إعلان

"جو بيضون" والسباق إلى البيت الأبيض

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
المرشح الرئاسي الأميركي جو بايدن
المرشح الرئاسي الأميركي جو بايدن
A+ A-

أثناء تصفح شبكات التواصل الاجتماعي يقع المرء على قضايا ومواضيع عدة، منها القيّمة ومنها السخيفة والمسلية ربما كصفحة "حركة أمل لنصرة بايدن 2020". هذه الصفحة تسوق عبر "توتير" للمرشح الديموقراطي للرئاسة الأميركية جو بايدن في مواجهة الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب بأسلوب فكاهي لا يخلو من الجدية، كما تروج لبايدن على أنه نصير للبنان وللطائفة الشيعية موحية بأن "يوسف بيضون"- وهولقب بايدن- سيأتي بالخير على لبنان في حال انتخابه في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

 

وهذه الصفحة الفكاهية تمثل في الحقيقة طريقة تفكير معظم الشعب اللبناني، لا سيما الطرف الذي يناهض سياسة إيران في لبنان والمنطقة. فالقاطن في المكتب البيضاوي وفق عقلية هؤلاء يستيقظ وينام على مشكلات لبنان المتعددة وتشكيل الحكومات، الى الفساد وملف الكهرباء وحتى تلوث نهر الليطاني. ولكن على عكس آمال اللبنانيين وتطلعاتهم خاصة وشعوب العالم عامة، فإن الواقع مغاير تماما والانتخابات الأميركية المقررة لن تغير الكثير خصوصا في لبنان ودول عربية أخرى، فلا تحتاج فقط الى "يوسف بيضون" بل إلى معجزة حقيقية توقف نزيفها السياسي والاقتصادي.

 

المراهنة على الانتخابات الأميركية تأتي من جهل مدقع، أو تجاهل تام للنظام السياسي الأميركي وطريقة انتخاب الشعب الأميركي لممثليه إن كانوا من أعضاء الكونغرس (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) والهيئات المحلية أو كان رئيساً للجمهورية. الممارسة الديموقراطية في المجتمع الأميركي ليست موسمية كما هو الحال في لبنان وليست مرهونة بالانتخابات النصفية أو بصناديق الاقتراع، فالديموقراطية متجذرة في المؤسسات الدستورية التي تحمي المواطن الذي يمارس حقه في شكل يومي عبر رفض أو تأييد سياسات الدولة الفدرالية أو السلطة المحلية، إلى مستوى انتخابه لحارس المرور(Crossing Guard)  الذي يرافق الاولاد وهم يعبرون الشارع إلى المدرسة.

 

فمعظم الناخبين في الولايات المتحدة كولاية ساوث داكوتا ومسيسيبي وأوريغون مثلاً لا يعرفون اين تقع بيروت ولا يتابعون الجدل القائم بين وزير الاقتصاد وتجار الدواجن حول دعم الاسعار. ولكن بعض الأميركيين الذين يتابعون أخبار المنطقة بمن فيهم صناع القرار في العاصمة يعرفون تماماً "حزب الله" ويصنفوه إرهابياً ويعتبرون أنه المسؤول عن استهداف قوات المشاة الأميركية "المارينز" في 23 من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1983 في هجوم انتحاري أودى بأكثر من 241 أميركياً، و58 فرنسياً من قوات حفظ السلام.

 

بالنسبة الى أنصار محور الممانعة، فإن عودة الديموقراطيين الى الرئاسة ستسمح بإعادة ترميم عقيدة أوباما وتتيح لإيران ترميم الاتفاق النووي الذي اطلق يدها في شؤون المنطقة وأدى الى تدمير أربع دول في شكل شبه كامل. في الحقيقة فوز بايدن وكامالا هاريس المرشحة لمنصب نائب الرئيس لن يستطيع أن يحقق أحلام المحور الإيراني كون الفرصة التي قدمها باراك أوباما ووزير خارجيته الخبيث جون كيري فرصة لن تعوض ولو انتخب الولي الفقيه شخصياً كرئيس للولايات المتحدة.

 

وقد تكون كامالا هاريس من المطالبين بالعودة إلى الاتفاق النووي إنما بشروط جديدة تؤمّن نجاح الاتفاقية، ما يعني تخلي إيران عن برنامجها الصاروخي ومشاريعها التوسعية في المنطقة، ومن ضمنها رحيل بشار الأسد الذي وصفته هاريس في إحدى مناظراتها بأنه "ليس فقط ديكتاتورا لا يرحم ويعامل شعبه بوحشية، إنه مجـرم حـرب لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتجاهله."

 

ورغم أن نائب الرئيس ليس المقرر الفعلي للسياسة الخارجية، فإن هاريس ستؤدي دورا اساسياً في قيادتها للكونغرس الذي يقرر بنفسه إما الإبقاء على العقوبات وإما فرض عقوبات إضافية او حتى الموافقة على الحرب. يضاف الى ذلك موقف هاريس المؤيد لإسرائيل ما سيجعل موقفها من "حزب الله" مطابقاً لموقف الادارة الحالية مع اختلاف جوهري وهو أن الديموقراطيين قد يرغبون بمفاوضة مصدر الإرهاب إيران، لكنهم لن يساوموا على أذرعه لا سيما "حزب الله" الذي يشكل خطراً مباشراً على أمن إسرائيل.

 

مواقف الديموقراطيين والإعلام "الليبرالي" الأميركي غالبا ما تأتي كرد فعل على مواقف وتصريحات ترامب غير التقليدية بقالب "نكاية بالطهارة"، ولكن في حال رحيل ترامب سيُجبر الديموقراطيون على العودة الى طبيعتهم التي ستمنع الطرف الايراني من العودة الى شهرالعسل "الأوبامي".

 

جو بايدن يعرف لبنان جيداً وكان قد زاره في مناسبات عدة ضمن وفود رسمية لمراقبة الانتخابات النيابية، كما يعرف النظام الفاسد ومشغليه أفضل من ترامب، ويعرف أيضا أن هذا النظام غير قابل للإصلاح. الفرضية المقلقة يجب ان تكون في إعادة انتخاب ترامب  وليس بايدن كون ترامب في ولايته الثانية سيكون اكثر اندفاعاً لإنجاز "صفقات" سياسية جديدة مع حلفائه وحتى مع إيران، وفي الحالتين ستأتي الصفقات على حساب لبنان وشعبه وستجعل من لبنان "صومال" او "رواندا" أخرى في حال استمرار الوضع السياسي الداخلي القائم.

 

المراهنون على الانتخابات الأميركية كثر خصوصاً الطغاة الذين يعتمدون على تداول السلطة في الدول الديموقراطية الغربية، متناسين أن المقامرة على دماء الشعوب والاعتماد على الحظ هما من شيم أقرانهم من أمثال القذافي وصدام حسين والعديد من حلفاء بايدن واخوانه الذين كانوا في آن واحد جلادي السياسات الأميركية المتعاقبة وضحاياها.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم