إعلان

الحرب الباردة الخفيّة في العلاقات الجزائريّة المغربيّة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-
يصف البعض ما يحصل بين الجزائر والمغرب في الآونة الأخيرة بـ"الحرب الباردة" التي يسعى فيها كل طرف إلى اختراق الطرف الآخر والإضرار بمصالحه، سواء في الداخل أو في الخارج، وتحديداً على المسرح الأفريقي. فقد تعددت الملفات موضع الخلاف، ولم يعد الأمر يقتصر على قضية الصحراء والحدود الموروثة عن الاستعمار وغلق المعابر، بل تجاوزها إلى قضايا أخرى مستحدثة فرضها تطور الحوادث وواقع البلدين.
 
ولعل من أهم الملفات التي أساءت أخيراً للعلاقات بين الجاريين المغاربيين، وهي السيئة من الأساس، مسألة المهلة التي منحها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لبعض الشركات الجزائرية لإنهاء التعاقد مع من سماها كيانات أجنبية معادية للجزائر. ويعتقد أن ساكن المرادية يقصد شركات التأمين المملوك معظم رأسمالها من الدولة الجزائرية والتي تؤمّن مؤسسات عمومية هامة على غرار شركة النفط سوناطراك الحكومية التي تعنى بقطاعي النفط والغاز في البلد، أي الشركة التي يستند اليها الاقتصاد الجزائري برمّته.
 
وبرغم أن المغاربة، وفي قراءة لهذا القرار المفاجئ، ذهبوا باتجاه أن الرئيس تبون يرغب في قطع التعاون معهم واستهداف مصالحهم، باعتبار أن هناك شركات مغربية التجأت للتأمين لدى شركات التأمين الجزائرية المشار إليها، إلا أن المقصود من تصريحات تبون على ما يبدو الخشية من ولوج شركات إسرائيلية شريكة مع نظيراتها المغربية في المنظومة المعلوماتية لشركات التأمين الجزائرية، ومن خلالها إلى مؤسسات حيوية على غرار سوناطراك. ولعل ما يؤيد هذا التوجه هو رصد الجانب الجزائري عمليات اختراق لمنظوماته المعلوماتية مصدرها الأراضي المغربية، وهو ما دفع، برأي هؤلاء، الرئيس إلى التحرك لاتخاذ قرار كهذا، أي ضرورة إنهاء شركات التأمين الجزائرية تعاملاتها مع الشركات المغربية.
 
في المقابل، يرى فريق آخر أن قرار تبون جاء متسرعاً، باعتباره سيكبد شركات التأمين الجزائرية خسائر فادحة يبدو الاقتصاد الجزائري في غنى عنها في ظل تراجع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، وعدم نجاح الجزائر في تركيز إقصاد فعلي خارج إطار النفط والغاز. كما أن سمعة الدولة الجزائرية وشركات تأمينها في السوق العالمية ستتضرر كثيراً جراء هذا القرار الرئاسي الذي فاجأ أطرافاً كثيرة داخلية، وأزعج الكثير من الراغبين في الانفتاح والقطع مع الاقتصاد الحمائي الذي تتحكم به الدولة ومؤسستها العسكرية.
 
واعتبر المنتقدون من دعاة التوجه الليبرالي الرأسمالي وتكريس اقتصاد السوق أن هناك خيبة أمل من إمكان تشكل جزائر جديدة مع عبد المجيد تبون، تنفتح أكثر اقتصادياً على محيطها، وذلك برغم الإصلاحات السياسية التي تحققت في بلد المليون شهيد منذ إطاحة نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فالإصلاح السياسي إن لم يكن مشفوعاً، برأيهم، بإصلاحات اقتصادية واجتماعية هامة يصبح بلا معنى، وأول هذه الإصلاحات، بالنسبة إليهم، هو رفع يد الدولة عن المؤسسات العمومية ومنحها هامشاً من الحرية لاقتحام الأسواق والمنافسة، وهو ما سيعود بالنفع على الاقتصاد الجزائري.
 
وبرغم أن الشركات المغربية ستستفيد كثيراً من التعويض عن إيقاف التعاملات، وستقبض مبالغ طائلة باعتبار أهمية العقود المبرمة بين الجانبين، إلا أن هناك انزعاجاً لدى الرأي العام في المغرب من هذه الخطوة الجزائرية "التصعيدية" المفاجئة، بخاصة أنها تزامنت مع خطوات تصعيدية أخرى، إذ ذهب البعض إلى اعتبار أن إيقاف شركات التأمين الجزائرية تعاملاتها مع الشركات المغربية يأتي في إطار سلسلة من الإجراءات، هدفها عزل المغرب والإضرار به سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفي شتى المجالات، بخاصة أن حادثة العرجة ما زالت ماثلة في الأذهان.
 
فقد سبق للجزائر أن منعت مزارعين مغاربة من العمل في أراض تتبع الجزائر في منطقة العرجة الحدودية، رآه البعض رداً على التصعيد الحاصل عبر تجدد القتال بين المغرب والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) بشأن الصحراء الغربية. كما رأى البعض في تلك الخطوة وفي تصريحات تبون بشأن إنهاء التعاقد مع الشركات الأجنبية، رداً جزائرياً على اعتراف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بـ"مغربية الصحراء"، مقابل التطبيع بين المغرب وإسرائيل، وكأن الجزائر، بحسب هؤلاء، بصدد البحث عما يمكن أن يزعج جارتها التي ترى أنها أخطأت بالاستنجاد بالخارج في صراع إقليمي.
 
ويبدو أن الأمر مرشح لمزيد التصعيد بين البلدين، في إطار هذه الحرب الخفية غير المعلنة، والتي تتضمن معظم عناصر الحرب الباردة على غرار استهداف المصالح الاقتصادية والتجسس الرقمي وغير الرقمي، والحرب الإعلامية التي لا تكاد تنقطع من هنا وهناك. كما تشهد هذه الحرب سباقاً محموماً نحو التسلح دأبت عليه كل من الجزائر والمغرب منذ الاستقلال، وأنهك خزينتي البلدين اللذين يضعان هذا السباق في خانة توازن الرعب الذي يردع هذا عن ذاك وتستفيد منه الشركات الأميركية والروسية على وجه الخصوص.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم