حلف شمال الأطلسي في مكافحته الإرهاب ومواجهته الى منهجية أكاديمية مبنية على مجموعة تعريفات ومنها ما وضعه الباحث أليكس شميد في كتابه "الإرهاب السياسي". يتعبر شميد أن الإرهاب هو "أسلوب من أساليب الصراع يقصد من ورائه استخدام صورة من صور القتال غير المباشر بهدف شلّ حركة أو إرباك أو إذعان الحكومة لمطالب فئة أو جهة معينة ولفت انتباه وسائل لحشد الرأي العام حول قضايا تلك الفئة في سبيل تحقيق مطالبهم". يضيف أيضاً: "تغطي الدوافع للانخراط في الإرهاب نطاقاً واسعاً، بما في ذلك التعويض عن المظالم المزعومة، والانتقام الشخصي أو غير المباشر، والعقاب الجماعي، والثورة، والتحرير الوطني، والترويج لمختلف الأسباب والأهداف الأيديولوجية، والسياسية، والاجتماعية، والقومية، والدينية".
 
يعيب البعض علينا أن ننعت أحياناً "حزب الله" بالإيراني، فيما أتباعه يحملون الجنسية اللبنانية كسواهم من اللبنانيين، إلا أن الواقع والثابت في العلوم السياسية، أن الانتماء الى جماعة أو قبيلة أو عشيرة لا ينفي أو ينزع صفة المواطنة عن أحد قانونياً، لكنه يدينها سياسياً، وفكرياً، وأخلاقياً. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم