إعلان

استياء تونسي من إغلاق الحدود والحصار

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
معبر حدودي بين تونس وليبيا
معبر حدودي بين تونس وليبيا
A+ A-
استياء كبير أثير لدى التونسيين بعد إعلان ليبيا عن إغلاق حدودها مع تونس وإيقاف كل الرحلات الجوية بين البلدين، وذلك بسبب ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا في أرض الخضراء. فتونس هي التي استقبلت أعداداً كبيرة من الليبيين على أرضها خلال عملية الإطاحة بالقذافي وبعدها وتقاسم شعبها مع أشقائه الليبيين المواد الغذائية التونسية المدعومة من الدولة وكذلك الماء والكهرباء وكل ما هو ضروري، ولم يغلق التونسيون حدودهم ولم يضيقوا ذرعاً بأشقائهم.
 
وتؤكد تقارير صحية استقصائية أن السلالة الهندية لفيروس كورونا "دلتا" والتي تسببت في هذا الانتشار السريع للفيروس جاءت إلى تونس من الأراضي الليبية من خلال سائقي الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية من المصانع التونسية إلى ليبيا. فالإصابات الأولى حدثت في إحدى المناطق الصناعية التي تصدر بعض مصانعها منتوجاتها إلى الجارة الجنوبية الشرقية، ورغم ذلك لم يغلق التونسيون حدودهم البرية بوجه أشقائهم ولم يوقفوا الرحلات الجوية بين البلدين.
 
وقد سبق للمغرب أن قام بالإجراء نفسه خلال فصل الربيع حين لم تتطور الحالة الوبائية في تونس إلى المستوى الذي هو عليه الآن، وأوحى التصرف المغربي إلى العالم أن تونس وجهة منبوذة وغير مرغوب في زيارتها. وتزامن القرار المغربي حينذاك مع موسم الحجوزات السياحية وهو ما أضر كثيراً بهذا القطاع الحيوي الذي يعيش منه ومن الأنشطة الموازية له عدد مهم من التونسيين أحيلوا على البطالة في هذا الموسم.
 
كان في إمكان البلدان الشقيقة لتونس أن تذهب إلى خيارات أخرى على غرار التشدد في فرض تقديم كل وافد من الخضراء لشهادة في الفحص السلبي، من دون الإغلاق الشامل للحدود الذي أساء لتونس كثيراً في الخارج. كما كان ممكناً ألا يحظى الإغلاق بكل تلك التغطية الإعلامية المبالغ فيها من الجانب المغربي، ما أدخل الشك والريبة في نفوس التونسيين حول النوايا الحقيقية للمغاربة، باعتبار أن الأمر تزامن مع موسم الحجوزات السياحية.
 
ولعل السؤال الذي يطرح، ما الذي كان سيحصل لو كانت تونس هي التي بادرت إلى غلق حدودها مع هذه البلدان أو مع غيرها بحجة خطر فيروس كورونا والحد من انتشاره؟ من المؤكد أن شعوب هذه البلدان كانت ستنزعج وتعتبر الخطوة سلبية ومسيئة لعلاقات الأخوة وحسن الجوار والتضامن بين الأشقاء، بخاصة إذا جاءت في موسم الحجوزات وبكل تلك الدعاية الإعلامية التي أضرت بالقطاع السياحي. ومن المؤكد أيضاً أن الشعب التونسي "صاحب المشاعر الجياشة" مع أشقائه كان سينقلب على حكومته منتقداً سلوكها المشين، ويضغط بكل الوسائل المتاحة باتجاه أن تتراجع عن قرارها، ولن يغمض له جفن حتى يحصل هذا التراجع.
 
فهناك تجارب حصلت في السابق أثبتت مدى حرص عموم التونسيين على عدم إيذاء أشقائهم والحفاظ على علاقات ودية واستثنائية معهم على غرار تلك الحملة التي شنّوها منذ سنوات على حكومة بلادهم لتتراجع عن فرض ضريبة على دخول الجزائريين إلى تونس وسميت يومها "إلا الجزائر". وبالفعل وتحت الضغط الشعبي تراجعت الحكومة التونسية عن قرارها وتم إلغاء الضريبة وعادت العلاقات بين البلدين إلى سيرتها الأولى خالية من كل الشوائب والضغائن.
وللإشارة فقد كانت ليبيا منذ سنوات قليلة بؤرة للتوتر الأمني في المنطقة وتمكنت منها الجماعات التكفيرية في وقت ما، وهو ما دفع بكثير من البلدان إلى تعليق حركة الطيران معها باستثناء تونس التي لم تقدم على هذه الخطوة رغم وضعها الأمني الهش وإمكان أن يخترقها الإرهابيون من البوابة الليبية. وفعلت الخضراء الشيء ذاته مع ليبيا خلال أزمة "لوكربي" حيث بقيت الأراضي التونسية ملاذاً لليبيين للسفر إلى وجهات مختلفة وللعلاج في وقت تخلت فيه أغلب البلدان عن ليبيا إرضاء للغرب.
 
كما أن بعض البلدان الأوروبية لم تتعامل مع تونس كما يجب خلال هذه الأزمة على غرار بلجيكا التي كانت تعاني الأمرين جراء انتشار فيروس كورونا خلال السنة الماضية فيما وصلت تونس وقتها إلى تسجيل "صفر حالة" وحققت نجاحاً استثنائياً وصنفت كوجهة سياحية آمنة. وفتحت الخضراء حدودها للأوروبيين وغيرهم ولم يصنف التونسيون بلجيكا في قائمة البلدان الموبوءة التي يُمنع مواطنوها من دخول تونس، وأرسلت الخضراء مساعدات إلى إيطاليا التي انهار نظامها الصحي في ذلك الوقت.
 
لكن حين انقلبت المعادلة بفعل سوء تصرف الحكومة التونسية الجديدة المدعومة من "حركة النهضة"، وغرقت البلاد في المستنقع الوبائي، ونجت أوروبا، تم اعتبار تونس من قبل الأوروبيين بؤرة وبائية يمنع مواطنوها من دخول القارة العجوز من دون التدقيق بصرامة في سلامة الوافدين من فيروس كورونا. حصل هذا في وقت انتظر فيه التونسيون أن تتم معاملتهم بالمثل لكن شيئاً من ذلك لم يحصل وتم الضرب بالمصالح المشتركة عرض الحائط.
 
هي دروس وعِبر يستقيها التونسيون من هذه الأزمة وهم الذين لم يعرفوا من قبل مثل هكذا أزمات تمكنهم من التمحيص ومعرفة الصديق من غيره. ومن المؤكد أن آثار هذه الكارثة ستترسخ في الوجدان والعقل الباطن وستعلق معها أشياء كثيرة أخرى في الذاكرة الجماعية ما يصعب محوه على مدى سنوات وعقود، وما يروى للأجيال القادمة. فالعلاقات بين الأشقاء والأجوار على درجة كبيرة من الحساسية ولا بد لمن يروم إنشاء أي شكل من أشكال التعاون والإندماج، سواء أكان مغاربياً أو متوسطياً أو حتى ثنائياً، من ألا تغيب عن باله هذه الأشياء، وأن يفكر ملياً قبل الإقدام على أي خطوة قد تسيء إلى الجار حتى وإن كانت عن غير قصد.
 
الكلمات الدالة