الثّورة اللبنانية والبطل "جونكر"...

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية
A+ A-
 
"حان الموعد، حان الموعد، حان موعدنا، جاء البطل، جاء البطل يفرح شاشتان، إهجم إهجم لا تغيب، نحن معك معك أجمعين، حطم الأشرار، ساعد الأحرار، جونكر، جونكر البطل الجبار...".
 
هي كلمات المقدمة الغنائية لبرنامج "جونكر" - رسوم متحركة يابانية مدبلجة إلى العربية - التي كانت بالنسبة لي ولأقراني وأولاد جيلي بمثابة نشيد "وطني" سماعُه يكفي لانسحاب الرفاق من ساحات اللعب والتسمّر أمام شاشة التلفزيون لمتابعة مغامرات بطلنا الجبار الذي كان ينقلنا إلى عالم لا يشبه عالمنا الغارق في الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي. فـ"جونكر" وصديقه الصغير "كانتار" كانا يدافعان عن كوكب الأرض ضد المدمّرين الطامعين في الموارد الطبيعية وحتى الأوكسجين الذي نستنشقه. 
 
كلمات حضرَت في ذاكرتي مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لانطلاق الثورة اللبنانية في 17 تشرين الأول (أكتوبر) واحتدام النقاش بين أركان هذه الثورة وخصومها حول نجاح انتفاضة الشعب اللبناني أو فشلها، ومعها حضر أمل البعض بظهور صديق الطفولة "جونكر" لتخليص البشرية من المدمرين.
 
إن الثورة اللبنانية، وفقاً  لبعض من أنصارها،  قد فشلت بسبب عدم ارتقائها إلى مصاف الثورة التقليدية وعدم تمكنها من خلق قيادة موحدة أو إنتاج قائد يشبه "جونكر" أو حتى طرح أو تأليف حزب طليعي وجبهة موحدة لمقارعة وتحطيم طبقة سياسية فاسدة تريد أن تنهب الموارد الطبيعية للشعب اللبناني. رأي يدفعنا للوهلة الأولى إلى الشعور بأن ثورة الشعب اللبناني أو انتفاضته قضية خاسرة، وأن الخلاص الحقيقي لن يأتي من الداخل بل بحاجة إلى مخلوق فضائي شجاع يأتي لنصرة الشعب اللبناني المسكين. 
 
وفي مقابل هذا الرأي، يجاهر أعداء الثورة اللبنانية، وما أكثرهم، بأن الثورة قد فشلت لأنها غير واقعية ولا تملك أي طرح جدي أو برنامج سياسي بديل، زاعمين أن المطالبة برحيل الطبقة السياسية واعتماد نظام سياسي جديد هو ضرب من الهذيان. هؤلاء هم المدمّرون اللبنانيون الحقيقيون المهووسون بتدمير شعار الثورة "كلهم يعني كلهم"، بل إنهم يجاهرون بأنهم الثوار الحقيقيون وبأن فسادهم وفساد شعراء بلاطهم هي افتراءات محضة، وبأن الثورة هي المسؤولة عن السقوط السريع للمنظومة الاقتصادية، أو بالأحرى هي من سرّع بسقوط هذه المنظومة التي كان المدمرون يكدحون لإنقاذها. وبطبيعة الحال هم يذكّروننا بل يهددوننا في كل مناسبة بإمكان اندلاع الحرب الأهلية عبر وسائلهم الإعلامية وأبواقهم المأجورة التي تُشترى بالساعات واللوحات الفخمة وحفنة من الدنانير.
 
المعضلة الحقيقية تكمن في الثقافة اللبنانية عامة التي تعتبر أن الثورة التي قام بها الشعب اللبناني في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 كافية لهدم هيكل الطغمة الحاكمة والنظام الزبائني الذي استفادت منه أكثرية الشعب اللبناني مباشرة، عبر الخدمات الزبائنية أو عبر النظام المصرفي والمالي الذي بحجة تثبيت الدولار قام بأكبر عملية سطو ونصب على أموال المودعين على مر التاريخ.
 
الثورة اللبنانية لم ولن تفشل لسبب واحد وبسيط،  وهو أن المدمّرين ونظامهم الفاسد والعنصري لم يُدمَّروا بعد. ومطلب الشعب اللبناني برحيل هذا النظام السياسي برمّته لن يتراجع أمام تسوية يتفق عليها المدمّرون في ما بينهم لتشكيل حكومة جديدة أو ترسيم لحدود مع إسرائيل، تستغله إيران والطبقة اللبنانية برمّتها لتمرير صفقة جديدة، تضاف إلى سجلهم "الذهبي" من الجرائم. 
 
المرحلة المقبلة على لبنان ستكون من أصعب المراحل في تاريخه، لعلها ستكون أخطر من حروبه الأهلية ومن مجاعة 1915 ومن جائحة كورونا. والسبب في ذلك يعود الى أن المدمّرين المحليين، وعلى رأسهم "حزب الله" بمشروعه الإقليمي التوسعي وجهاده الزراعي، سيلجأون إلى كل الوسائل المتاحة للبقاء في السلطة ولو على حساب الشعب اللبناني بأسره.
 
وبإزاء هذا السيناريو المرير، على الشعب اللبناني أن يقتنع أولاً بأن الحلول السحرية والسريعة تنتمي فقط الى عالم الرسوم المتحركة والبحث عن بطل أو أبطال لقيادة هذه الثورة هي إضاعة للوقت. وإن اقتنع، فعليه أن يرفض مناورات هذه الطبقة السياسية الفاسدة والمدمرة التي تستخدم سلاح الإفقار والتجويع لكمّ الأفواه، وتستغل الدواء والخبز والوقود كسلع لشراء صمت الناس.
 
في الحلقة الأخيرة من "جونكر" قام البطل بعملية انغماسية أدت الى تدمير مقر غزاة الفضاء والقضاء على خطر المدمّرين، تماماً كما في المرحلة الأخيرة من الثورة اللبنانية المجيدة. هناك خيار واحد أمام اللبنانيين وهو تدمير المعبد اللبناني وأسياده وبناء وطن لا يحتاج إلى "جونكر"، بل إلى رجال ونساء دولة يحترمون الدستور والقانون ويتمتعون بالنزاهة البشرية فقط لا غير. 
الكلمات الدالة