إعلان

الصراع العربي - الإسرائيلي حجر عثرة في زمن الانعطافات الكبرى!

المصدر: النهار العربي
هادي جان بوشعيا
دبابات إسرائيلية على حدود غزة. أ ف ب
دبابات إسرائيلية على حدود غزة. أ ف ب
A+ A-
أشعل فتيل ملف القدس، مختلف المناطق الفلسطينية من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، إضافة إلى الداخل الإسرائيلي، فيما يراقب المجتمع الدولي التطورات، داعياً إلى ضبط نفس لا يبدو أنها قابلة للضبط في الوقت الراهن على الأقل.
 
وفي حين تشكّل تحركات المستوطنين وصواريخ غزة والردّ الإسرائيلي عليها، إضافة إلى الإدانات الدولية، صورة تختصر المشهد القاتم الذي يعيشه المرابطون الفلسطينيون القادمون من المدن كافة لنصرة القدس.
 
الحديث هنا ربما يقودنا حول الكيفية التي قاد فيها حيّ مقدسي معركة إشعال النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن الإسرائيليين والفلسطينيين يحضرون أنفسهم لعنف طويل لم يحدث منذ سنوات، حيث يبرز نزاع حاد حول الأرض في المحكمة العليا وشوارع حيّ في القدس الشرقية، في إشارة هنا إلى حي الشيخ جراح ذي الغالبية الفلسطينية الذي يزعم فيه إسرائيليون ملكيتهم عقارات عاشت فيها عائلات فلسطينية لاجئة منذ عقود.
 
مما لا شك فيه أن حرب غزة وأحداث القدس أعادت الشرق الأوسط برمّته إلى رأس اهتمامات الإدارة الأميركية مع وصول المبعوث الأميركي الجديد إلى المنطقة لخفض التصعيد.
 
يأتي ذلك مع إدانة البيت الأبيض إطلاق الصواريخ على إسرائيل، معبّراً عن قلقه إزاء إخلاء الفلسطينيين لمنازلهم من حيّ الشيخ جرّاح، فيما يشدّد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على حق الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش بأمن وسلام.
 
أمام هذا الواقع برز انقسام عمودي داخل الكونغرس الأميركي بين جمهوريين مؤيدين لإسرائيل ومطالبين بوقف التفاوض مع إيران لدعمها حركة "حماس"، وبين ديموقراطيين رافضين إطلاق الصواريخ على إسرائيل، داعين الإدارة، في الوقت نفسه، إلى التشدّد أكثر مع الحكومة الإسرائيلية.
 
وكان لافتاً موقف أحد النواب الديموقراطيين الذي رأى وجوب إنهاء عنف إسرائيل ضد المتظاهرين الفلسطينيين في الشيخ جرّاح في القدس الشرقية، مشيراً إلى أن السلام والأمن لن يتحققا إلا من خلال إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي. ذلك أن انتقادات ليبرالية للإدارة الديموقراطية طفت على السطح مع تصريح المستشار السابق للرئيس باراك أوباما الذي طالب حكومة الرئيس الأميركي جو بايدن بأن تكون سياستها أكثر وضوحاً حيال ما يجري في القدس كما هي حال أعضاء ديموقراطيين بارزين في الكونغرس.
 
وفي عجالة يمكن طرح أربع قراءات تناقش وتحلل واقع التخبّط الذي تعيشه السياسية الأميركية إزاء ما يجري في فلسطين المحتلة:
 
- الأولى، ترى أنه لا يمكن لبايدن تجاهل الأزمة في القدس، ذلك أن الأوضاع لن تتحسن من دون ضغط أميركي على إسرائيل، إلا أن ذلك من شأنه أن يؤلّب إسرائيل ومؤيديها من الحزبين الديموقراطي والجمهوري ضد إدارة بايدن، خصوصاً أن الأخيرة لا تريد المجازفة في تعاطيها مع الموضوع ما يجعلها تكرّس الوضع القائم.
ولعلّ القمع الإسرائيلي الحالي للفلسطينيين يحضّ إدارة بايدن للتخلي عن موقفها القائم، على ما يبدو، على اعتبار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني قضية ليست على رأس أولوياتها، ما يبرز أهمية كسر سياسة التأييد المطلق لإسرائيل من قبل الإدارات السابقة وشقّ طريق جديدة تنسجم أكثر مع التزاماتها المعلنة بدعم حقوق الإنسان.
 
- الثانية، تجد أن بايدن لا يرغب باستدراجه إلى قضية إسرائيل - فلسطين التي لا تترك له خياراً آخر. بمعنى أن بايدن لديه أسباباً وجيهة تجعله يرغب في التركيز على أكبر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة على الساحة الدولية مثل الصين وإيران وتغيّر المناخ، لكن الواقع يفرض نفسه كما هو الحال بالنسبة إلى الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
كما تعيش الإدارة الأميركية وضعاً سيئاً يمنعها من نزع فتيل العنف الدائر حالياً، حيث لم تعد واشنطن، منذ عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وسيطاً ذا صدقية، فضلاً عن غياب سفير أميركي لدى إسرائيل أو مبعوث للمنطقة.
وتركز القراءة على وجوب إنهاء العنف الذي من المفترض أن يشكّل الهدف الرئيس للحؤول دون تكرار سيناريو مواجهات عام 2014 التي دامت قرابة الشهرين.
 
- الثالثة، تشير إلى أن العنف هو السبيل الوحيد الذي ينتهجه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بغية حرف النظر عن قراره تأجيل الانتخابات خشية تجرّع كأس الهزيمة على يد "حماس" أو أعضاء أكثر تشدّداً في حركة "فتح"، ما يظهر سعيه للحصول على تنازلات من بايدن، في حين تشكّل المواجهات والقذائف مؤشرات على رفض الفلسطينيين لوجود إسرائيل وليس على رغبتهم في سياسة أميركية أكثر حياداً. فيما يسعى الديمقراطيون للعودة إلى سياسة أوباما في التعاطي بحيادية بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وإرسال إشارة للفلسطينيين أن لهم صديقاً في البيت الأبيض وهو ما شجّعهم على اللجوء إلى العنف.
 
- الرابعة، تلفت إلى محاولات "حماس" لاختبار كل من إسرائيل وبايدن، ونظراً لكونها حليفة إيران في الشارع الفلسطيني تسعى تلك المنظمة إلى إشعال صراعها مع الدولة اليهودية من جديد، بناءً على تحريض مرشد إيران علي خامنئي مؤخراً، ظنّاً من النظام الإيراني أنه كلما زادت اشتباكات وكلائه مع حلفاء الولايات المتحدة زاد حرص الإدارة الأميركية على تقديم تنازلات أكثر لإيران في خلال محادثات فيينا. فيما تبرز دعوة واضحة لبايدن لتأكيد الشراكة الأميركية - الإسرائيلية وعدم الانصياع إلى أصوات التقدميين في حزبه بذريعة أن إسرائيل أكثر أهمية من إملاءات أيديولوجية العدالة الاجتماعية".
 
في الختام، بالتأكيد أن ما يحصل اليوم في فلسطين يمثل لحظة تاريخية بكل ما للكلمة من معنى... نفس جديد من الكفاح الفلسطيني المتواصل والدؤوب منذ قرابة قرن كامل ضد الاستعمار والاحتلال الذي قتل وشرّد وهجّر واستباح واستكبر.
 
صحيح أن أثمان هكذا انتفاضة ستكون باهظة، ولكن من كان يخال أن للفلسطينيين هذا الكمّ من العزيمة التي لا تخفت مصحوبة بإصرار ومثابرة لا ينفدان، شرط أن يحافظ عليها الفلسطينيون ويحمونها من استغلال طرف خارجي من هنا وآخر من هناك في ظل مناخ من المصالحات والمفاوضات الإقليمية التي تشي بانفراجات في الأفق القريب أو حتى المتوسط.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم