إعلان

مأزق الشّباب اللبناني: أنا لا أنتمي إذاً أنا مفقود

المصدر: النهار العربي
أمين نصر
شابة لبنانية متلحفة العلم الوطني تنظر الى دمار مرفأ بيروت
شابة لبنانية متلحفة العلم الوطني تنظر الى دمار مرفأ بيروت
A+ A-
شهد عام 1605 من القرن السابع عشر ولادة رواية دون كيشوت دي لا مانشا، للروائي الإسباني ميغيل دي سيرفنتس سابيدرا، وحظيت الرواية بحضور قوي، إذ لامست وجدان الناس ومشاعرهم، وما زالت بشخصياتها الطاغية تلقي بظلها على واقع المجتمعات، وخصوصاً فئة الشباب منهم. 
 
الشّباب اللبناني بين الأمس واليوم 
عاش الشباب اللبناني بعد مرحلة الكولونيالية الفرنسية منذ عام 43 المرحلة الشرسة للحرب الكونية الباردة، والصراع الكبير بين الأيديولوجيات الاشتراكية / الشيوعية والرأسمالية، فوقع الشباب تحت تأثير العديد من الأفكار السوسيوسياسية (سياسية + علم اجتماع) واعتنقوا العديد من الأفكار التي ساهمت بتبلور شخصياتهم بالدرجة الأولى، كونها قادرة على التأثير في مجتمعاتهم وواقعهم السياسي، وهذا ما يفسر في مرحلة ما بعد الاستقلال بروز نخب شبابية لبنانية قدمت أفكاراً سياسية واجتماعية وثورية، كانت منطلقاتها الأولى المرحلتين الثانوية والجامعية، فالوعي المبكر ساهم في تشكيل شخصية مسؤولة حاضرة ومؤثرة في سوق العمل والنضال السياسي والاجتماعي. أما اليوم فيمكن أن نقول ولا ريب بأن الشباب اللبناني في محنة.
 
المحنة
محنة الشباب في لبنان اليوم تتخلص في انتماءاتهم، من نحن؟ وأين نحن؟ ولمن ننتمي؟ وما هو دورنا؟ وما مدى قدرتنا على فرض التغيير؟ فبحسب تصنيف عالم النفس الاجتماعي اللبناني البروفسور مصطفى حجازي، يُقسم الشباب اللبناني إلى فئات عدة: الفئة الأولى فئة النخب، الفئة الثانية فئة حديثي النعمة، الفئة الثالثة فئة الكادحين، والفئة الرابعة فئة المهمشين. الفئة الأولى هم أبناء الزعماء التقليديين وهم نتيجة للسيرورة السياسية اللبنانية سوف يصبحون - بل أصبحوا - زعماء الأحزاب السياسية التقليدية، وأكثريتهم الساحقة من طلبة الجامعات الخاصة المرموقة، الفئة الثانية وهم أبناء النواب والوزراء والمديرين العامين (لا يعول عليهم في التغيير لأنهم ملحقون بالرأي السياسي والاقتصادي لأبناء الفئة الأولى)، الفئة الثالثة جُلهم من طلبة الجامعة اللبنانية، وهم الأكثرية الساحقة من فئات الشباب من الطبقة الوسطى وينقسمون إلى قسمين، الأول ينتمي إلى الأحزاب والحركات السياسية من دون قدرة حقيقة على التغيير، ولو أنهم امتلكوا النية وبعضهم لا يمتلك النية، والقسم الثاني لا ينتمي إلى أحزاب، وهم من عداد المفقودين ويشعرون بالاغتراب، أي لا صوت لهم ولا تأثير، لا يشتركون في صناعة القرار ولا إنتاج الأفكار، كونهم خارج الشّيع السياسية والاصطفاف المذهبي. أما الرابعة وهي الفئة الأكثر رعباً فهم المهمشون المستخدمون وقوداً عنفياً للصراعات التي تنشب بين أبناء الفئة الأولى (الزعماء والنخب)، فهم عناصر الميليشيات في أوقات النزاع السياسي وأبطال الشوارع، يُشحَنون بالخُطَب ويَطلقون العنان لعنفهم المجتمعي (تكسير محال وسيارات وإحراق خيم وتشتيت تظاهرات إلخ...).  
 
17 تشرين وتأكيد المحنة
أتت حوادث حراك 17 تشرين (أعترض على مصطلح ثورة)، لتؤكد أن فئة الشباب في لبنان تعاني محنة حقيقية من غير المحتمل أن تخرج منها في القريب العاجل، فإلى جانب عجز الشباب عن فرض رؤيتهم وغياب الوعي بما يتناسب مع تطور الحياة وسيرورة المجتمع، أتى الحراك ليؤكد الانقسام الحاد بين الجماهير الشبابية بحد ذاتها، ولكي لا تُفهم الفكرة خطأً هنا، ليس من الضروري أن يكون الوعي قائماً في أذهان الجماعة (الشبابية) لتتحرك، بل يكفي أن تكون هناك أقلية رائدة وواعية وقائدة (بالأفكار) لتقود وتوجه وتبني عملية التغيير، وترتقي بالحراك إلى مرحلة الثورة، وهذه الأقلية غير موجودة، فالتغيير سوف يبدأ عند الفئة الكادحة، ويكفي أن تتحرك حتى ينهار الهيكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي برمّته. كما أن الحراك التشريني - وهو الأول من نوعه في البلاد - أثبت عدم إدراكه لمفهوم الدولة مع رعاياها، وهو ليس أكثر من عقد اجتماعي وسياسي، وبأن المواطن لديه الحق ليقوم على الدولة إذا أخلّت بهذا العقد، فانتهى الحراك عند حدود قطع الطرق وبعض المناظرات التلفزيونية.
أضف إلى ذلك، أن جاهزية الشباب اللبناني لفرض التغيير على أي نظام سياسي واقتصادي جامد لا يتطور غائبة تماماً، بل على العكس أثبتوا عجزهم عن فرض رؤيتهم على الطبقات السياسية الحاكمة، فالمنتمي عاجز وغير المنتمي مفقود.
 
الخروج من المحنة
لا خروج من هذه الدوامة سوى بتضافر فئات الشباب، لا سيما الفئة الكادحة بقسميها، فالذي يفكر بالتغيير وينتمي إلى حزب أو تيار عليه أن يتلاقى مع الذي يفكر بالتغيير ولا ينتمي إلى حزب أو تيار، فالتغيير من الفئة الحاكمة غير ممكن بل مستحيل، والتغيير من فئة حديثي النعمة لا يعوّل عليه، فعناصرها لن يضحوا بمكتسباتهم المادية والاقتصادية. من دون حصول هذا التلاقي لن ننجح في التغيير بل سوف نبقى قابعين في سجونهم بعقلية عصبية نقدم لهم الولاء الأعمى من دون مساءلة مقابل الحصول على الغنيمة (وظيفية ومالية)، أي أن نخضع للزعيم، ونرضع مغانم ونحصل على حماية.
 
هل من الممكن إسقاط رواية سرفنتس على مجتمعنا وسيرورته وواقعنا، واقع الشباب اللبناني "وأنا منهم"، ونضالنا اليومي في البحث عن ذاتنا ودورنا في بناء المجتمع وتطوير النظام السياسي؟ أما أننا كالدون سوف نبقى في دوامة التّيه لا ننفك عن مقارعة طواحين الهواء؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم