إعلان

حروب المياه هل تبدأ بإثيوبيا؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
سد النهضة الإثيوبي
سد النهضة الإثيوبي
A+ A-
من كان يتصور أن بلاد الرافدين، العراق وسوريا، ستشكوان يوماً من نقص المياه؟ من كان يتخيل أن أرض النيل العظيم الذي طالما فاض وأغرق، سيأتي يوم يخاف أهله من العطش؟
 
عندما بنيت السدود على هذه الأنهر، كالسد العالي في مصر، وسد الروصيرص في السودان، لم تكن بهدف توفير المياه بل لكبحها وتنظيم توزيعها وانتاج الطاقة الكهربائية منها. وعندما بنيت مشاريع المياه في البصرة كان هدفها السيطرة على المستنقعات وفوائض الماء، أما مياه الشرب والزراعة فقد كانت من المسلمات.
 
ضعف العرب وطمع العجم
هذا ما كان عليه الحال الى عقود مضت. ثم ضعف العرب وطمع العجم. ففي تركيا بدأ مشروع ضخم لبناء السدود في التسعينات من القرن الماضي على نهري دجلة والفرات لزيادة الرقعة الزراعية في جنوب البلاد، فنقصت حصة الشام والعراق الى حد كبير وليس خطيراً. فقد وقفت الحكومات العربية وقتها مع حكومة صدام حسين وحافظ الأسد، وتم الاتفاق على آليات تضمن تدفق المياه في شكل كافٍ للشرب والزراعة، وإن لم يعد الى ما كان عليه.
 
ثم جاء غزو العراق وهيمنة إيران عليه، وسكتت الحكومات العراقية الموالية لطهران عن تحويل موارد المياه المغذية لنهر دجلة ببناء سد اليسو التركي، وتحويل مياه شط العرب إلى الداخل الإيراني. وعجزت حكومة الظل الفارسي في دمشق عن التصدي لمشاريع تركيا على نهر الفرات، وأكبرها سد أتاتورك، حتى نقصت كمية المياه المخصصة لسوريا، والمتفق عليها دولياً، الى الربع.
 
الفساد والحروب
وزاد الطين بلة تعطل الكثير من مشاريع تنقية المياه وحفظها وتوزيعها في البلدين، نتيجة لفساد السلطة وانشغالها بالصراعات الداخلية والحروب الأهلية. وتأثرت بذلك المناطق الزراعية الى حد اللجوء الى استيراد الخضار والفواكه والحبوب واللحوم والدواجن والألبان من إيران وتركيا. كما أسفر نقص المياه والطاقة عن أزمات شديدة لحواضر ومدن من البصرة الى الموصل، ومن حلب الى دمشق. ولجأت الحكومات الى استيراد الكهرباء والوقود من البلدان المجاورة. وأن تشتري مدن عراقية وسورية الوقود من إيران وهي المنتجة للنفط والغاز؟ وأن تستورد البصرة الماء من جيرانها وهي على مصب النهرين، دجلة والفرات!
 
سوريا
توصل تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الى أن تناقص المياه في منطقة بلاد الشام، سيتواصل خلال السنوات المقبلة، حتى تبلغ نسبة النقص 50 في المئة سنة 2025. ويرى خبراء أن تناقص المياه سيؤدي الى تزايد الاستيراد للمواد الغذائية المستهلكة للمياه من الخارج، ما يضع البلد تحت رحمة الموردين لأهم حاجات السكان الحياتية.
 
ورغم أن سوريا تقع على البحر الأبيض المتوسط، وفي إمكانها الاستفادة من تحلية المياه، ولديها مياه جوفية وموارد نهرية، إلا أن عدم استقرار البلاد، وضعف مشاريعها التنموية، وافتقادها للتقنية العالية والاستثمارات الأجنبية، يقلل من فرص الاستفادة وحسن استغلال الموارد المتاحة للشرب والزراعة.
 
الأردن ولبنان
كما يضاف الى المعادلة انخفاض معدل الأمطار لأسباب مناخية، وتقلص حصة سوريا من نهر الفرات، وحصة الأردن وسوريا ولبنان من نهر الأردن الذي تشارك فيه إسرائيل، وكل هذه البلدان تشهد نمواً في عدد السكان والأنشطة الزراعية والصناعية المستهلكة للمياه.
 
كل العوامل السابقة الإشارة اليها ستؤثر على حصة لبنان من المياه. بخاصة في غياب المشاريع المائية، كالسدود ومحطات التحلية، والتوزيع العادل والمتوازن للمياه. كما أن استخدام الأراضي الزراعية لإنتاج المواد المخدرة، يساهم في شكل متزايد في زيادة الاستهلاك المائي وضعف الانتاج الغذائي، وبالتالي زيادة الاستيراد للمواد الأساسية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية. ويؤثر تناقص الأمطار والتلوث المسرطن والمشاريع الكهرومائية على انتاجية الليطاني، وهو أطول وأسخى الأنهر اللبنانية، حيث ينبع ويجري ويصب في لبنان، بطول 170 كلم وقدرة مائية 770 مليون م3 سنوياً.
 
العراق
ويشير تقرير لمنظمة مرصد حقوق الإنسان "هيومن رايتس واتش" الى تقاعس السلطات العراقية عن إدارة وتنظيم الموارد المائية في العراق في شكل مُناسب، ما أدى إلى حرمان سكان محافظة البصرة جنوب العراق - البالغ عددهم حوالى 4 ملايين نسمة - من حقهم في الحصول على مياه شرب نقية.
 
مصادر المياه الأساسية في البصرة هي نهر شط العرب وقنوات مياهه العذبة. لكن الإخفاقات الحكومية المتعددة منذ الثمانينات من القرن الماضي، بما في ذلك سوء إدارة المنابع في أعلى النهر، وعدم تنظيم التلوّث والصرف الصحي، والإهمال المزمن للبنية التحتية للمياه، تسببت كلها في تدهور المجاري المائية.
 
وفي مرحلة ما بعد الغزو الأميركي للعراق تفاقمت الأزمة بسبب تحويل إيران لمنابع وموارد رئيسية للمياه الى الأراضي الإيرانية وحجبها عن سكان البصرة.
 
الصومال
وساهمت الحرب الأهلية وإهمال المشاريع المائية وسوء إدارة الموارد المائية مع تناقص الأمطار والمياه الجوفية في نقص خطير للمواد الغذائية الزراعية والحيوانية، والمياه الصالحة للشرب خلال العقود الثلاث الماضية.
 
وما زال غياب الاستقرار السياسي والأمني والصراعات العسكرية يغيّب الحلول المطلوبة عاجلاً لتفادي المجاعة. ومن ذلك إنشاء محطات تحلية على المحيط الهادئ، وحفر الآبار الارتوازية، وبناء شبكات توزيع للمياه والصرف الصحي، واستخدام التقنية في رفع كفاءة استثمار الموارد المتاحة.
 
الجزيرة العربية
وأدت الحرب الأهلية في اليمن الى هبوط حاد في الانتاج المائي والزراعي. فرغم الحاجة الملحة لبناء السدود ومحطات التحلية والبنية التحتية لإدارة الموارد المائية، الا أن المناطق الزراعية تشهد مزيداً من الإهمال للمنتجات الغذائية كالخضروات والفواكه، لصالح مزارع القات الأكثر ربحية.
 
كما تسبب تجنيد السلطات الحوثية للمزارعين وفرض الضرائب العالية عليهم وعدم توافر الأسمدة والمعدات وغلاء الوقود ومصادرة المنتجات لصالح المجهود الحربي، الى الهجرة للمدن وإهمال المناطق الزراعية.
 
وفيما يزداد انتاج المياه المحلاة في دول الخليج العربية، وتطور أساليب الزراعة، وتنقية وتوفير الماء، يزداد الضغط على المياه الجوفية نتيجة لانخفاض نسبة السيول والأمطار، وزيادة الضخ من الآبار الأرتوازية لسقي مزارع النخيل والقمح والشعير، وغيرها من الاشجار المستهلكة للمياه.
 
بلاد النيلين
أما في مصر والسودان، وهما من أكثر البلدان اكتفاءً بالمياه، فنذر النقص أصبحت أوضح من أي وقت مضى. فالزيادة السكانية المضطردة في البلدين لم يواكبهما زيادة الترشيد في استخدام الماء للزراعة والاستهلاك المنزلي والصناعي.
 
وفي المقابل، تهدد مشاريع السدود في الهضبة الإثيوبية على النيل الأزرق، وأكبرها سد النهضة، بنقص حاد يواكب كل امتلاء للسد. وقد لا يكون النقص ملموساً في السنوات المقبلة، إلا ان أي نقص في تدفق النهر، وأي زيادة في عدد السدود المقامة عليه، قد يشكل أزمة خطيرة لمياه الشرب والزراعة وانتاج الكهرباء.
 
يقول مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، هانز فانز جينكل، إن حروب المياه، أهلية أم دولية، ستشكل مكوناً رئيسياً في صراعات القرن الحادي والعشرين. ويتفق معه الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بطرس بطرس غالي، الذي يرى أن غياب اتفاقات المشاركة في المياه ستتسبب بصراعات دموية في الشرق الأوسط، هذه المرة لن تكون حول النفط والمعادن، بل المياه.
 
إذا كان النفط والمعادن الثمينة هي سر الثروة، فإن الماء هو سر الحياة. وإذا كانت نذر الحرب تحوم فوق بحيرة تانا الإثيوبية، منبع النيل الأزرق، فإنها غير مستبعدة في مناطق أخرى من المنطقة.
 
الحلول المستدامة
تشمل الحلول المستدامة تبني اتفاقات دولية ملزمة لتوزيع حصص المياه، وهنا يأتي دور المنظمات الأممية، وعلى رأسها مجلس الأمن، والإقليمية كمنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، لحل الخلافات والتحكيم بين المختلفين وفرض آليات الحلول والالتزام بالاتفاقات.
 
كما نحتاج إلى زيادة الإنفاق على المشاريع المائية الرئيسية كبناء السدود والقنوات وشبكات المياه بين المناطق في الدولة الواحدة، والإقليمية بين الدول المتجاورة. وإنشاء محطات التحلية والتنقية للشرب، وإعادة الاستخدام لمياه الصرف الصحي للزراعة والصناعة. وكذا الاستثمار في المجالات الجديدة مثل استمطار السحب. مع وضع استراتجيات وطنية لترشيد الاستهلاك، ويشمل ذلك حملات التوعية، والارتقاء بمواصفات ومقاييس البناء والزراعة والصناعة، واستخدام التقنيات الحديثة، كتطبيقات الرصد والمتابعة والذكاء الاصطناعي، لتوفير الموارد وإدارتها.
 
وتشمل المشاريع المستقبلية الكبرى برامج مواجهة التصحر والتلوث والتبدلات المناخية، ومنها مبادرات الأمير محمد بن سلمان المناخية، وتشمل التحول الى الطاقة المستدامة، و"مبادرة السعودية الخضراء" لزراعة عشر مليارات شجرة وزيادة المحميات الطبيعية الى ثلث مساحة البلد، "ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر" لاستزراع أربعين مليار شجرة.
 
@KBATARFI
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم