عن "ريّس" الدار...

المصدر: النهار العربي-نجاة عبدالصمد
الراحل رياض الريّس
الراحل رياض الريّس
A+ A-
 في عيادتي، كما في الحياة، جرى نهر حكاياتي. لكن مهنة الطب أنانية، شغلتني فأخّرتني طويلاً. كنت فقط أقرأ كثيراً، ويظلّ في رأسي ضجيج. صديقتي أميرة، الأقرب لي من بين النساء، كانت تعيد في كل لقاء: "لديك طباعُ الروائيين، قلقُهم، فجاجة أسئلتهم، حشريتهم، ومثلهم تقترفين سرقات حكايات الناس من دون ندمٍ ولا حتى خجل". وكنت لا أكتب إلا بعض يومياتي، إلى أن دوّخني ضجيج رأسي وأجلسني لأكتب. كالمغيّبَة رحتُ أخطّ سطور روايتي الأولى: "بلاد المنافي"، وكنتُ خطوتُ في أربعيناتي.. 
 
كتبتها على مدار سنتين، لا وقت للكتابة إلا ما تعفّ عنه مريضات العيادة والمشفى والعمليات وصراخ المواليد الجدد وأنين النازفات. باكتمالها في منتصف عام 2009 سافرتُ بمخطوطها من مدينتي السويداء إلى دار "الريّس" في بيروت.
 
لماذا أتكبّد جرجرة السفر خارج سوريا؟ وإلى أين؟ إلى دارٍ أميرةٍ في العراقة كدار الريّس في بيروت! 
 
كنت رسمت حلمي جنباً إلى جنب مع استغراقي في الكتابة. سأنشر روايتي الأولى فقط حيث يمكنها أن توصل الصوت إلى كل قرّاء الضاد، وحيث لن تحز الرقابة عنقها ولا أطراف أصابعها... 
 
لم يكن واحدٌ من أحلامي قنوعاً يوماً، أتأني في انتقاء الحلم ثم أطلقه بعيداً حتى خدّ النجمة العالية، وأوصيه: لا تتزحزح أنتَ، اثبت هناك حيث أطلقتك، وبإخلاص ناسك وبصبر جمل، عليّ وحدي أن أزحف إليك حتى ألاقيك هناك عند خدّها... 
 
بالطبع لم تتورّم أحلامي لأتخيلهم في دار الريس يلاقونني إلى بابها مرحبين معانقين... مربط الفرس لم يكن هنا. إذ لماذا قد يفعلون وأنا لستُ كاتبةً معروفة ولا نصفَ معروفة، ولستُ سليلةَ أسرةٍ أدبيةٍ تورث أبناءها الموهبة، أو تشفع لهم بحسن الاستقبال في دور النشر ولو كانوا غير موهوبين.. 
 
كان يقيني وأنا أحمل حلمي ومخطوطي معي إلى بيروت، أنني أعرف أهل الدار التي أنا ذاهبةٌ إليها، وإن كانوا هم لا يعرفونني!...
 
كنتُ قرأت عشراتٍ من الكتب التي أصدرتها الدار، من رواياتٍ وكتبٍ بحثية، وكل أمتعتي، وأفادتني حتى صرتُ ما إن أرى رسم لوغو الدار حتى أقتني الكتاب بلا تردد ولا حاجةٍ لسؤال أحد عنه، وعبر هذه الكتب ولد حلمي أنني إن كتبتُ روايةً يوماً فلن تولد إلا هناك، واحدةً من بنات الدار...
 
وكنت أعرف أنّ "الريّس" هو ناشر محمود درويش، كان ثالثنا في معظم صداقاتنا الثنائية، كما كان ثالثنا أنا وزوجي. أقول ثالثنا، وأعرف أنه لا يصح أن يدخل شخصٌ ثالثٌ بين شريكين، لكنه كان. كان شعرُه مفروشاً على مائدة صباحنا كما على ملاءات سريرنا، ولم أكن قابلت درويش يوماً أو رأيته ولو من بعيد. كان قد مات قبل سنة، وكنتُ أتحسر أنه مات ولم يسمع مني ما قلته لزوجي مراراً: "لتعرف: أنا أحبك أكثر قليلاً فقط مما أحب محمود درويش"! وصلت دار الريس في الصنائع على أمل أن أرى قنطرةً كنتُ تخيلتها تفضي إلى صحن الدار، وتخيلت كيف عبر درويش تحتها مراراً، وكيف جلس وتناقش مع ناشره في أمور كثيرةٍ بنيت عليها في خيالي ألف سيناريو... سأدع نفسي تصل إلى قنطرة الخيال تلك، وسيّان بعدها، نشروا لي أم لم ينشروا..
 
وكان أن زار الأستاذ رياض الريس مدينتي عام 2008 ليتحفها بمحاضرته: (المشهد الثقافي العربي؛ قليلٌ من الثقافة، كثير من الرقابة)، وفضلاً عن الأفكار المؤثرة تحت هذا العنوان، كان قدوم قامةٍ بحجم "رياض الريس" إلى السويداء بحد ذاته حدثاً لأهلها، وأنا منهم. فهم ذوّاقو القراءة وعشاقها والساعون إلى مصادرها رغم فقر ذات اليد. مجيئه كان هديتنا الكبيرة، كان ردّ اعتبارٍ إلى ذوق أهل هذه المدينة العالي وإلى تطلعاتهم المغبونة. أتذكر تعابيره كما أفكاره التي طرح، ذلك الذكاء والعمق والحزن والغضب معاً في نظرات عينيه تؤازر صرخة الحب والاحتجاج في صوته.
 
لقاؤنا الأول ذاك كان من مقعدي على بعد ربما عشرين متراً منه على المنصة، وكان راوياً. أما لقائي الثاني به في دارته فلن أنساه... كان أقرب إلى المخيِّب...
 
قابلني مدير التحرير أولاً، سمعني ولم يعلّق. أخذني ليقدّمني إلى السيد رياض الريّس. كان جالساً على كرسيه، وجهه يوحي بأن أفكاره تدور في أكثر من انشغال وأكثر من مكان. وقف ليستقبلني، وعن قرب تأملت عينيه وأصغيتُ إلى صوته، كنت أتلقاه بعاطفةٍ مزدوجة: بحبٍ واحتساب. 
 
عرّفه مدير التحرير بالضيفة: "الدكتورة فلانة... جاءتنا بمخطوط رواية... للنشر...". ردّ السيد الريّس فوراً بسؤال: "وهل هي دكتورة من جماعة الـ(دال، الدكتوراه الفخرية التي يعطونها لأحدٍ ما، لغايةٍ في نفس يعقوب)"؟ أجابه مدير التحرير بصوتٍ ملبّك: "لا. إنها طبيبة. وعلى رأس عملها". أجابني السيد الريّس أن عليّ انتظار رأي لجنة القراءة، وقد يتأخر ردهم، ولا يعرف بالضبط متى سيجيبونني. سألتُ بسذاجةٍ خدشتُ بها عودَ الودّ الهشّ الذي مدّه هذا الناشر الجهم تجاهي: "وهل تتقاضون في داركم مالاً مقابل النشر؟". أجاب الريّس بسرعةٍ ودون أدنى ودٍّ هذه المرة: "لا. وإذا كنتِ تحتاجين المال، ففي إمكاننا أن نقرضك...". 
 
خرجتُ لا أستوعب ما كان ولا أتكهّن بما سيأتي، وما كان أطول السنة التي انتظرت فيها ردهم، وكم ليلة أنهضتني الكوابيس من سريري عرقانة بردانة: "ليتني غيرت هذه العبارة، ليتني حذفت هذا الفصل، ليتني أضفت هذا... ليتني لم أذهب إليهم…".
 
بعد سنةٍ وشهرين بعث المحرر في طلبي فقط لنتعارف، وليخبرني: "وظيفتي في دار النشر أن أقف خلف المخطوط والسوط في يدي، لأجلده كلما رأيت خطأً أو ركاكة. وأمام مخطوطك، وبعد أن قرأت حوالي سبع، عشر صفحاتٍ بقي السوط يتململ ساكناً في يدي، ركنته جانباً ورحتُ أستمتع...".
 
يومها كنت هادئةً لأسأل على مهل ولأستوعب ماذا كان الريّس يقصد بأسئلته الغامضة في مقابلتنا الملتبسة؛ أنّ الدال الفخرية لا تصنع كاتباً، وأنّ طبيباً على رأس عمله يعني أنه تعب لينال شهادته، ليزاول بها مهنته ولا يخشاها... وأنه عنى ما سأل، أنه هو ريّس الدار الماسك بزمامها...
الكلمات الدالة