إعلان

وسط تواطؤ دولي ... "العثمانية الجديدة" خطر يتربص بالشعوب العربية!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
أردوغان والعثمانية الجديدة
أردوغان والعثمانية الجديدة
A+ A-
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اعتبر الرئيس التركي حينها تورغوت أوزال القرن الحادي والعشرين قرناً تركياً، ومن ساعتها انهمكت أنقرة في مغامرة كبرى، لبلوغ حلم قديم متجدد، "الطورانية الجديدة"، يمسك أردوغان عدّاد الوقت ساعياً بإصرار لتجسيدها على أرض الواقع، محاولاً لملمة شتات البلدان التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية، عبر مشروع لتمزيق خرائط المشرق العربي وإعادة بناء هويته، وتوحيد الشعوب التركية من بحر إيجة حتى حدود الصين.
يجري المشروع على قدم وساق، منذراً بإلقاء العالم العربي في مهاوي التيه والضياع، وسط تآمر دولي: دعم بريطاني وتواطؤ أميركي وترحيب روسي وصمت صيني، فلماذا يحدث ذلك وكيف يتوافق المختلفون على هدف واحد خطير؟
 
إيديولوجيا متطرفة
يمثل "المخطط التركي"، لعدد من القوى الكبرى، حلاً لأوجاع العالم العربي الذي يعج بالأزمات والصراعات الدموية، والفوضى غير الخلاقة بإعادة تشكيل دوله لتكون تابعة لتركيا، كما كان الحال زمن الامبراطورية العثمانية -انهارت على رؤوس أصحابها، في الربع الأول من القرن العشرين بعد قرون من قهر العرب والأكراد والأرمن وغيرهم- فتصبح أنقرة سيداً لبلاد العرب وقيّماً على ثرواتهم، كالمياه والنفط والغاز، فتحل مشكلات الغرب والروس والإسرائيليين وغيرهم مع المنطقة العربية التي باتت دولاً رخوة ليست أكثر من رمال متحركة.
 
بداعي الإنصاف، ليس المشروع التركي وليد اللحظة أو المصادفة، تعود "الطورانية أو العثمانية الجديدة" إلى أواخر القرن التاسع عشر، فهي إيديولوجيا متطرفة، تنبع من شوفينية قومية تركية، تختلط بقضايا متعددة لأمة متضخمة على حدودها الطبيعية على حساب جيرانها. وبرغم "الوجه العلماني" ظاهرياً فإن المجتمع التركي يعج بإشكاليات طائفية وإثنية، مجتمع فيه من ألوان الشوق إلى إمبراطورية قديمة دينية أو على شكل نفوذ باتجاه الشرق، بموازاة السعي للالتحاق بالغرب.
 
يهيمن حزب "العدالة والتنمية" المتأسلم بقيادة رجب طيب أردوغان على الفضاء الداخلي؛ وبرغم أنه وصل إلى السلطة بأدوات الديموقراطية فإنه لا يتورع عن اللجوء إلى أعتى أدوات الديكتاتورية، لتكميم أفواه المعارضين ووسائل الإعلام أو مطاردة بعضهم بزعم أنهم "إرهابيون" مثل جماعة غولن، وفي الوقت نفسه يكاد رجب طيب أردوغان يكون "المرشد العام" للتنظيم الدولي لجماعة "الإخوان المسلمين"، والتي باتت فروعها في الدول العربية والإسلامية أذرعاً لأنقرة ومدخلاً للعثمانية الجديدة؛ تمهد الطريق أمام مخططات الهيمنة التركية، مثلما يحدث في العراق وسوريا وليبيا والصومال وشمال أفريقيا وصولاً إلى أفغانستان وباكستان وفي بلاد القوقاز على الطوق الجنوبي لروسيا. وهكذا، إضافة إلى عوامل أخرى بالطبع، كالقوميات التركية المنتشرة في آسيا الوسطى. ومن المفارقات أن "العثمانية أو الطورانية الجديدة" تحظى بدعم مالي من بعض الأطراف العربية، لا سيما في الخليج.
 
الجوار العاطفي
في الذكرى الثامنة والسبعين لوفاة كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، عام 2016، قال إردوغان: "لا يمكننا أن نُسجن في 780 ألف كيلومتر مربع، فحدودنا الطبيعية شيء وحدودنا العاطفية شيء آخر"، وهو بذلك يرمي إلى إعادة تشكيل الوعي التاريخي بهوية تركيا، تأسيساً على إرث مخالف للكمالية من جهة، ومؤيد لها من جهة ثانية، عبر تغيير ديناميات المجتمع التركي، ونقله من الطورانية (العرقية) الضيقة إلى العثمانية الأوسع، وهو ما ينظر إليه كثير من المتابعين للشأن التركي بوصفه عودة للاستعمار العثماني في ثوب جديد.
 
وقد صاغ المفكر التركي وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ملامح "العثمانية الجديدة"، في مؤلفه الذائع "العمق الاستراتيجي"؛ إذ يرى أن الهوية الوطنية لا يمكن فصلها عن تاريخها، وأن العثمانية تشكل ميراثاً عظيماً، وأن الدولة التركية ستبقى بحدودها الحالية، لكنها ستجتاز تلك الحدود، من خلال إحياء صلاتها الإسلامية مع شعوب المنطقة، وتخطي الحدود عاطفياً. ويحذر أوغلو الرافضين والمتوجسين من "العثمانية الجديدة"؛ قائلاً: "بعض الدول تقول لنا: لا تغامروا في سياستكم الخارجية ... نقول لها إن تركيا كانت دائماً لاعباً، ولم تكن أبداً مسرحاً للآخرين... سنفعل ما يفرضه علينا تاريخنا، ونحن كنا دائماً صانعين للتاريخ وسنبقى كذلك".
 
ويتشابه هذا التصور -إلى حد التطابق- مع أطروحات المفكر الروسي ألكسندر دوغين صاحب نظرية "المنظور الأوراسي" التي تبناها الرئيس بوتين، وهي تعد روسيا وارثة لإمبراطورية أوروبية، ومن حقها إعادة السيطرة على الحوض الأوراسي، ومن ثمّ لا يفتأ بوتين يطالب باحترام الجوار القريب (أو العاطفي) الذي لا يمكن لأحد أن يتدخل فيه، وأن يعترف الجميع بروسيا لاعباً دولياً قيادياً. وبالمثل يرى أردوغان أن لديه جواراً قريباً (عاطفياً) من حقه أن يتدخل به، وأن على الجميع أن يحترم تركيا كقوة إقليمية؛ لهذا قال أردوغان، عندما عارضت أميركا تدخله في الموصل: "أميركا تتدخل في العراق وهي بعيدة منه آلاف الكيلومترات، وتنكر علينا التدخل في ما يجري على الحدود بيننا وبين العراق".
 
خريطة النفوذ
في مطلع السنة الحالية، نشر التلفزيون الرسمي التركي خريطة لما سيكون عليه النفوذ التركي سنة 2050، ضمت دول الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، وصولاً إلى حدود الصين وأجزاء من روسيا وأوروبا، وأثارت لغطاً واسعاً، لكنها كشفت مكنون العقل التركي وأحلامه وخططه لتنفيذها، في خضم معادلة استراتيجية مرنة؛ لاسترجاع ميراثه العثماني، مع علاقة متميزة مع الغرب والشرق على السواء. وبينما تدعم بريطانيا فكرة "العثمانية الجديدة"، من وراء الكواليس، في حنين لعصور الامبرطوريات، لا تعتبر الولايات المتحدة الفكرة خطراً، لكن تحاول تطويعها لخدمة أهدافها، فمنذ انهيار الاتحاد السوفياتي خسرت واشنطن عدواً جباراً، وقد عثرت على العدو البديل (الوهمي)، أي الإسلام؛ فوضعته بزاوية الفكر الذي يرفض أي فكر آخر، ولتعطف بالمقابل على ما سمته الإسلام الجديد الذي يُفترض فيه أن يقف في مقابل صورة الإسلام المرفوض. ولا يهم الولايات المتحدة، الإسلام المرفوض أو المقبول بحد ذاتهما كفكر، بل توجه هذا الإسلام ورؤيته ووضعه ضمن خريطة مصالحها، وهكذا تتشكل ثنائيات في مناطق ملتهبة بقضاياها الخاصة، ليكتسب صراعها ألواناً جديدة يفقدها بوصلة المعركة، إسلام معتدل مقابل إسلام متطرف، إسلام سنّي مقابل إسلام شيعيّ، إسلام سنّي معتدل مقابل إسلام سنّي متطرف... إلخ.
 
واستطاعت واشنطن عبر هذه الهويات الملتبسة تمرير مشاريع الفوضى والتدمير والحروب الأهلية، بما يناسب مخططاتها ورؤيتها للعالم، وإن نجحت أحياناً وأخفقت أحياناً أخرى، مثلما جرى في أفغانستان، لكن في كل الأحوال كانت تركيا شريكاً حقيقياً في العبث بـ"الإسلام"؛ من خلال توظيفه كأداة في الصراعات الدولية، لا سيما قضايا الشرق الأوسط، ومن هنا نفهم الصمت الأميركي الذي يصل إلى درجة الرضا بالسلوك الأردوغاني. أما روسيا، فهي برغم إدراكها خطورة المخطط الأردوغاني على وحدة أراضيها، بالنظر إلى التناقض التاريخي بين الروس والأتراك، فإن الطرفين يدعمان بعضهما ببراغماتية بحتة، في كثير من القضايا والملفات العالقة، مثل سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا وأذربيجان وخطوط الغاز محكومين بسياقات التبدلات السياسية في الساحة الدولية. وفي حين تبدو شعوب عربية فاقدة الوعي بخطورة "الطورانية الجديدة"، تنظر إيران بقلق إلى التمدد التركي؛ لأنه يهدد نفوذ طهران القائم على هوية دينية محافظة، تتعاطف هي الأخرى مع الأقليات الشيعيّة، وتحاول مدّ مظلتها إلى المنطقة التي تعتبرها تركيا العثمانية جواراً طبيعياً لها.
 
إنه زمن الهويات القاتلة، بتعبير اللبناني أمين معلوف، وعليه سيُبْنى فصل جديد من تاريخ المنطقة، شئنا أم أبينا، تلطخ فيه دماء الأبرياء وجه تركيا، كما حدث خلال مجازرها ضد العرب والأكراد والأرمن!
الكلمات الدالة