إعلان

بايدن والعرب والخليج!

المصدر: النهار العربي
حسين شبكشي
بايدن ونائبته كمالا هاريس
بايدن ونائبته كمالا هاريس
A+ A-
منذ احتدام الصراع في المراحل الأولى للسباق الرئاسي الأميركي ومع تكرار تصدر المرشح الديموقراطي جو بايدن استطلاعات الرأي العام الأميركي وبالتالي تقدمه في فرص الترشح والكسب، والأوساط السياسية ودوائر صناعة القرار في العالم العربي عموماً، وفي منطقة الخليج العربي منه تحديداً، تحاول التكهن ومعرفة كيف سيحكم جو بايدن الولايات المتحدة الأميركية وكيف ستكون سياساته وقراراته الموجهة للمنطقة.
 
تتفاوت السيناريوات المتوقعة والتي تقدم رؤية وتصوراً لحقبة جو بايدن الشرق أوسطية، فهناك من يبسط ويسطح المسألة ويقول إن عهده سيكون باختصار استكمالاً لعهد الرئيس الأسبق باراك أوباما وبالتالي سيكون الفصل الثالث من حكم اوباما. وهذه قراءة سطحية وساذجة على أقل تقدير، فجو بايدن رجل سياسي مخضرم جداً عمل في لجان مؤثرة للغاية في الكونغرس الأميركي وترأس لجنة العلاقات الخارجية وكان مطلعاً على أدق التقارير الاستخبارية المتخصصة في أعقد ملفات الأمن القومي وأهمها وأخطرها، بالإضافة لزياراته لدول المنطقة ومقابلاته مع قاداتها وساستها عبر العقود الثلاثة السابقة ما كون لديه "رأيه الخاص" به وحده. وهو بالتالي سيكّون سياسته بالأسلوب التقليدي او كما يوصف عادة "كما يقول الكتاب".
 
الشرق الاوسط اليوم عموماً، ومنطقة الخليج العربي منه تحديداً، مختلف تماماً عما كان عليه في نهاية حقبة باراك اوباما. فالإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي والذي كان حصان رهان لأوباما في المنطقة تقهقر بقوة شديدة وتعرض لسلسلة عنيفة جدا من الهزات والهزائم السياسية بالاضافة الى عقوبات مالية وتصنيفات بالإرهاب من جانب الولايات المتحدة الاميركية او حلفائها في القارة الأوروبية. حتى تركيا البلد العضو في حلف الأطلسي والداعم الأول للإسلام السياسي السني وجماعة "الإخوان المسلمين" بات ينظر اليها بشكل مريب مليء بالقلق والشك والريبة من دول "حليفة" لها في حلف الاطلسي مثل فرنسا واليونان وقبرص والمانيا والنمسا، وعلى أنها دولة "مساندة" للإرهاب.
 
وطبعاً، موقف الولايات المتحدة الاميركية تجاه إيران وميليشياتها في السنوات الأربع الأخيرة يتحدث عن نفسه، إذ أصبحت أجهزة الدولة الأميركية تنظر الى إيران كمصدر خطر سيبراني ودولة مارقة تستخدم غسيل الأموال وتجارة المخدرات والسلاح لعمليات التمويل الخاصة بها وبالتالي بات من الصعب "الدفاع  عنها  إلا أن الموقف الحقيقي للرئيس المنتخب جو بايدن سيتشكل بشكل أهم وأدق وأعمق عندما يتم الانتهاء من مرحلة اختيار اعضاء ادارته وبالتالي معرفة "نوعية" الكوادر التي تم اختيارها. هل ستكون من المدرسة السياسية "التقليدية" ام ستكون من شخصيات ذات وزن يترك لها "مساحة" شخصية للحراك بنوع من الاستقلالية للمساهمة بشكل مؤثر وفعال جداً في صناعة القرار السياسي بدلاً من الاعتماد على الشق التنفيذي للقرار فقط؟.
 
هناك صورة نمطية يصور الناس بها جو بايدن مبنية على تخمينات سطحية لا تعطي للرجل قدره الكافي ابداً. واعتقد ان الرجل سيكون مفاجاة مهمة لمن توقعه كذلك. فهو اليوم في ختام مسيرته السياسية الطويلة ووصل الى أقصى طموحاته وأحلامه وعلى الأرجح سيكون مرشحاً لمرة واحدة نظراً الى كبر سنه وبالتالي ليس لدى الرجل اي شيء يخسره، بل على العكس تماماً هو أمام فرصة ذهبية، بعد حصوله على اعلى كتلة تصويت في تاريخ الانتخابات الأميركية، لصناعة تاريخ ومجد شخصي له بلا اي عبء او قيود تحد من آفاقه وتطلعاته. واذا كان بايدن ليس بالضرورة باراك اوباما فهو حتماً وبكل تاكيد ليس بدونالد ترامب، وعليه من المنطقي توقع تغيير في الأسلوب والطريقة عند بايدن مقارنة بترامب، فأميركا بالعموم لا تغير أهدافها ولكنها على الأغلب تغير في أسلوبها وتكتيكها وهذا من المنطقي توقعه. كل رئيس يأتي الى المنصب حريص على إحداث توازن دقيق بين المصالح الوطنية لأميركا وبصمة الرئيس الشخصية على تلك السياسات وهنا يأتي الصراع او التناغم بين إدارة الرئيس المصغرة وأركان الدولة الثابتة في صناعة السياسات المستحدثة لاحقاً.
 
إدارة الرئيس المنتخب جوزيف بايدن ستكون مشكلة من تيارات متنوعة تعكس هوية الحزب الديموقراطي نفسه بشتى توجهاته، ولكن يبقى قرار السياسة الخارجية بشكل مركزي في قبضة الرئيس نفسه. الشرق الأوسط ليس غريباً عن جوزيف بايدن ومن المهم جداً تذكر أن الرجل لم يوافق باراك اوباما على حراك الربيع العربي وله موقف متحفظ من تركيا وأردوغان وسيبني على حراك التطبيع مع اسرائيل الذي انطلق مع الامارات العربية المتحدة والبحرين والسودان. جو بايدن سياسي اميركي تقليدي في آخر محطات عمره السياسي وهناك رغبته الجامحة في صناعة مجد يختم به مسيرته بلا قيود متوازناً مع المصالح الاميركية العليا واذا عرفت دول المنطقة قراءة هذه العقلية الخاصة بالرجل تمكنت من معرفة التعامل معه وإزالة الغموض المحيط بالرجل وادارته.


الكلمات الدالة