إعلان

عُمان في السعودية ... السعودية في عُمان

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
ولي العهد السعودي مستقبلاً سلطان عُمان
ولي العهد السعودي مستقبلاً سلطان عُمان
A+ A-
حفلت زيارة سلطان عُمان، هيثم بن طارق آل سعيد، إلى السعودية، بأجواء احتفالية رسمية وشعبية نادرة، وحملت دلالات رمزية عالية. وأطلقت عليها وكالة الأنباء السعودية "زيارة دولة"، وهو أعلى توصيف لزيارة رسمية يقوم بها زعيم دولة. فمن ناحية، هي أول زيارة خارجية يقوم بها السلطان العاشر لعرش عُمان، بعد توليه السلطنة في 11 كانون الثاني (يناير) 2020. كما كانت الزيارة الأولى للسلطان الراحل قابوس بن سعيد، بعد توليه الحكم عام 1971 الى السعودية أيضاً، في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، وحظيت حينها بترحيب كبير.
 
ومن ناحية أخرى، فإن السلطان هيثم هو أول زعيم يستقبله الملك سلمان منذ بداية أزمة كورونا، في حضور ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، الذي رحب به في مطار نيوم باحتفالية رسمية مشرقة. فقد واكب صقور الجو وصول الطائرة الى أجواء المدينة باستعراضات نثرت ألوان علم عُمان على سماء المطار. وأطلقت المدفعية 21 طلقة، واصطحب ولي العهد السعودي ضيفه الكبير في موكب طويل عبر الطريق المؤدي الى القصر الملكي، ليستقبله رسمياً ملك البلاد. وتزينت العاصمة السعودية بالأعلام العُمانية التي أضاءت برج الفيصلية ذلك المساء. الجدير بالذكر، أن آخر زيارة خارجية قام بها الملك سلمان كانت لعُمان لتقديم واجب العزاء للسلطان هيثم في وفاة السلطان قابوس، العام الماضي.
 
السلطنة ... الحاضر والتاريخ
سلطنة عُمان هي ثاني أكبر الدول الخليجية مساحة، بعد السعودية، وتحظى بموقع مميز على بحر العرب وبحر عُمان، المفتوحين على المحيطين الهادئ والهندي، إضافة الى إطلالتها على الخليج العربي ومضيق هرمز. وتتمتع السلطنة بطبيعة ساحرة، جبلية وساحلية وصحراوية، وتراث حضاري عريق. فقد كانت تحكم سواحل شرق أفريقيا، من عاصمتها زنجبار، وشرق الخليج العربي في فارس والقارة الهندية. ولها علاقات تجارية وثقافية مع تلك المناطق، إضافة الى دول شرق آسيا، خصوصاً المجاورة منها.
 
وأنعم الله على السلطنة بكنوز نفطية ومعدنية وسمكية، وأكثرها لم تُستغل بعد. ولعل أهمها الموارد البشرية الشابة، بمستوى تعليمي ومهني مرتفع، وحاجة ملحة لمزيد من فرص العمل الحر والوظائف ذات الجودة العالية.
 
الرؤية العُمانية 2040
بعد تولي السلطان هيثم للعرش، قام بإصلاحات سياسية واسعة وعميقة، أبرزها تعديل نظام الحكم، الذي أصبح وراثياً مماثلاً لأنظمة دول الخليج، بما يؤمن الانتقال الآمن للسلطة، ويوفر الثقة المحلية والدولية تجاه الاستقرار السياسي والبيئة الاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية الآمنة.
 
وبصفته عرّاب الرؤية العمانية 2040، خطط السلطان برنامجاً طموحاً لتحقيق التوازن الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، بما يقلل من الاعتماد على النفط كمورد أساسي. وعمل على تعزيز أداء الحكومة بوجوه شابة، وتقليص ودمج الوزارات بتوزيعها على قطاعات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحديث نظام المحافظات ومجلس الشورى، وصيانة الحريات العامة وحقوق الإنسان.
 
وحرصت الرؤيا على فتح الأبواب للاستثمار والتعاون الدولي بالتأكيد على أهمية الإنسان والمجتمع والحوكمة وتنويع مصادر الدخل، وبالتركيز على الصناعات التحويلية للنفط، والخدمات اللوجستية، والسياحة. وواكبت ذلك تغييرات هيكلية في الأنظمة المالية، والقوانين الحاكمة للأنشطة الاقتصادية والضامنة لحقوق المستثمرين.
 
توافق الرؤى السعودية - العُمانية
تتوافق الرؤية العمانية 2040، التي يقودها السلطان هيثم، مع رؤية السعودية 2030 وعرّابها الأمير محمد بن سلمان. فالرؤيتان تعملان على تنمية المجتمع والاقتصاد، بالاعتماد على العلم والتعليم والتدريب، لإعداد المواطن وتمكين الشباب والمرأة لقيادة المرحلة المقبلة. ويساعد في تحقيق ذلك تميز البلدين باستقرار سياسي واقتصادي متين، وتوافر قوى عاملة شابة، متعلمة ومتحفزة، لتحقيق أهداف التنمية، وإنشاء بنى تحتية وفوقية متقدمة.
 
كما تتوافق الرؤى في الحرص على استثمار الموقع الاستراتيجي للبلدين الذي يربط بين ثلاث قارات، ويقع على أربعة بحور (الأحمر، وبحر العرب وخليج عمان والخليج العربي) والمحيطين (الهندي والهادئ). وعلى استغلال الكنوز الطبيعية الجغرافية والمعدنية والنفطية والزراعية والسمكية. وعلى الاستفادة من منتجات التعليم والتدريب خلال العقود الماضية. وذلك بالتركيز على النقل العابر للقارات، والخدمات اللوجستية الدولية، والاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والزارعة، والصناعات البتروكيماوية والعسكرية والاستهلاكية، إضافة الى السياحة والتجارة والتسوق.
 
ولتحقيق ذلك، عمل البلدان خلال العقود الأخيرة على تطوير شبكات المواصلات البرية والجوية والبحرية، والارتقاء بالخدمات الفندقية والترفيهية والتسويقية، ومنتجات الطاقة التقليدية والمستدامة. ومن جانبها، حرصت عُمان على تأسيس بنية تحتية تشمل ميناءين رئيسيين متكاملين، "صحار" على خليج عمان، و"دقم" على بحر العرب، ومدناً صناعية وتجارية حرة، باستثمارات عُمانية سعودية مشتركة. كما طوّرت المطارات والمواقع السياحية، وربطتها كلها بشبكة طرق وقطارات حديثة، داخلية وخارجية، مع السعودية والإمارات ومنها لبقية دول الخليج، ومع اليمن. ويرتبط البلدان بنظام المدفوعات والشبكة المالية والبنكية الخليجية، ويعملان على تبادل إنشاء فروع بنكية، حيث أعلن بنك صحار عن اعتزامه فتح فرع له في السعودية، ويتوقع أن ترد البنوك السعودية بالمثل.
 
التنسيق السعودي - العُماني
ولهذا يأتي إنشاء مجلس التنسيق السعودي - العُماني المشكل من الوزراء المعنيين بقطاعات الصناعة والاستثمار والنقل والتجارة، إضافة إلى الدفاع والخارجية والداخلية، لوضع آليات محددة وفاعلة لتنشيط وتسريع اتفاقيات التعاون بين البلدين، مع تقييم مستمر لأداء الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين البلدين. كما يعمل المجلس على مواجهة التحديات التي قد تواجه المشاريع، وإضفاء المرونة لعمل الاقتصاد الخاص، واختزال الوقت لتحقيق الأهداف.
 
ويتحمل المجلس الوزاري مسؤولية توفيق الرؤى السياسية والاقتصادية والمجتمعية في مجالات الاستثمار والاقتصاد والاتصالات. ومن بوادر هذا التعاون طرح 25 مشروعاً استثمارياً في عُمان، ومنح 318 رخصة استثمارية عُمانية في المملكة، ومشروع مقترح لمدينة صناعية على الحدود، باستثمارات مشتركة ودولية، وآخر لأنبوب نفط يمتد من آبار شيبة شرق الربع الخالي، على الحدود الإماراتية، الى ميناء ومجمع "دقم" (الصناعي - النفطي - السمكي)، الذي مولته السعودية بـ210 ملايين دولار، على المحيطين الهندي والهادئ من دون المرور بمضيق هرمز. وبالتالي يتحقق الوصول الآمن للنفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية الى أسواق شرق آسيا وأفريقيا، والدول المجاورة، كالهند وباكستان.
 
الطريق البري المباشر
ويخدم التعاون الطريق البري المنتظر افتتاحه خلال أشهر، والممتد من حرض - البطحاء بمحاذاة منفذ الإمارات، بطول 560 كيلومتراً عبر الربع الخالي الى الحدود العُمانية، لينتهي بمدينة سكنية وإدارية حالياً، وصناعية مستقبلاً. علماً أن الطرق البرية الحالية بين البلدين تمتد آلاف الكيلومترات، وتمر بالعديد من المنافذ البرية في الإمارات شرقاً واليمن جنوباً. وهكذا تختصر المسافة الى مئات الكيلومترات، والوقت إلى بضع ساعات بدلاً من أيام، والمنافذ الى منفذ واحد.
 
وسيساهم الطريق في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي زاد خلال عام واحد (2019 – 2020) بنسبة 16 في المئة من الصادرات السعوديه تقابله زيادة مقاربة من الجانب العماني. إضافة الى تنشيط السياحة الدينية الى الحرمين الشريفين والمناطق السياحية السعودية من جانب، ونظيرتها في عُمان بخاصة في صلالة وظفار وهي من المناطق المفضلة لدى السعوديين في مواسمها الصيفية والشتوية والخريفية. ومن خلال شبكة المواصلات السعودية، ستصل المنتجات والزوار العُمانيون الى بقية دول الخليج ومصر وشمال الجزيرة العربية.
 
مجالات التعاون
وتعمل الدولتان على تنمية التعاون في مجالات الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية. فعُمان، وهي ثاني أكبر بلدان الخليج مساحة وسكاناً بعد المملكة، تزخر بكنوز طبيعية هائلة، معظمها بكر، من الثروات المعدنية والنفطية والسمكية والزراعية والسياحية.
 
كما يتعاون البلدان في تحقيق مبادرة الأمير محمد بن سلمان الخضراء، التي تستهدف زراعة 40 مليار شجرة في المنطقة، لمواجهة التصحر والعواصف الرملية التي تكلف اقتصاداتها 13 مليار دولار سنوياً. وفي الملفات السياسية، كالملف اليمني، تتبنى السلطنة الحل السياسي وفقاً للمرجعيات الثلاث (المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرار مجلس الأمن 2216) والمبادرة السعودية للسلام. كما أعلنت توافقها مع الموقف السعودي تجاه مهددات الأمن الخليجي والعربي، وأبرزها مخاطر الإرهاب والبرامج النووية والصاروخية الإيرانية.
 
وتشمل مجالات التعاون التعليم الجامعي والمعاهد التقنية والسياحية وقطاعات الاعلام والاتصالات والمواصلات، إضافة الى التعاون الأمني والعسكري لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، حيث تشارك عُمان كعضو مؤسس في قوات درع الجزيرة، والتحالف العسكري الاسلامي لمحاربة الإرهاب. وتتعاون مسقط مع جهود المملكة الدولية في تبادل المعلومات الأمنية والتوعية ضد خطاب الكراهية والتحريض. وقد تم خلال الزيارة توقيع اتفاقات مهمة لتطوير التكامل والتكاتف في هذه المجالات، وتسريع العمل في المشاريع القائمة، وأهمها الطريق البرية.
 
العلاقة النموذجية
العلاقات السعودية العُمانية تقدم أنموذجاً للعلاقات العربية المثلى، فهي تقوم على بناء الجسور السياسية والاقتصادية والثقافية، وتعظيم المصالح المشتركة، والاستثمار في المواطن وبناء المستقبل. وفي الوقت نفسه، العمل ضمن أطر التعاون الإقليمية والدولية القائمة، لتحقيق مزيد من التكامل الخليجي والعربي.
 
وسبق ذلك قيام مجالس تنسيق سعودية مع دول الخليج واليمن والعراق والأردن ومصر، إضافة الى مجالس مماثلة مع دول كبرى، واستثمارات مليارية في مشاريع إقليمية وقارية، كالسكك الحديد والطرق، والشبكات الكهربائية والنفطية الخليجية والعربية، ودرب الحرير الصيني، وكابل الاتصالات البحري الممتد من شرق آسيا الى أوروبا وأفريقيا، والاستثمارات الزراعية في آسيا وأفريقيا، وفي البلدين، لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
 
التكامل قوة ... والتعاون قوة … والتنمية قوة … والطريق الى مستقبل المنطقة والعالم يحتاج الى كل هذه القوة ليصل ويوصل … ويتصل.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم