إعلان

الانتخابات الأميركية في ميزان العرب (١): لماذا يعنينا من يحكم البيت الأبيض؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
دونالد ترامب وجو بايدن وزوجتيهما
دونالد ترامب وجو بايدن وزوجتيهما
A+ A-
تبدو الانتخابات الأميركية ككأس العالم. فالكل يتابع ما يجري في واشنطن وكأنها انتخابات محلية، الفائز فيها سيحكم بلده. ولا فرق هنا بين دول عظمى كروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، أو دول صناعية كمجموعة الثماني، أو اقتصادية كمجموعة العشرين، أو حتى جزر صغيرة كقبرص وكوبا وهونغ كونغ. فبعد أن غابت شموس الدول الاستعمارية عن العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، صعدت الدول القيادية المنتصرة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وتنافست على السيطرة الإيديولوجية والعسكرية والاقتصادية على العالم الجديد. ثم أنهار جدار برلين الشرقية، وكرت السبحة على بقية العواصم الدائرة في فلك موسكو، واحدة بعد الأخرى، حتى تفككت الإمبراطورية الأعظم مساحة في تاريخ البشرية، وإن بقيت الدولة الأم روسيا صامدة بسلاحها النووي وصواريخها العابرة للقارات، ولكن بلا عقيدة تحكم بها العالم بعد أن كفرت بالماركسية، وانضمت الى بازار الرأسمالية. 
 
كسبت أميركا سباق التسلح في مشروع "حرب النجوم"، وقادت العولمة باقتصادها الذي لم يشهد له العالم مثيلاً، وبمنتجاتها الثقافية من العلوم والآداب والفنون الى الأفلام والراب والهمبرغر، وأفلست روسيا بتركيزها على الميغ والكاتيوشا والكلاشنيكوف، وإهمالها السيارة والكومبيوتر ومستلزمات الرفاهية. وهكذا وجدت نفسها في التسعينات من القرن الماضي في صالة الترانزيت بين الحكم الشمولي الإشتراكي وبين الديموقراطية الغربية والسوق الحرة، فسقطت في وحل الفساد المالي والسياسي ومستنقع العنف والمافيا. ثم خصخصت، فباعت الغالي والرخيص للمستثمر الغربي، وغفلت، فحوصرت بالتوسع السريع لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. 
 
وفي الألفية الثالثة استعادت موسكو توازنها عندما سلّمت قيادتها لديكتاتور جديد، فلاديمير بوتين، عرف كيف يرقص على حبال الديموقراطية والشمولية، فأقصى منافسيه، وضبط وربط، وأعاد لبلاده هويتها واستعاد كبرياءها ورسم طموحاتها. لكنه سرعان ما أصابه ما أصاب كل ديكتاتور من هوس صناعة التاريخ، من نابليون وهتلر الى خامئني وأردوغان، فاستلهم روح القيصر بطرس الأكبر، وقرر أن يتوسع خارج حدوده ليقع في شرك الاستدراج الأميركي في أوكرانيا وسوريا كما سقط ليونيد بريجنيف ومن بعده في فخ أفغانستان. 
 
أميركا أيضاً أرتكبت أخطاء عظمى في أفغانستان والعراق وتورطت بأكثر مما تورط بوتين في مغامرات عسكرية مكلفة. إلا أن الفرق الحاسم هنا هو أن ديموقراطية أميركا تسمح بتداول السلطة، فيصحح اللاحق أخطاء السابق، كما فعل دونالد ترامب مع سقطات باراك أوباما. وأن ميزانية أميركا تستوعب هذه الأخطاء وتوازنها بتحالفاتها الغربية والآسيوية والعربية. أما روسيا، فرغم أنها دولة عظمى بالمقاييس العسكرية وغنية بالموارد الطبيعية، إلا أنها نامية بمقاييس الانتاج الصناعي والزراعي والموارد المالية. وتحالفاتها تدنت بعد انهيار حلف وارسو مع الاتحاد السوفياتي الى تعاون عسكري مع الصين وكوريا الشمالية شرقاً وإيران وسوريا وبعض الدول الأفريقية واللاتينية جنوباً وغرباً. 
 
هكذا استطاعت واشنطن التحكم بالأنظمة والشبكات الدولية التجارية والتقنية والعسكرية والسياسية. وبقيت عملتها الورقية التي تطبع منها كما تشاء ومتى تشاء، بلا غطاء، هي العملة السائدة الحاكمة في المعاملات المالية. واستخدمت العقوبات الاقتصادية سلاحاً آمناً لها مدمراً لخصومها من دون أن تطلق رصاصة واحدة، أو يجرؤ الخصوم على الرد بالمثل. 
 
هذه الهيمنة الشمولية، وهذه القوة الضاربة، الحاضرة في كل زمان ومكان، وهذه التحالفات والخصومات، وتلك القدرة الحازمة الجازمة على استخدام كل الأدوات المتاحة لفرض الواقع وتحقيق المصالح الأميركية، هي من أعطى العصا والجزرة لحاكم البيت الأبيض في شكل غير مسبوق وليس له مثيل. وترامب، أكثر من أي رئيس قبله منذ فرنكلين روزفلت، استخدم كل الوسائل بكل الاتجاهات لخدمة المصالح الأميركية... ولكن من دون أن يعطي أي اعتبار لتغليف وتسويق ذلك بقيم ومبادئ وقوانين دولية. واستطاع بالفعل أن يجني لبلاده مزيداً من الثراء والتفوق والسيطرة على أصدقائه وخصومه على السواء. 
 
من هنا يأتي الاهتمام غير العادي بنتيجة الانتخابات الأميركية الحالية. فالتفاوت بين سياسات وأساليب مرشحي الحزبين الجمهوري والديموقراطي تصل في تباعدها الى حد التناقض. فالموقف من إيران مثلاً يتراوح بين الضغط الأقصى من جانب، الى العودة للاتفاق النووي من جانب آخر. والموقف من الصين يتفاوت بين المواجهة الحادة من هذا الطرف، الى التعاون والاحتواء من الطرف المقابل. والعلاقات مع الحلفاء في الغرب والشرق، ومع الجوار اللاتيني من المكسيك الى فنزويلا وكوبا، يختلف بين القمع والاحتواء. فيما المقاربة تجاه المنظمات والاتفاقيات الدولية تتأرجح بين السيطرة عليها أو الانسحاب منها من الجمهوريين وبين وعد العودة اليها والتعاون معها من الديموقراطيين. وقس على هذا. 
 
إذاً، هناك خاسر ورابح من فوز هذا أو ذاك، ولعل العالم يتمنى لو كان له صوت أو يد في ما تنتهي اليه النتائج. أما الناخب الأميركي، الذي عرف باللامبالاة في معظم انتخابات العقود الأخيرة، فسيحرص هذه المرة على المشاركة بحضور قوي وقياسي، مع الانقسام الشديد حول سياسات وبرامج المرشحين، والتحيز الواضح تجاه هذا الطرف أو ذاك. 
 
ماذا عن العرب؟ الجالية العربية في أميركا ليست بعيدة في قوتها وتعدادها من الجالية اليهودية، إلا أنها للأسف الشديد متباعدة عن المشاركة السياسية، لأسباب عديدة منها الخلفية الثقافية والمخاوف الأمنية والاختلافات الفكرية وسوء التنظيم. والسفارات العربية كذلك، ولذا لم نشهد مجموعات ضغط وكيانات سياسية مؤثرة، كما هي لليهود والسود والكوبيين والمكسيكيين وغيرهم من الجاليات. والحديث هنا يطول، أفصله في المقال المقبل.
 
مجمل القول، إننا، شئنا أم أبينا نتأثر بالسياسات الأميركية كحال غيرنا من الأمم، ولذلك فنحن بحاجة ماسة الى دور فاعل ونشط في الداخل الأميركي، وسياسات عربية موحدة للتعامل مع حكام البيت الأبيض، وللحديث بقية. 
 
Twitter: @kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم