إعلان

لبنان ... كيف يمكن خفض الإنفاق ومكافحة الهدر والفساد؟

المصدر: علي حمود - النهار العربي
رئيس الحكومة اللبنانية مترئساً لجنة البيان الوزاري
رئيس الحكومة اللبنانية مترئساً لجنة البيان الوزاري
A+ A-
من المفروض أن تنجز الحكومة اللبنانية بيانها الوزاري الذي ستنال على أساسه الثقة من مجلس النواب قبل نهاية هذا الشهر وفق المعلومات المتداولة، والهدف الأول سيكون إدارة وكبح الانهيار الاقتصادي من طريق هيكلة الدين العام والالتزام بالبنود الأساسية الإصلاحية للمبادرة الفرنسية، للنهوض وإنعاش الاقتصاد، إلى استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي وأن تلتزم الحكومة إجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
 
في هذا الوقت وقبل الشروع في برنامج الإصلاح الشامل الذي يفترض أن تطرحه الحكومة كشرط لنيل المساعدات، لا بد من العمل على إقرار خفض مهم وجوهري في الإنفاق، بالرغم من أن خفض الانفاق العام لن يعالج مشكلاتنا الاقتصادية والمالية، إذ إن الطبيعي أن يتم الإنفاق في الاستثمار، وهذه نظرية ترتكز على أن الاستثمار في مشاريع حيوية طويلة المدى تدر فوائد على الاقتصاد حتى لو كان الإنفاق الاستثماري يرتب عجزاً في الميزانية. اليوم من الضروري في هذه الأيام الحالكة التي يمر بها لبنان من شح في إيرادات الدولة وارتفاع مستوى الدين العام، خفض الإنفاق وإجراء إصلاحات شاملة، وذلك في انتظار القروض التي من المفترض أن تساعد في تمويل تأهيل البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة وحل قسم من مشكلاتنا، خصوصاً أن مصرف لبنان اتخذ تدابير صارمة بخفض رأس المال حتى 75 في المئة على الودائع بالدولار، في حين أن التعديل والتقليل من الديون شهد تراجعاً ملحوظاً وطاول خصوصاً أصحاب الودائع الصغيرة والشركات الصغيرة والمتوسطة.
 
يتعرض الاقتصاد اللبناني الى أزمة ركود وتضخم stagflation أي تراجع وانعدام في النمو بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، بالرغم من أن القروض التي ستأتي لتمويل البنية التحتية ستستغرق عقداً من الزمن لتحدث تأثيراً في الاقتصاد وإستعادة النمو والتعافي. أما إذا تخلى البنك الدولي وصندوق النقد والدول المانحة عن الدعم، فقد تتجه الحكومة إلى خفض العجز من طريق زيادة الضرائب لضمان تمويل مستدام للبطاقة التمويلية، إضافة إلى خفض الإنفاق في القطاع الدبلوماسي خارجياً والمباني المستأجرة داخلياً من قبل القطاع العام، وهذه خيارات لن تشكل حلاً للأزمة، لكنها ستقلص من الإنفاق غير المجدي.
 
من أبرز إجراءات الخفض السريعة للتخفيف عن كاهل الموازنة العامة من دون أن تعكس أثراً سلبياً على المواطنين، الحد كلياً من مصاريف وتنفيعات المباني المستأجرة من قبل الدولة اللبنانية وهي مصدر للهدر يفوق 136 مليون بالدولار، وفق الأرقام الرسمية مع وجود قانون قديم جديد يحمل عنوان برنامج تشييد أبنية للإدارات العامة بهدف تخلص الدولة وإداراتها الرسمية من أعباء وتكاليف استئجار المباني. وفي المقابل، وتملك الدولة اللبنانية في بيروت عشرات العقارات بمساحات كبيرة وهي مهملة وغير مستخدمة، تؤجر بمبالغ زهيدة ضمن إطار الفساد والتنفيعات على غرار نادي الغولف وغيرها والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
 
يجب العمل على تفعيل برنامج الحكومة الإلكترونية e-gov لتحقيق وإنفاذ الرؤى الاستراتيجية من خلال استحداث منهجيات واقعية تشجع التحول الرقمي لكل المجتمع والاقتصاد والحكومة، ما يخفف من التكاليف ويسرع في إنجاز المعاملات والخدمات الإلكترونية للمواطنين ويحد من الرشوة والهدر والتهرب الضريبي والفساد. وهذا المشروع تقوم بتنفيذه وزارة الاقتصاد الرقمي لتوفير خدمات رقمية متكاملة موثوقة ترفع من كفاءة الجهاز الحكومي وذلك بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوفير قنوات رقمية ذكية كبوابة الحكومة الإلكترونية وتطبيقات الهاتف الذكي ورفع وعي المواطن بالخدمات الرقمية والترويج لها وإعداد سياسة المشاركة الإلكترونية وتوفير بنية تحتية رقمية متطورة يسهل الوصول إليها واستخدامها من قبل الأفراد والشركات ما يساهم بتوسيع الفرص، ويحفّز النمو الاقتصادي.
 
تلجأ الدول خلال الأزمات الى الحلول السريعة لتقليص مصاريف الدولة بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية أو للحد من تفشي الوباء وسلالاته المتحورة والذي فرض التغيير في السلوك التنظيمي وفقاً للأستاذة "سالي مايتليس من جامعة أوكسفورد".
أما من جهة تخفيف الأعباء خارجياً فيجب القيام بتحويل البعثات والهيئات الدبلوماسية في بلاد الاغتراب الى بعثات إلكترونية تكون أكثر فاعلية وتعتمد على إنجاز معاملات المغتربين من طريق المواقع الإلكترونية وهي شبيهة بالتجارة او المرافعات القضائية او التعليم e-learn او الدفع الإلكتروني e-cash مع الإبقاء على مندوبة الأمم المتحدة في نيويورك، أو أقله خفض البعثات الدبلوماسية إلى الخارج، وتقليصها إلى حدود دنيا.
 
يستدعي الأمر خفض وتقليص الأعباء وتخفيفها عن كاهل الخزينة والتي تشكل أكثر من 90 مليون دولار، وهو مبلغ مرتفع إذا جرت مقارنته بسعر الصرف في السوق السوداء الموازية بمعدل 7.5 في المئة من نفقات الموازنة العامة للدولة، الأمر الذي يستوجب استدعاء السلك الدبلوماسي وخفض الرواتب، كما حصل في قبرص واليونان إبّان أزمتيهما المالية، وإغلاق السفارات وتقليص عدد أعضاء السلك الخارجي، مع الإشارة إلى أنّ الكثير من البعثات الدبلوماسية في الخارج قليلة أو عديمة الانتاجيّة والبديل موجود وأكثر فاعلية e-embassy أوe-diplomacy والمؤتمرات عبر تقنية الفيديو vidéo-conference.
 
يُذكر أنه يوجد حوالى 262 موظفاً في السلك الدبلوماسي موزعين على الفئات الثلاث. ووفقاً لقانون سلسلة الرتب والرواتب في لبنان، فإنّ رواتب الفئة الأولى في السلك الدبلوماسي تبدأ بـ4 آلاف دولار وتصل إلى 8380 دولاراً، أما رواتب الفئة الثانية فتبدأ بـ 3500 دولار لتصل إلى 7240 دولاراً، في وقت تتراوح الرواتب في الفئة الثالثة بين 2900 دولار و6325 دولاراً.
إشارة أيضاً إلى أنّ رواتب السفراء اللبنانيين في بعض الدول تفوق العشرين ألف دولار أميركي في الشهر لتصل الى ثلاثة وثلاثين الف دولار.
السؤال، متى ستبادر الدولة لاتخاذ التدابير والإجراءات الصحيحة للتخفيف من الأعباء بالرغم من وجود البديل في عالم الثورة التكنولوجية smart country-ict authority و smart-diplomacy؟.
 
هذه بعض الأفكار لحلول سريعة في بعض القطاعات وإمكان تطويرها من طريق المكننة وتقليص المصاريف لاستخدامها في قطاع من أبرز القطاعات للحد من الانفجار الشعبي وخفض الأعباء على المواطنين وموظفي القطاع العام، خصوصاً قطاع النقل الذي لا يكلف ما سنوفره من تنفيعات المباني المستأجرة والبعثات الدبلوماسية خارجياً، وسيكون حلاً علمياً وعملانياً لرفع الدعم عن المحروقات الذي يستنزف الدولة اللبنانية بأكثر من 2.8 ملياري دولار سنوياً من الاحتياط الإلزامي أو أموال المودعين وتذهب في مزاريب الهدر لصالح كارتلات النفط والتهريب والاحتكارات.
 
المطلوب خطة سياسية لتنمية اقتصادية شاملة ومستدامة تربط السياسة المالية (كيفية إدارة الحكومة لإنفاقها وإيراداتها) بالسياسة النقدية (كيفية تحديد أسعار الفائدة ولجم التضخم)، واستراتيجية وطنية لمحاربة الرشوة والفساد في كل المؤسسات وكف يد السياسيين عن القضاء.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم