إعلان

"الناتو" يستدرج "الدب الروسي" في أوكرانيا... وبوتين يلجأ إلى "الغموض المخيف"!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
صورة عبر الأقمار الاصطناعية لحشود روسية مع أوكرانيا. (أ ف ب)
صورة عبر الأقمار الاصطناعية لحشود روسية مع أوكرانيا. (أ ف ب)
A+ A-
يشجع حلف "الناتو" أوكرانيا على مواجهة روسيا، لكنه لا يدعمها. كشفت مناورات أجريت قبل سنوات أن "الحلف" سيخسر الحرب في دول البلطيق، أمام روسيا، خلال 60 ساعة، وهو ما قد يحدث بالفعل في أوكرانيا، التي ينظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عضويتها في "الناتو"، مثلما نظر الرئيس الأميركي جون كينيدي إلى نشر الصواريخ السوفياتية في كوبا في ستينات القرن الماضي. لذلك تتأهب روسيا لقضم أراضٍ جديدة من أوكرانيا أو ضمها بالكامل، واثقة بأن الغرب غير مستعد للمخاطرة بمواجهة عسكرية؛ خشية اندلاع حرب نووية، غير أن هذا السيناريو يخفي وجهاً آخرَ، هو استدراج روسيا، كي تغرق في المستنقع الأوكراني، مثلما غرق الاتحاد السوفياتي، من قبل، في أفغانستان!.
 
قمة بوخارست
لا أحد يعلم ما إذا كانت روسيا ستهاجم أوكرانيا أم لا، المؤكد أن دول "الناتو" غير مستعدة للتصدي للتنمّر الروسي ضد الجيران. لا تفكر الإدارة الأميركية في التدخل العسكري المباشر، حال حدوث سيناريو غزو أوكرانيا، فخلال القمة الافتراضية الأخيرة التي جمعته مع بوتين، أعرب الرئيس الأميركي جو بايدن عن قلق بلاده والحلفاء الأوروبيين من التصعيد الروسي إزاء أوكرانيا، مؤكداً أن واشنطن وحلفاءها سيردون بعقوبات اقتصادية قوية، حال أي اجتياح للأراضي الأوكرانية، وكرر دعمه سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها داعياً للعودة إلى المسار الدبلوماسي.
 
في قمة بوخارست في نيسان (أبريل) عام 2008، اتبع "الناتو" سياسة الإغراء تجاه دول الجوار المباشر مع روسيا، مثل جورجيا وأوكرانيا، ولوح بإمكان ضمهما إلى الحلف وإلى الاتحاد الأوروبي، لكن الحلف لم يحدد متى يحدث الضم، على خلفية عدم ترحيب دوله الرئيسية، كأميركا وفرنسا وألمانيا، بانضمام أوكرانيا إلى الناتو سريعاً، ولم تمضِ أشهر قليلة حتى شنت روسيا حملة على جورجيا، فلم يحرك الحلف ساكناً، وهو ما تكرر عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وهاجمت إقليم دونباس. كان "الناتو" قلقاً بشأن النوايا الروسية تجاه أعضائه أكثر من اهتمامه بالوضع الأوكراني، ما أثار التساؤلات حول قدرة الحلف على ردع روسيا وإشاعة الطمأنينة بفكرة الدفاع الجماعي، حسبما ورد في تقرير أصدره "المجلس الأطلسي"؛ حينئذ غيّر سلوك روسيا العدواني قواعد النظام الدولي القائم، وأظهر أوكرانيا عنصراً حاسماً في الهيكل الأمني الأوروبي - الأطلسي بأكمله في ظل الحرب الروسية الهجينة في أوروبا الشرقية والبحر الأسود.
 
الطُعم الكبير
أيضاً، تكشفت صعوبة انجرار الغرب إلى صراع عسكري مع روسيا، من أجل أوكرانيا. بالنسبة إلى أميركا ودول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، أوكرانيا بلد بعيد يشبه روسيا، ويحاول أن يكون أوروبياً على غير حقيقته؛ إذ لا يفرّق أغلب الأوروبيين بين الروس والأوكرانيين؛ فهل واشنطن مستعدة لمنازلة روسيا إذا لزم الأمر، وصولاً لضرب أهداف عسكرية روسية؟ وكيف تكون الحال لو ردت الأخيرة بإطلاق صواريخ على نيويورك أو أوروبا، أو بغزو دول البلطيق؟ الإجابة تبدو واضحة بالطبع؛ ومن أجل ذلك ترى دول رئيسية في الحلف أن انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" يضعف الأمن الجماعي، ولا يعززه؛ وبرغم ذلك، فإنه لا يمكن تصوّر أن الغرب سيترك أوكرانيا لقمة سائغة لبوتين، فلا الأميركيون ولا الأوروبيون سيكفون عن مناوراتهم في البحر الأسود، أو دعم أوكرانيا وحصار بيلاروسيا.
 
أما أخطر السيناريوات أن تكون أوكرانيا مجرد "طعم كبير"، لاستدراج بوتين إلى مستنقع يجهز عليه وعلى وحدة روسيا ووجودها كقوة مؤثرة في النظام العالمي. كان بايدن واضحاً أنه سيوقع عقوبات اقتصادية قاسية على موسكو لو غزت الأراضي الأوكرانية، وكان أشد وضوحاً بتأكيده عدم نشر قوات أميركية لردع الغزو الروسي المحتمل؛ وكأن بايدن يدعو روسيا لاجتياح أوكرانيا؛ لتكتمل "الكماشة"، وتبدأ مرحلة جديدة لإنهاكها تماماً، من دون أي مواجهات عسكرية مباشرة مع الغرب، مثلما حدث مع الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وإشغال موسكو بمغامرات عسكرية في البلطيق والبحر الأسود وسوريا وليبيا ووسط أفريقيا، أي الاستنزاف من بعد بالحروب الهجينة، في ظل امتلاك الجميع أسلحة نووية؛ فالطرق القديمة ما زالت صالحة للسير ... وهو ما تفعله أميركا أيضاً مع الصين، فقد انسحب "الناتو" من أفغانستان وترك "طالبان" و"داعش" و"القاعدة" على حدود طاجيكستان خاصرة روسيا، وشكلت الولايات المتحدة تحالفين جديدين، يضم الأول: الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، والثاني: أميركا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، لعرقلة الصعود الصيني وشغل مساحة النفوذ في آسيا والمحيط الهادئ.
 
عقل بوتين
يعي بوتين جيداً مزالق الصراع مع الغرب، لكن أوكرانيا بالنسبة إلى الروس هي أصل بلادهم، حيث نشأت بها دولة روس كييف، الموطن الأصلي للحضارة السلافية الروسية، وظلت جزءاً من الإمبراطورية الروسية لقرون طويلة، ومن ثمّ لا يعد التخلي عنها لـ"الناتو" خياراً مطروحاً على الطاولة الروسية. صحيح أن المقارنة العسكرية بين "الناتو" أو الاتحاد الأوروبي أو أميركا، وبين روسيا تظهر تراجعاً روسياً في كل شيء باستثناء السلاح النووي، لكن الغرب قوى وليس قوة واحدة، أميركا وحدها هي القوة الوحيدة الأقوى من روسيا بيد أنها بعيدة من أوروبا، مهمومة بصعود الصين، فيما بريطانيا لا تستطيع تحمل عبء المواجهة منفردة مع موسكو، ففي الاتصال بينهما حذر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الرئيس الروسي من أن "أي تدخل في أوكرانيا سيشكل خطأ استراتيجياً". أما فرنسا، فهي صديقة خفية للروس، وتعد ألمانيا الدولة الأوروبية الوحيدة القادرة لو أرادت بناء قوة عسكرية نظيرة لروسيا خلال سنوات، ولكنها تفضل ضخ الاستثمارات في الاقتصاد لا السلاح، ناهيك بارتباطها بمصالح استراتيجية مع موسكو، مثل خط "السيل الشمالي". أوروبا كلها تحتاج بشراهة لصادرات الغاز الروسية، التي تلبي أكثر من ثلث احتياجاتها، ويصعب فرض عقوبات شديدة عليها، تعرض أمن الطاقة للمواطنين الأوروبيين للخطر من أجل إقليم دونباس شرق أوكرانيا الذي لا يعلم عنه أغلب الأوروبيين شيئاً.
 
سيحاول "الناتو" تقليل حجم ما يقضمه بوتين من الجسد الأوكراني، وتدارك العجز الهائل في حدوده مع روسيا، من خلال تقوية جبهته الضعيفة في البلطيق وبولندا، وربما يصب ذلك في مصلحة دول بالشرق الأوسط، حيث يعيد "الحلف" تعزيز دور تركيا التي تجيد التعامل مع روسيا، مثلما جرى في سوريا وليبيا والقوقاز، وسيحاول الاتحاد الأوروبي تقليل اعتماده على الغاز الروسي، والاتجاه إلى قطر ومصر وربما إيران حال التوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي. لكن الأمر ليس سهلاً في ظل أزمة الطاقة وسلاسل الإمدادات، بالتزامن مع جائحة "كورونا".
 
يحسب بوتين كل خطوة بميزان دقيق، وعينه على قضمة كبيرة من أوكرانيا أو العودة بمكسب سياسي من جعبة الغرب، ليس أقلها ترك أوكرانيا في المدار الروسي بعيداً من جذب "الناتو" إليها، دافعه في ذلك نجاح مغامراته السابقة في جورجيا وأوكرانيا (القرم) وسوريا، منتهجاً سياسة "الغموض المثير للخوف"، فلا أحد يمكنه الدخول في عقل بوتين وتوقع حجم التصعيد الذي ينويه عند كل سيناريو من السيناريوات؛ وقد تفتح الأزمة الأوكرانية الباب لتغيير توازنات النظام العالمي، وهو ما سيتردد صداه بقوة في الشرق الأوسط الغارق بالأزمات.
فماذا عن تلك السيناريوات وارتداداتها؟
ذاك حديث مقبل.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم