إعلان

ماذا يريد أردوغان؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان
A+ A-
كرسي السلطة في الديموقراطيات الغربية "دوّار". إلا أن "المشرق" استطاع أن يثبّته لحساب الفرد، العائلة، الطائفة ... أو الجيش. وهذا المشرق امتد من كوريا الشمالية وروسيا الى المشرق والمغرب العربي، مروراً بباكستان وإيران وتركيا. 
 
فكما نجح بوتين في تدوير نفسه على كرسي السلطة الثابت، منذ عام 2000، رئيساً، فرئيساً للوزراء، فرئيساً، فعل أردوغان منذ توليه رئاسة الوزارة في آذار (مارس) من العام 2003، ثم كرئيس للجمهورية منذ آب (أغسطس) عام 2014 وحتى تاريخه، ولا يزال الرجلان يطمحان لمزيد من الدورات السلطوية والقيادة "المؤبدة". 
 
ويأتي هذا التدوير الفردي بعكس حال الرؤساء العرب الذين خططوا لتوريث الحكم عائلياً وطائفياً، فنجحوا حيناً كما في سوريا عائلة الأسد والطائفة العلوية، وفشلوا أكثر كما في عراق أبناء صدام والعشيرة التكريتية، ويَمن عشيرة علي عبدالله صالح، والقبيلة الأحمرية الحاشدية، وليبيا أبناء القذافي وقبيلة القذاذفة البربرية، ومصر أسرة مبارك وحاضنة الجيش، وسودان البشير و"الإخوان المسلمين". وفي الحالة التركية، فقد وصل القائد الحزبي عبر صناديق الاقتراع، ونجح باستغلال الآليات الديموقراطية المتاحة، وكسب الجماهيرية بتقديم أنموذج للقائد الملهم، القومي، القوي. 
 
مع الدعم الدولي والإقليمي الملياري، شفعت لأردوغان عند شعبه، حتى اولئك الذين لا ينتمون الى حزبه، إنجازاته الاقتصادية والسياسية، الى وقت قريب. فلا ينكر حتى خصومه أنه نجح في الارتقاء ببلد كان يصنف من بلدان العالم الثالث، الى دولة نامية، ناهضة، تنافس في تطورها المدني دولاً أوروبية. فقد تطورت البنية التحتية والخدمات التعليمية والصحية والمنتجات الصناعية والزراعية والسياحية خلال العقدين الأخرين الى مستويات تليق بدولة في مجموعة أقوى عشرين أقتصاداً في العالم. 
 
وفي البداية، نجح الرئيس في "تصفير المشاكل" الداخلية والخارجية، فأوقف الحرب مع الأكراد، ومنح الجاليات جميعها، كردية، وشيعية، وعلوية، ومسيحية، ويهودية، بعض الحقوق الثقافية والسياسية والدينية التي حرموا منها طويلاً. وتباعد عن الصراعات الشرق الأوسطية، وأصلح الجسور مع أوروبا وأميركا وروسيا والعالم، وتقارب مع القيادات العربية في المنطقة ممثلة في السعودية ومصر والإمارات وحتى سوريا، وشارك بفعالية في المنظمات الإسلامية كمنظمة التعاون الإسلامي التي بقي التركي، أكمل الدين إحسان أوغلو، أميناً عاماً لها لأطول مدة في تاريخها (2004-2014)، ورابطة العالم الإسلامي وبنك التنمية الإسلامي في جدة، الذي عمل فيه مؤسس حزب "العدالة والتنمية" والرئيس التركي الأسبق عبدالله غول بين (1983-1991) كخبير اقتصادي. 
 
ولكن كل هذا تغير وتحول مع عاصفة "الربيع العربي"، إذ غلبت الإيديولوجيا على البراغماتية، وغلب تيار "العثمانيون الجدد" على التيار الوطني في حزب "العدالة والتنمية"، واستبعد الساسة الحكماء، كرئيس الدولة عبدالله غول، والكفاءات المتخصصة، كنائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد علي باباجان، ومعهما 90 في المئة من مؤسسي الحزب، وفك التحالف مع الإسلاميين المعتدلين والأكراد الموالين، لصالح الشراكة مع القوميين المتطرفين "رغم الاختلاف العقدي". كان هذا كله ثمن لا بد منه قبل الانخراط كلياً في الاتجاه الجديد لاستعادة الإمبراطورية العثمانية قبل العام 2023، الذي تحتفل فيه تركيا بمرور 100 عام على قيام دولتها "العلمانية" الحديثة. 
 
وعليه، تقاطعت المصالح مع إدارة الرئيس الأميركي السابقة باراك أوباما، ومخطط "التدمير والتقسيم وإعادة التركيب" - الفوضى الخلاقة - في الشرق الأوسط، وتسليم إدارة المنطقة الى كل من: إيران "في الخليج العربي والهلال الشيعي الممتد من طهران الى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصنعاء". والى قيادة تركيا في ما تبقى من العالم العربي، بما في ذلك شمال سوريا والعراق. هذا المخطط الذي رسمت خريطته ووثقت كرؤية للحزب، كانت تعتمد على نجاح جماعة "الإخوان المسلمين" في الاستيلاء على الحكم في مصر ودول شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وقيادة المعارضة السياسية والدينية في دول الجزيرة العربية والخليج والأردن. 
 
أراد "العثمانيون الجدد" أن يحيّوا الامبراطورية البائدة، في زمن رسمت فيه الحدود والخرائط ووثقت في المنظمات الأممية، باستغلال بعض العرب لتدمير بلدانهم، واستخدام قطار الديموقراطية الغربية في إيصال المطايا الى السلطة باسم الإسلام، ثم القضاء على المنافسين وتدوير المقاعد بين أعضاء الحزب الواحد، برعاية وإدارة "السلطان" أردوغان وتمويل قطر، وشراكة إيران وتعاون إسرائيل. 
 
كبر الحلم، وبات على مسافة قوسين أو ادنى من التحقق، ثم استيقظ المارد العربي في الرياض وأبو ظبي، وقلب الطاولة في وجه المتآمرين، فسقط عمود خيمتهم في القاهرة، ثم توالت النكسات في بقية البلدان "عدا المغرب وتونس"، وفقد "الإخوان" مقاعدهم في السودان والأردن. ومن باب آخر دخل الروس في منافسة على الأرض السورية، وتكتل الأكراد في سوريا والعراق، ودخلت مصر والإمارات على خط ليبيا، ووجدا المساندة من روسيا وفرنسا. 
 
كما فشلت محاولات بناء تجمع إسلامي موازٍ لمنظمة التعاون الإسلامي في جده، ولم يحضر أول وآخر اجتماع لها في كوالالمبور غير رؤساء: المحرض التركي، والممول القطري، والمستضيف الماليزي، الذي أقيل لاحقاً. وأخيراً اعترفت الحكومة "الإخوانية" في المغرب بـ"الكيان الصهيوني، المحتل، الغاصب"، ووقع السلطان العثماني 74 اتفاقاً أمنياً وعسكرياً مع إسرائيل، لا تشمل الاتفاقات الأخرى في كل المجالات، ومنها بناء شركة تركية للسفارة الأميركية في القدس، وتوجها أخيراً بعودة سفيره الى تل ابيب. وهكذا سقطت آخر أوراق التوت التي تواري عورة النفاق "الإخواني". 
 
ولكن، يكبر المرء وتكبر معه خصلتان، الطمع وطول الأمل، كما ورد في الحديث الشريف. فبدلاً من أن يعترف السلطان بالهزيمة ويلملم ما تبقى له من انجاز وتاريخ ويتصالح مع الواقع، واصل مشروعه بإشعال الصراع بكل الاتجاهات، في شرق المتوسط، في أذربيجان، الصومال، مالي، وكشمير، ومع حلفائه وشركائه وجيرانه، من روسيا والهند والصين وايران شرقاً، الى اوروبا وأميركا غرباً، الى جيرانه العرب جنوباً، ما قاد الى انهيارات وأزمات متتالية في القطاعات الاقتصادية المهمة، كالسياحة، والصناعة، وبخاصة الصناعة العسكرية، والطيران، والزراعة، والتجارة. وازداد الأمر سوءاً مع جائحة كورونا والعقوبات الأميركية والأوروبية والمقاطعة الشعبية العربية، وهبطت بذلك الصادرات والليرة التركية الى أدنى مستوياتها، وارتفع التضخم والديون السيادية والتجارية الى أعلى مستوياتها، في التاريخ الحديث. 
 
لقد كانت المعجزة الاقتصادية وسياسة "تصفير المشاكل" وخطوات الانضمام الى الاتحاد الأوروبي والعودة الى الحاضنة الإسلامية والشراكة العربية أبرز إنجازات حكومة الرئيس أردوغان، وخسارتها كلها سيفقده ليس كرسيه فحسب، بل حتى مكانته في تاريخ تركيا الحديث. وقد أدرك العقلاء في حزبه ذلك وحذروه فطرد بعضهم وانسلخ آخرون من المؤسسين بأحزاب جديدة. والمعارضة اليوم تطالب بانتخابات مبكرة، يبدو أنها ستربحها بعد أن خسر حزب "العدالة والتنمية" معظم المدن الكبرى في البلاد، وعلى رأسها الكبرى إسطنبول، والعاصمة أنقرة، وثالث أكبر المدن، إزمير. 
 
السؤال هو، هل يواصل "الرئيس المؤبد" طريق الهاوية؟ أم يعود "القائد الوطني" الى رشده ويراجع سياساته ويتصالح مع شعبه والعالم من حوله؟ هل يعيش "السلطان" حلم "السلطنة" و"أسطورة" نبوءة السلطان عبد الحميد الثاني بقيامها عام 2023، أم يستيقظ على حال بلاده ويقدم مصالحها على أوهامه؟ صفحات التاريخ تسجل الفصل الأخير، وساعة الرمل توشك أن تفرغ، و... "بايدن" في الطريق! 
 
@kbatarfi
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم