الإتفاق بين إسرائيل والإمارات والبحرين... خطوة تاريخية ونهج جديد للمنطقة

في البيت الأبيض بعد توقيع اتفاق السلام
في البيت الأبيض بعد توقيع اتفاق السلام
A+ A-
النهار العربي- سمير التقي
 
يضج إيقاع جديد في اطلال مشرقنا المتوسطي الخرب. فبعد عقود وعقود استشرى فيها العقائديون، وأصحاب الرسائل الخالدة في حروبهم الحمقاء، يضج إيقاع خلاسي جديد. 
إنه إيقاع السلام. البعض يعتبره طارئاً، ناشزاً او عابراً، يظنه البعض مجرد موجة غريبة لن تلبث ان تتلاشى خارج سمفونية مشرقنا الغارق. لكن من يصغي إلى هذا اللحن يدرك انه لحن يدب في كل اصقاعنا المنهكة. لا تنبع قوته من عزمه الذاتي بقدر ما تنبع ايضاً من اختناق الإيقاعات البديلة. فرغم ما يبديه كثر من تجاهل لا يتجاوز بعض بيانات الاستنكار، فانه يمر وينتشر ليخترقهم بذواتهم. فلا قرعاً لطبول الحرب ولا شحذا للسيوف. ولا شيء سوى ان لا حول ولا قوة الا بالله.
 
فما هي العبرة؟ 
قد يصعب علينا في مشرقنا العاثر، وأمام هذا الركام الفادح من المظالم والخراب المتبادل، وبعدما تناوبتنا النوائب والافراح قروناً بعد قرون، يصعب بل يكاد يستحيل ان نفهم حكمة التاريخ. ليصبح التاريخ في سياقه الدارج، مجرد رقصة شيطانية عبثية تضيع فيها حقوق الأمم وتتبعثر الموروثات وتندثر الحضارات. 
 
يعلمنا التاريخ ذاته ان ثمة تفسيرين لهذه العبثية:
بالنسبة إلى لعقائديين، التاريخ ثلاثة ازمنة. زمان للنور والحق، وزمان للظلام وللشيطان، وزمان ثالث سيعود لا محال، على يد المخْلصين المؤمنين الذين إذا بذلنا لهم ما يجب من تضحيات، سيجلبون لنا زمن الخلاص الأبدي. هؤلاء "المخْلصين الانقياء" هم وحدهم الذين يملكون الحق والحقيقة ولأجلهم سيعمل التاريخ. يسري هذا التفسير في طيف العصبيات المتطرفة سواءً تحت ستار الدين مثل داعش، وصولا إلى كل الطغاة الدنيويين. 
 
بعد نشوء الامم المتحدة، تولد وهم لدى كثير من الناس، في عالمنا العربي وخارجه، بأن العلاقات الدولية وحقوق الدول وحقوق الإنسان هي حقوق محفوظة في سجل مكنون. حقيقة الامر إن هذا المناخ الذي ساد إبان الحرب الباردة لم يكن الا مناخا خداعا وناشزاً. وحقيقة الامر ان منطق العلاقات الدولية إبان الحرب الباردة كان يستند إلى سلسلة من اتفاقيات تقاسم الأدوار بين المنتصرين في الحربين العالميتين الأولى والثانية. فلا حقوق، لا للأرض ولا للناس ولا أوهام دينية بل إنها أمم منتصرة ضربت عرض الحائط بالحقوق في كل أوروبا والشرق الأوسط والهند وباكستان، الخ... لتقيم نظاما مبنيا على توازن القوى. فمن فرساي الى بلفور إلى سيفر إلى سايكس بيكو إلى يالطا تراكمت الخرائط لتنتج الحقوق في المنطقة بدءاً من تركيا الحديثة إلى سوريا ولبنان والأردن، إلى إسرائيل إلى كشمير، انه النظام ذاته والمشروعية والحقوق ذاتهما. 
 
تعلمت هذا الدرس متأخراً بعد حرب 1982 في لبنان، حيث كنت على تواصل مع بعض القيادات السوفياتية، وكان الخطاب الدبلوماسي السوري المبطن في هذه المباحثات هو لوم روسيا على عدم تزويدها الدفاعات الجوية بصواريخ تتجاوز التشويش الإسرائيلي. قال لي المسؤول الروسي، "الا تعتقد اننا كنا نعرف نتيجة المواجهة قبل حصولها، عليكم ان تختاروا بين المفاوضات او وقائع موازين القوى". 
 
التفسير الثاني لعبثية التاريخ يقول بقوى عميقة تحركه، لتصعد بأمم وتهبط بأخرى، ليس في سياق الحق والحقوق وليس من منطق الحتميات التاريخية، بل من منطق قوى عميقة تحكمها حركته وقواه الفاعلة. لم تكن الحضارة البشرية عادلة قط لا على المستوى الفرد ولا الأمم. لكن، رغم كل المآسي والدراما العظمى التي نشهدها اليوم، نستطيع التأكيد ان العالم اليوم هو أكثر إحقاقا وسلماً ورفاهاً وتعددا وعدالة وغنى وتقدماً من أي وقت مضى. 
 
في هذا السياق، يعيد التاريخ ترتيب الحقوق والحقائق، ويعيد توزيع الأدوار والمسرح. أمم قد تعلو وأخرى تتعثر وأخرى تبقى رغم خسارتها وأخرى قد تندثر بغض النظر عن "نبلها" و"عدالتها". فلو استمرت ألمانيا في حروبها الاهلية قبل فستفاليا لما كانت المانيا، ولاستمر البروتستانت والكاثوليك الالمان يتذابحون إلى ان يقضي الله. ولو انجرف الشعب الألماني لدعم حركة مقاومة داعشية ضد المحتلين بعد الحرب العالمية الثانية لما كانت المانيا العظيمة التي نراها الآن. لكن ألمانيا اختارت تفسيرا آخر للتاريخ، اختارت ان تكون عظيمة بتحضرها وتمدنها لا بمفخخاتها وصواريخها ولا بعمليات الاغتيال. ذلك ان "خير الناس، انفعهم للناس". 
 
التاريخ، ببساطة، يطرد من لا يدرك سمته. فأنت لا تصنع التاريخ يا صديقي. حسبك ان تلتقط روحه. وسمته ليس العدوان وليس الاغتصاب، لكنه لا يأبه للحقوق والحقائق الا بقدر خدمتها لصعوده الصارخ. وأنت لن تحمي حقيقتك وحقك بل وذاتك، إلا بقدر ما تستخدم من أدوات وفرص ودروس التاريخ وحكمته. قبلت اليابان التحدي وكان ردها علماً وتحضراً. 
 
المتعصبون يغتبطون حتى لو سالت بين أيديهم دماء الملايين من الناس، ستكون غالبيتهم من الناس العاديين، من بشر يذهبون كل صباح إلي دكانهم في دمشق او بيروت او القدس أو طهران يسعون لرزق ربهم. 
 
فأي طريق نختار؟ وكيف يمكن ان ندرج في هذا السياق اتفاقيات التطبيع بين دولة الامارات العربية المتحدة وإسرائيل. 
 
بعد عقود من انسداد الأفق امام الأجندات الصفرية وبعد أن امتطى المتعصبون القضية وصارت البندقية للإيجار وصارت "الثورة بلا عقل، وصارت السياسة شعاراً والموت اجندة، والمؤسسات أوكاراً لكل شيء الا القضية، تمكنت المملكة العربية السعودية من عقد إجماع في قمة بيروت على المبادرة العربية، لكن قوى التطرف على جانبي الحدود اجهضت آخر محاولة. وفرح الكثير بإخراج العرب من السياق الفلسطيني. 
 
وبعدما كان الطريق إلى القدس يمر بإيرلندا وباحتلال الكويت، وأفغانستان جاء المتدخلون ليختلوا بلبنان أولا باسم فلسطين ثم بالعراق وسوريا وأخيراً اليمن. ولم تنجُ من بين أيديهم الا مصر والأردن. تم اخراج العرب والاوروبيين ليدخل الإيرانيون وأخيرا الاتراك. ولكن كان مطلوباً من العرب ان يبقوا على الباب يتفرجون كيف يتغذى المتدخلون الاقليميون من أشلاء الدول. فباسم القضية احتلت ودمرت دمشق وبيروت وبغداد، وباسم الموت لأميركا وإسرائيل تقصف المواقع المقدسة في المملكة السعودية، وباسم فلسطين يذبح الاكراد والمسيحيون السريان والايزيديين. 
 
يجيء التاريخ ليفرض حقائقه مرة أخرى. وهذه المرة ليس على العرب بل على الإسرائيليين أيضاً. إسرائيل لم تعد لها مصلحة ولا هي قادرة موضوعياً على زيادة مساحتها. وأصبح جل طموحها الاستراتيجي هي درء منظومات السلاح التي تهدد جغرافيتها الراهنة. ليس لهذا الواقع أية علاقة بحسن النوايا، بل هو مبني على حقيقة ان إسرائيل لم تتمكن حتى بعد عقود من هضم ما ابتلعته في حرب حزيران (يونيو) 1967. 
 
كان بعض المتعصبين والعقائديين الإسرائيليين ظنوا ان في إمكانهم الاستفادة من الظرف الاستثنائي الراهن لاستكمال هضم الضفة الغربية. اعتقدوا ان في إمكانهم ان يقتنصوا فرصة الادارة الاميركية الراهنة وفرصة تداعي العمود الاستراتيجي العربي وفرصة وجود روسيا لتضبط الإيقاع الإيراني والتركي الخ... من أجل ضم الغور والمستوطنات في الضفة الى ارض إسرائيل. لكن هذا الموقف المتعسف لم يكن في إمكانه ان يقدم تصورا لحل مستدام باستثناء المزيد من عزلة إسرائيل وتعمق أزمتها الديموغرافية... حقيقة الامر انه بالنظر لكل هذه الأسباب لم يتمكن نتنياهو من تحقيق وعوده إضافة إلى الضغط الدولي والاوروبي. لكن احد اهم الأسباب واهمها هو حقيقة ان هذه الخطوة كانت ستدفع للخلف كل فرص التطبيع مع الدول العربية. 
 
كثيرون داخل إسرائيل لم يبدوا اهتماماً بانهيار الدول من حولهم، الا ان الاستراتيجيين الإسرائيليين اصبحوا يدركون ان بقاء حالة الانهيار والفوضى في محيط الدولة يشكل مصدر غير قابل للضبط وفرصة لقوى أخرى للابتزاز الاستراتيجي. هذا الخطر لا يمكن ردعه مع استمرار الفوضى واستمرار إسرائيل في موقف المتفرج او اللاعب الخفي. بل أصبح العديد من الاستراتيجيين الإسرائيليين يتحدثون في شكل مبطن ولكن واضح تماماً بـ"أن إسرائيل لم يعد في إمكانها ان تبقى خارج سياقات المنطقة وانه مع تكرار الولايات المتحدة حديثها عن الانسحاب من الشرق الأوسط وفي ظل تداعي النظام العالمي، السعي لشيء من الاستقرار في الإقليم وفتح افق لمنظومة درء المخاطر ولجم القوى التي تعتاش على الصراع. 
 
على مدى العقد الماضي، بدا الإسرائيليون والعرب غارقين في مواجهة يسودها الجمود بقدر ما يسودها التوتر مع بعض المناوشات الطفيفة. وظل الفلسطينيون والإسرائيليون منغمسين في مآزقهم. بينما يواصل الشرق الأوسط تعليمنا... لا شيء ديناميا ومدمراً مثل الجمود على الموجود. فالنجاح الاقتصادي لم يترجم بالنسبة إلى إسرائيل إلى شعور أكبر بالأمن بل العكس هو الصحيح. فلقد ازدادت البيئة الإقليمية غموضاً وخطورة، في حين لم يتمكن الروس من تكريس دورهم كـ"وسيط قوة" في لجم المخاطر الإيرانية والتركية. 
 
بدورها تدرك دولة الإمارات العربية المتحدة، تماماً المخاطر الإقليمية المتنامية في مواجهة شرق أوسط عاصف. 
 
لا يسعى الاتفاق بين إسرائيل والإمارات والبحرين إلى زيادة أمن الموقعين فحسب بل وفي سياق إعادة صياغة الرد الإقليمي على مخاطر الانهيار الاستراتيجي في المنطقة. بل صار واضحاً أن اهم أسباب الإخفاقات في تحقيق السلام خلال مفاوضات السلام ناجم عن تركيز الطرفين على التكتيكات قصيرة المدى وليس على السياسات والمبادرات طويلة الأجل. 
وهكذا، فإن الاتفاق بين إسرائيل والإمارات والبحرين يعكس نهجاً جديداً من جهة، ويوفر منبراً استراتيجياً لمعالجة العديد من القضايا الرئيسية في المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية بل ومن ضمن ذلك الوضع في سوريا ولبنان والعراق.
 
على الرغم من أن الاتفاق سيواجه على الأرجح تحديات عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ، إلا أن الظروف في الشرق الأوسط مواتية تماماً للتعاون. وإضافة إلى عدم الاستقرار الإقليمي، فإن الأزمات المزدوجة التي نجمت عن الازمة الاقتصادية العالمية وكورونا توفر للإمارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل أجندات مشتركة وأسساً للشراكة.
 
من جهتها، كانت الولايات المتحدة تنظر بحذر وتوجس إلى عمليات الاختراق التي يقوم بها اللاعبون الخارجيون في المنطقة وحاولت حثيثاً بناء تحالف MESA لبناء درع استراتيجي يدرأ احتمالات الحرب ويبعد المنافسين الاستراتيجيين. وكانت إحدى العقبات الرئيسية التي تحول دون نجاح مثل هذا التحالف هي العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، بل أصبح الوضع الاستراتيجي دقيقاً بحيث انه ما لم ينشأ تحالف إقليمي يعيد توازن القوى، قد تجد الولايات المتحدة نفسها في ظرف تختار فيه بين الخروج من المنطقة او التدخل المباشر في شكل كاسح وهو امر يزداد صعوبة بالنسبة إلى أي إدارة أميركية. من هذا المنظور، يسمح اتفاق السلام للولايات المتحدة ان تؤدي دور قوة الموازنة في إدارة الفضاء الإقليمي من دون الاضطرار للتورط المباشر في الإقليمي. يقول فيليب غوردون، كبير مستشاري أوباما السابق لشؤون الشرق الأوسط، أن "هذه الصفقة ما كانت لتحدث لولا الولايات المتحدة.
 
على النقيض من الحجج السائدة بين المتشددين في الطرفين، أثبتت هذه الصفقة أن إيجاد شريك للسلام ليس شيئاً تعثر عليه بالمصادفة بل ان السلام لا يمكن تحقيقه ما لم تسعى اليه وما لم تخلق شراكة مستعدة لمواجهة الاتجاهات المدمرة في المنطقة. 
 
يشكل اتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين خطوة تاريخية أولى، إلا أنه يمكن ان يتعرض للانتكاس من خلال عدد من الديناميكيات المحتملة. ولهذا السبب، فإن السلام الضحل لن يكون كافياً بل يجب أن يكون هذا السلام قوياً بما يكفي لكسر الجليد بالكامل.
 
وفضلا عن ذلك، يمكن أن تسمح هذه الصفقة بعودة دور عربي في الوساطة وتسهيل اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لقد تسبب اخراج العرب من عملية السلام، في تمكين ايران وتركيا من اختطاف القضية الفلسطينية ما يعجّل دفع المنطقة نحو المزيد من الحروب الدينية ويدعم أكثر القوى تعصبا في العالم العربي. 
 
من المفترض أن يمهد التطبيع الإماراتي البحريني الطريق لإعادة إطلاق عملية السلام. ولا تزال مبادرة السلام العربية أهم منصة تفاوضية واقعية متوافرة. ومن المؤكد أن الاعتراف بهذه الحقيقة من شأنه أن يمكن العرب من القيام بالدور الإيجابي والبناء الذي طال انتظاره في تمكين الشعب الفلسطيني من منظور سلمي وتقدمي أفضل وتحت سلطتهم السلمية الخاصة. كما يمكن أن تؤدي الدول الخليجية دوراً رئيسياً في تمكين الفلسطينيين من تحقيق نموهم الاقتصادي والاجتماعي. 
 
لا يمكن تصور أي تقدم في الوضع الراهن ما لم يلتقط الفلسطينيون، من جانبهم، الفرصة. لا بد ان يستعيدوا زمام مصيرهم من القوى التي طالما اعتاشت على تأبيد الصراع، في حين لم تعد المثل القديمة والحنين إلى الماضي تعبر عن الجيل الفلسطيني الجديد. 
 
لطالما قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها كدولة قادرة على التوفيق بين الهوية العربية والإسلامية الحديثة وبين السلام والاستقرار والازدهار. وقد يكون هذا النهج اهم ما تفتقده المنطقة من اجل إحباط الإرهابيين والميليشيات وملء الفراغ الناجم عن انهيار الأيديولوجيات "الثورية" العتيقة في المنطقة. انها القادرة على وضع لبنات مفهوم جديد للعروبة والإسلام. 
 
وفي المقابل، ليس من فراغ ان يكشف الجزر الاستراتيجي الحاصل في مواقع ما يسمى بجبهة الصمود.
حقائق لافتة تطفو فجأة. لبنان يرسم حدوده المائية مع من؟ القصة ابعد بكثير من رسم خط فوق مياه المتوسط. فحين يعاد تشكيل ملامح الإقليم في شكل حاسم، وحين تتكون جغرافيا اقتصادية جديدة فيها من المخاطر بقدر ما فيها من الفرص، فان لحظة حقيقة تتبدى امام لبنان هو في أشد الحاجة لاعادة تموضعه فيها. 
 
فبعد الاتفاقات الاقتصادية والتجارية والمصرفية الإسرائيلية الخليجية الواسعة، ستنشأ منظومات اقتصادية مالية مصرفية كبرى من الخليج الى البحر وستكون هي، وليس منظومات الصواريخ، المتحكمة بتقسيم العمل الاقليمي وباستراتيجيات المنطقة. ثمة دور عظيم للبنان منصة الرفاه والتنوير في بلاد الشام وشرق المتوسط. والسؤال، كيف يمكن لنخب لبنان الشابة ان تكون القاطرة؟
الكلمات الدالة