إعلان

بورقيبة... المغرضون ومعركة الجلاء

المصدر: النهار العربي
ماجد البرهومي
الحبيب بورقيبة
الحبيب بورقيبة
A+ A-
مع حلول ذكرى جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض تونس يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، يصب حاقدون ومغرضون وبعض الجهلة بتاريخ الحركة الوطنية التونسية جام غضبهم على الزعيم الراحل الكبير الحبيب بورقيبة، ولكل غاياته في هذا المجال، فيخرجون إلى الملأ مرددين مقولة إن بورقيبة زج بأبنائنا في محرقة (حرب الجلاء) كان بإمكانه تلافيها بما أن الجنرال ديغول كان سيرد مدينة بنزرت وقواعدها إلى أهلها، وأن حلف شمال الأطلسي ومعه فرنسا كانا سيستعيضان عن مدينة بنزرت وقواعدها بالسلاح النووي الذي كانت باريس قاب قوسين أو أدنى من التفرغ من إتمام التجارب المتعلقة به في الصحراء الجزائرية وفي بعض جزرها النائية في أقاليم ما وراء البحار.
 
ويصور هؤلاء باني تونس الحديثة ومحررها، مع آخرين، من براثن الاستعمار والجهل والتخلف، وكأنه مغامر فاشل لا يفقه شيئاً ذا بال في فن السياسة، همه الوحيد إشباع غروره و"أناه الأعلى" من دون الالتفات إلى الوطن والمواطن وما تقتضيه المصلحة الوطنية. حتى أن بعضهم ذهب بعيداً واعتبر كل من لا يتبنى هذا الرأي "المغرض" لا يمت إلى الوطنية بصلة، وما عليه، والحالة تلك، إلا الانتصار إلى الحاقدين على بورقيبة لينال صك غفرانه من قبل ثوار 14 كانون الثاني (يناير) الجدد الذين انتظر أغلبهم الإعلان عن إقلاع طائرة بن علي، باتجاه أرض الحجاز، ليعلنوا رسمياً التحاقهم بركب الثورية.
 
ويتصور هؤلاء أنهم، بعبقريتهم الفذة، قد أدركوا ما خفي عن بورقيبة وهو عدم التكافؤ في موازين القوى بين الجيشين التونسي والفرنسي. وتحولوا بمقتضى ذلك جهابذة استراتيجيين ومحللين كبارأ يحددون، بعلمهم الخارق، "ما كان يجب أن يكون". كما أنهم، وهذا الأدهى، حوَلوا المحتل، الجنرال ديغول، ملاكاً طاهراً كان يعتزم المن علينا بأن يهبنا أراضيه في بنزرت وقواعده وربما عتاده الحربي وجنوده لولا تهور هذا "الشيطان" التونسي الذي اعتدى على الأخيار الطيبين والملائكة الطاهرين من الجنود الفرنسيين بأرضهم في بنزرت.
 
ولسائل أن يسأل كيف علم هؤلاء بنوايا الجنرال ديغول بالتفضل على التونسيين بإرجاعهم بنزرت من دون إراقة دماء؟ هل من خلال مذكراته؟ أم من خلال ما توجه به من خطب إلى شعبه؟ هل ينتظر دهاة السياسة الجدد من منتقدي بورقيبة أن يقر ديغول في سيرته الذاتية التي يرغب في أن يخلد من خلالها ذكراه بأنه ما كان ليُرجع بنزرت شاء من شاء وأبى من أبى؟ منذ متى دأب المحتلون على الانسحاب الطوعي والاعتراف بجرائمهم من دون ضغوط أو بغية الحصول على منافع؟ 
 
ثم كيف يمكن الانتصار لآراء هؤلاء الثوار الجدد من منتقدي بورقيبة، وفرنسا شرعت في ذلك الوقت في توسيع مدرج الطائرات في قاعدة سيدي أحمد الجوية في بنزرت قبيل معركة الجلاء؟ هل يُقدم من عقد العزم على تسليم بنزرت للتونسيين، على توسعة القاعدة؟ أليست أعمال التوسعة قرينة على عزم فرنسا الاحتفاظ ببنزرت؟ أم أن باريس قررت إنفاق الغالي والنفيس من أجل سواد عيون التونسيين حتى ترجع إلينا المدينة القاعدة لاحقاً في أبهى حلّة فرحاً بجلاء جنودها عن ترابنا الوطني؟
 
إن المتأمل في فحوى المحادثة التي تمت بين بورقيبة وديغول في لقاء "رامبويي" الشهير لا يجد في كلام الرئيس الفرنسي ما يشير إلى عزمه الجلاء عن بنزرت بل على النقيض من ذلك تماماً يستشف رغبة فرنسية في الاحتفاظ بذلك المكان الإستراتيجي المطل على مضيق صقلية معبر السفن القادمة من مضيق جبل طارق باتجاه قناة السويس ومن القناة باتجاه المضيق، والمطل على الأساطيل الأطلسية في سواحل المتوسط الإيطالية. فمن أين أتى ثوار تونس الجدد والحاقدون على بورقيبة بمقولة أن ديغول كان يعتزم إرجاع بنزرت للتونسيين؟ فإذا كان مما صدح به الأخير في مذكراته فيا خيبة المسعى.
 
لقد ذكر بورقيبة في خطاب ألقاه أمام مجلس الأمة في 17 تموز (يوليو) 1961 يتعلق بلقاء رامبويي ما يلي: "وصل رئيس الدولة الفرنسية في رامبويي إلى اعتبار الاستعمار بلية، فطالبته بتطبيق هذا المبدأ على بنزرت وبدا لي متردداً ولكن فرنسا عمدت في بلد آخر إلى وضع حد لاحتلالها وبادرت بالإنسحاب قبل الموعد المقرر بثلاثة أعوام من أجل صيانة النظام ودعمه. ومن جهتنا فقد طالبنا فقط بمبدأ الجلاء وإن كلفنا ذلك تأجيل طرق تطبيقه وكان الرد أن الظروف الراهنة غير مواتية لذلك". ويبرز هذا الخطاب الذي لم يلقَ معارضة أو تكذيباً من أي جهة رسمية فرنسية، عدم رغبة ديغول في إرجاع بنزرت إلى أصحابها وذلك خلافاً لما يدعيه البعض.
 
وكان الرئيس الفرنسي شارل ديغول قد صرح يوم 5 أيلول (سبتمبر) 1961 بما مفاده أنه "إذا أردنا إصدار حكم بغير انحياز عن قضية بنزرت لا بد من أن نتصفح خريطة جغرافية، فنلاحظ أنها تحتل موقعاً استثنائياً في المكان الذي يضيق فيه البحر المتوسط على مستوى حوضيه الشرقي والغربي. فهناك دائماً إمكانية الاعتداء التي تأتي من الشرق، ويستحيل ألا نتوقعها، زيادة على أن الوضع يهيمن عليه احتمال حرب يشنها الشرق على الغرب، فنرجو أن تجد تونس تسوية مع باريس تكون مطابقة للعقل السليم". ويعتبر هذا التصريح دليلاً قاطعاً على نوايا ديغول بشأن بنزرت لا يمكن أن تفهمه وتستوعب خفاياه الاستراتيجية عقول المغرضين ومن أعماهم حقدهم الأعمى على بورقيبة وحال دونهم واستجلاء الحقائق كما هي.
 
لقد كان بورقيبة يدرك تمام الإدراك عدم التكافؤ في موازين القوى بين قواتنا المسلحة ونظيرتها الفرنسية والمجنون وحده من يقر بخلاف ذلك، والرجل كان سليم المدارك العقلية وغايته بالأساس كانت إثارة أزمة للفت أنظار المجتمع الدولي والأمم المتحدة للضغط على فرنسا لإجبارها على الانسحاب وهو ما كان. فزيارة الأمين العام للأمم المتحدة داغ هامرشولد لبنزرت لم تكن حدثاً هيناً، إذ تمكنت دبلوماسيتنا ممثلة في مندوبنا في الأمم المتحدة المرحوم المنجي سليم وآخرون من استغلاله الإستغلال الأمثل من أجل حشد التأييد الدولي ضد فرنسا وجرائمها في بنزرت. 
 
فالعمل المسلح في الإستراتيجية البورقيبية هو مكمل للعمل الدبلوماسي وللمنحى التفاوضي، إذ يعتبر بورقيبة أن كلاهما يكمل الآخر ويدعمه من أجل الوصول إلى الهدف النهائي والأسمى وهو التحرر من ربقة المستعمر. ولعل من المؤكد أن الزعيم الراحل لو لم يقدم على هذه "الفعلة" لكان معارضو معركة بنزرت وأبواقهم الدعائية ينعتونه اليوم بالخائن والجبان غير القادر على خوض معركة لتحرير أرضه من القواعد الأجنبية. فقد وصمه هؤلاء بالعمالة لفرنسا وهو الذي حاربها في بنزرت ورمادة والعلامة 233 وغيرها ودفع باتجاه المقاومة المسلحة ضدها سنة 1952 وأمم أراضي بلاده الزراعية وافتكها من مستوطنيها سنة 1964، فبماذا كان سيتم وصفه لو لم ينجز جميع هذه الأعمال البطولية التي خلدها التاريخ ومنها معركة الجلاء؟ 
 
 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم