إعلان

ألا يمكن أن يمرّ الضّوء اللبناني إلا على حصان إسرائيلي ومن الثّقب السوري؟

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
اصلاح انبوب الغاز من الاردن الى لبنان
اصلاح انبوب الغاز من الاردن الى لبنان
A+ A-
لمن يريد أن يتساءل، ثمة العديد من الأسئلة حول ذلك الأنبوب الذي ولد فجأة من رحم طارئ. فبعد عقود طويلة من أزمة الكهرباء المزمنة في بيروت، ومع انهيار المنظومة المصرفية اللبنانية، وبعدما صار لبنان في رمق أخير، خرج علينا أصحاب الأنبوب من قبعتهم بأنبوب يريد أن يشكل شريان الحياة للبنان. 
 
يثير هذا المشروع الكثير من الأسئلة، بعضها جاد جداً إلى حد السخرية يا للأسف. أولها لماذا لم يطرح هذا المشروع في أيام الرخاء؟ ويوم كان لبنان على سروج كل خيله؟ فالأزمة مزمنة ومكلفة والغاز موجود، والفلوس موجودة والحمد لله. ثم، إذا كان التمويل وافراً لدى صندوق النقد الدولي، فلماذا لم يقدمه منذ زمن من أجل بناء محطات لتوليد الطاقة لزيادة طاقته الإنتاجية، أو بمبالغ أقل بكثير من أجل تطوير قدرة لبنان على استقبال الغاز المسيل؟ لماذا نقدم حلاً موقتاً لا يسمح للبنان بأن يستقل بموارده الحيوية؟ 
 
بالأصل، يمتد أنبوب النفط "العربي" من العريش في مصر، ويمر بالعقبة، ثم يتجه شمالاً على طول الأراضي الأردنية، ليلتقي بأنبوب الغاز الآتي من شواطئ حيفا، وعندها يختلط الغاز الإسرائيلي الذي تستورده الحكومة الأردنية بالغاز المصري. كما أن الكهرباء الأردنية ذاتها التي ستصدر إلى لبنان، مروراً بسوريا، يتم توليد جزء رئيسي منها بالغاز المستورد من إسرائيل.
 
يقول ماثيو زايس في مقالته على موقع مركز "المجلس الأطلسي"، إن الغاز الذي سيصل لبنان سيصل مخلوطاً حتماً بين الغاز المصري والغاز الإسرائيلي قبل وصوله إلى الأردن، متسائلاً إذا كان المسؤولون الأميركيون، أو الأمين العام لـ"حزب الله" نفسه، يعترفون أو يتطلعون إلى إخفاء الدور الذي قد يلعبه الغاز الطبيعي الإسرائيلي في إنقاذ لبنان من الانهيار الاقتصادي الذي فرضه الحزب على نفسه. 
 
تضع إدارة بايدن مخططاتها من أجل مداورة عقوبات الكونغرس، وتتذرع أمامه بأنها ستعطي استثناءً يصب في مصلحة الأمن القومي، يمنح لفترة محدودة لا تتجاوز 180 يوماً، قابلة للتجديد، لتمويل المشروع، نظراً الى تضارب المصالح الأميركية مع احتمال اعتماد لبنان على قوى معادية لسياستها لمدّه بمشتقات الطاقة. وبالتالي، تدّعي الإدارة أن من مصلحتها "إعفاء لبنان وسوريا من العقوبات بخصوص هذا المشروع". 
 
لكن هذه الإدارة بدورها لا تجيب عن تساؤل حول ما يمكن أن تفعله هي في حال توقيع اتفاقية نووية جديدة بين القوى الغربية وإيران، حيث سيتم رفع العقوبات، وسيتمكن النفط والغاز الإيرانيان من التحرك بحرية إلى لبنان عبر سوريا. 
 
إذاً ثمة وراء الأكمة ما وراءها.
 
وبالرغم من ذلك، فإن استثناء الإدارة وحده لا يكفي، نظراً الى تشعب القوانين، كما أن المناخ في واشنطن أبعد ما يكون عن الاستقرار. فرفع العقوبات الأميركية عن إيران عام 2016، على سبيل المثال، لم يزد الاستثمارات في إيران إلا زيادة محدودة، نظراً الى ما يسمى "عقوبات ثانوية"، كالقيود على التحويلات المالية بالعملة الصعبة، أو خشية الشركات العالمية من الاستثمار في بلد فُرضت عليه عقوبات. 
 
ثم إن عبور الغاز من سوريا، يجعلها خط ترانزيت، ويستوجب حصولها على ثمنه، ويستبعد تنازل سلطات النظام السوري عن هذه المستحقات. كما أن هناك تساؤلات عن الجهة الممولة لصيانة الأنابيب في الأراضي السورية، حيث تمر في مناطق الجنوب السوري غير المستقرة استراتيجياً وسياسياً، والتي تحتفظ فيها إيران بقوات معتبرة وموالية لها. كما أن تكاليف التشغيل والصيانة ستعني منح الأموال للنظام رغم العقوبات، وهذه نقاط يُحتفظ بها خارج الأضواء.
 
لكن كل المعطيات تشير الى أن هذه القضايا أبعد من أن تكون حلولاً مستدامة في مناخ إقليمي وأميركي متقلب بل ومضطرب. ناهيك بحقيقة أن هذا الحل الالتفافي المتعرج لا يمكن أن يشكل حلاً سحرياً للحاجات الحيوية للبنان، نظراً الى عدم امتلاك لبنان بنية تحتية مؤهلة لاستيعاب الغاز الطبيعي، ولا وجود لتمويل لعمليات التوليد.
 
من هذا المنطق الأعوج، كل الطرق تصل الى لبنان حتى لو مرت بالبحر الأحمر، ما دام البنك الدولي يدفع. أما ما سيأتي غداً فذاك غير ذي شأن. 
 
 
الغاز القادم من الحقول الإسرائيلية الى لبنان يكسر كل القواعد. يكسر أولاً قوانين الفيزياء، إذ لا يمكن فصل الغاز الإسرائيلي عن المصري، ويكسر العقوبات الأميركية بحسب قانون قيصر، ويكسر المقاطعة العربية لإسرائيل التي "تلتزم" بها سوريا ولبنان. كل ذلك من تحت الطاولة ولا يمكن أن يدوم.
 
لكن فجأة، وبعد عقود من التلكؤ، يندفع البنك الدولي لتمويل المشروع، ليخرج من جعبته ملياراً ونصف مليار من الدولارات، وتهلل الطبقة السياسية اللبنانية ترويجاً له، وتتلعثم الإدارة الأميركية لمداورة الكونغرس، ويتراكض الأوروبيون للتصفيق. فهل هذا قدر لبنان؟ ولماذا لا يموّل البنك الدولي محطة لتوليد الطاقة في لبنان بنصف هذه المبالغ؟ وتعرض العديد من الشركات، بما فيها جنرال إلكتريك وميتسوبيشي، إمكان تعميرها خلال ستة شهور فقط.
 
كما أن لبنان كان مستعداً للاستثمار في محطة بحرية للغاز الطبيعي، تُعرف باسم وحدة التخزين وإعادة الغاز العائمة (FSRU)، من خلال كونسورتيوم بين شركة قطر للبترول وشركة الطاقة الإيطالية "إيني" وشركة أميركية أخرى. وإذا كان الغاز المسيل القطري قادراً على الوصول الى العقبة، فلماذا لا يمكن أن يصل الي الموانئ اللبنانية مباشرة. كل هذه الأسئلة تجعلنا لا نفهم حقيقة النيات حين يكون الطبل في حرستا والعرس في دوما. 
 
إذاً لماذا لا يوظف نصف هذه الأموال لتمكين لبنان من توليد طاقته بنفسه؟
 
أصحاب الأنبوب لا يريدون لأنبوب الحياة في لبنان أن يكون لبنانياً، بل يريدونه أن يمر من الوصاية السورية وشروطها، بحيث لا يضاء ضوء في ظلام لبنان إلا من ثقب إبرة النظام السوري. الحل العربي السحري الذي أخرجه أصحاب الأنبوب، سبق أن جربه لبنان عبر الوصاية السورية من خلال قوات الردع العربية، وهو ذاته الذي أسس للـ"حل العربي" بعد السابع والثامن من أيار (مايو) 2008. في لحظته ظنه الجميع بلسماً لنكتشف جميعاً أنه إيغال في تفكيك لبنان. 
 
البعض أدمن الحضن السوري، رغم أنه أصبح حضناً خشناً أعجف، إذ لا يزالون يعتقدون بعودة الزمن الماضي للوصاية، لكن الوصي ذاته صار قاصراً عند قاصر عند قاصر. والله المعين!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم