إعلان

في خيار الصدام مع دولة الاستقلال ورمزها

المصدر: النهار العربي
ماجد البرهومي
الحبيب بورقيبة
الحبيب بورقيبة
A+ A-
يدرك القاصي والداني في تونس وخارجها مدى حقد من يدّعون المرجعية الدينية لتنظيماتهم بوجه عام، و"حركة النهضة" الإخوانية، بوجه خاص على دولة الاستقلال في تونس ورمزها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. واعتبر أحد الضالعين في التاريخ أن حملات التشويه التي طاولت بورقيبة من قبل هؤلاء فاقت في بشاعتها ما جاء في وصف ممثلي إقليم كامبانيا في مجلس الشيوخ الروماني لعدوتهم قرطاج وقائدها الفذ هنيبعل الذي بات في نظر الكامبانيين رمزاً لكل شرور الأرض في ذلك العصر المأزوم الذي شهد أشرس المعارك الضارية بين قرطاج وعدوتها روما.
 
لقد كانت لدى هؤلاء المتاجرين بدين الله في السياسة، على ما يبدو، قناعة ثابتة مفادها أن ترسيخ وجود الأنا وحضورها القوي في الفضاء العام يقتضي التخلص من الآخر ودحض أطروحاته وإنكار نجاحاته وشيطنته والتشكيك حتى في هويته وانتمائه. فلم يكن مصادفة أن تنبني حملات التشويه "الإخوانية" لبورقيبة على جملة من الأكاذيب من بينها إغلاقه لجامع الزيتونة، وهي الكذبة الكبرى التي روج لها البعض حتى قبل انبعاث التيار "الإخواني" التونسي، وتلقفها جماعة حركة الاتجاه الإسلامي سابقاً أي "حركة النهضة" حالياً وأمعنوا في تكرارها وترديدها حتى صدقها أتباعهم وكثير من المؤلفة قلوبهم ومن يكتفون بسماع الأراجيف من هذا أو ذاك واعتبارها من المسلمات من دون بحث أو تمحيص.
 
فخلافاً لما يدعيه كثير من أبناء التيار "الإخواني التونسي"، لم يحصل في تاريخ البلد أن أمر الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بغلق جامع الزيتونة المعمور في وجه المصلين حتى في ذروة ملاحقة الدولة لعناصر حركة الاتجاه الإسلامي. كما لم يحصل أن تم إنهاء التعليم الزيتوني في تونس من قبل الرئيس بورقيبة، وإنما تم نقل طلاب العلم من الجامع الأعظم إلى بناية جامعية عصرية يمكن داخلها تدريس اللغات وعلوم العصر استجابة لدعوات إصلاح التعليم الزيتوني التي برزت حتى قبل الحقبة البورقيبية وانبلاج فجر الإستقلال.
 
لقد كان في إمكان المتاجرين بدين الله في تونس استغلال العلاقة الجيدة والمتينة التي كانت تجمع بورقيبة بـ"إخوان" مصر للبناء عليها والاستفادة منها والتأسيس لعلاقة مختلفة تماماً عن تلك التي نشأت مع دولة الاستقلال من خلال البحث عن صيغة للانخراط في الحياة السياسية السلمية بعيداً من العنف والصدام مع الدولة الذي أوصل تونس إلى ما هي عليه اليوم من أحقاد وخلافات بين مختلف مكوناتها، لكنهم لم يفعلوا واختاروا الصدام مروّجين لمقولات استفزازية من قبيل أن بورقيبة هو عدو الله والشر المطلق الذي استهدف الإسلام في أرض الإسلام، فيما هم روح الله في الأرض وملائكته ورسله ووكلاؤه الأوصياء على دينه.
 
هل كان هؤلاء يجهلون أن بورقيبة هو من دافع عن سيد قطب ورفض إعدامه من قبل جمال عبد الناصر ووصل الأمر إلى حد تنديد مجلس الأمة التونسي بحكم الإعدام لمرجع "الإخوان" في تونس وفي العالم؟ هل كانوا على علم حين تصادموا مع بورقيبة أن الصحافة التونسية وبدفع من هذا الأخير شنت حملة شعواء ضد المحاكمات الجائرة التي طالت "الإخوان" في مصر في عهد جمال عبد الناصر بسبب علاقات بورقيبة المتينة بالجماعة التي تعود إلى فترة إقامته في القاهرة قبل استقلال تونس ونضاله من أجل القضية التونسية بالقرب من جامعة الدول العربية حديثة النشأة في ذلك الوقت؟
 
لقد خطب بورقيبة جنباً إلى جنب مع سيد قطب في مقر جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام 1947، وطالب "أمم المشرق العربي" أن تشد أزر شقيقاتها في "المغرب العربي"، وزار حسن البنا المرشد العام لـ"الإخوان المسلمين" مقر مكتب المغرب العربي في القاهرة عام 1947. ومنح بورقيبة بعد الاستقلال الجنسية التونسية للقيادي "الإخواني" المصري يوسف ندا مثلما منحها للصحافي الفلسطيني محمد علي الطاهر الذي كان خير سند للقضية التونسية أيام إقامة الزعيم الحبيب بورقيبة في القاهرة بحثاً عن الدعم من أجل استقلال تونس.
 
لقد كانوا يعرفون ذلك حق المعرفة، خصوصاً كبيرهم الذي زرع فيهم كل تلك الأحقاد على دولة الاستقلال وعلى رمزها، وهو الذي رفض الترحم عليه ووصفه بـ"المخلوع الأول" مباشرة بعد "التمكين"، لكنهم اختاروا طريق الصدام وشيطنة الآخر لأنه اقصر الطرق للوصول إلى الحكم غير عابئين بما قد يخلفه خيارهم من كوارث وأزمات على البلد وعلى مستقبل التونسيين عموماً. لقد أرادوا حرق المراحل وحكم تونس، العصية على أمثالهم، في وقت لم تكن لهم فيه القدرة حتى على إدارة جماعة محلية محدودة السكان، أو حتى أصغر التقسيمات الإدارية الترابية على غرار العمادة.
 
وبالتالي فإن سلوك قادة حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً)، هو الذي دفعه إلى معاداتهم سياسياً خوفاً من تهديدهم لمكتسبات دولة الاستقلال ولتهجمهم المستمر ومنذ البداية على شخصه. حتى أن بورقيبة وفي رده على القيادي "الإخواني" توفيق الشاوي، الذي زاره عام 1982 من أجل الوساطة بينه وبين حركة الاتجاه الإسلامي في تونس، قال ما مفاده أن الحركة الإسلامية التونسية رجعية وهي غير متنورة مثل الحركات "الإخوانية" في المشرق وهي تهاجمه شخصياً ويجب أن تؤدب.
 
ولعل من المفارقات أن رجب طيب أردوغان الذي يرى فيه كثير من أنصار "حركة النهضة" في تونس القائد الملهم و"الأسوة الحسنة" والمرجع في العمل السياسي، دأب على زيارة قبر مصطفى كمال أتاتورك سنوياً وتعليق صورته في كل مكان معترفاً له ضمنياً بفضله في عملية بناء تركيا الحديثة رغم اختلاف المرجعيات. ولعل زعيم العثمانيين الجدد قد أدرك ما لم يدركه جمهور "حركة النهضة" من قياديين وأتباع ومريدين وهو رمزية الآباء المؤسسين وأهمية أن تكون لكل بلد مرجعياته ورموزه وإن كانوا بشراً خطائين.
 
*كاتب سياسي تونسي - رئيس المركز المغاربي للبحوث والدراسات
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم