إعلان

استثناءات "قانون قيصر "... شكوك حول الجهات المستفيدة

المصدر: النهار العربي-دمشق
قبة الكونغرس الأميركي
قبة الكونغرس الأميركي
A+ A-
وسط تجاذب القوى الفاعلة في شمال سوريا على وقع تطورات الحرب الأوكرانية وانسداد أفق الحل السياسي للأزمة السورية، اتخذت الولايات المتحدة الأميركية قراراً جديداً من شأنه أن يزيد التصعيد في المنطقة، لا سيما أن القرار الجدلي أثار تحفظات شديدة عليه من قبل اللاعبين الرئيسيين في مناطق شمال شرقي وشمال غربي سوريا، رغم أنه في الوقت نفسه قد يكون ترك القرار لكل طرف هامشاً معيناً للاستفادة من تفاعلاته الاقتصادية على أرض الواقع نتيجة تشابك المصالح والتعقيدات الكبيرة التي تحيط بالممارسات التجارية في تلك المنطقة التي تنتشر عليها قوات من خمس دول هي أميركا وروسيا وإيران وتركيا وسوريا.
 
وبعد أخذ ورد استمر لأشهر عديدة بسبب البيروقراطية التي تتبعها وزارة الخزانة الأميركية، وافقت الأخيرة، قبل أيام، على استثناء بعض المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومة السورية من "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات قاسية على دمشق، حيث سمحت بأنشطة في 12 قطاعاً، بما فيها الزراعة والبناء والتمويل في مناطق شمال شرقي سوريا التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديموقراطية" ومناطق شمال غربي سوريا انتزعتها تركيا من تنظيم "داعش".

وأصدرت الخزانة، الخميس 12 أيار (مايو)، بياناً جاء فيه أنها سمحت ببعض الاستثمارات الأجنبية في المناطق الواقعة شمال سوريا والخارجة عن سيطرة حكومة النظام، والتي اعتبرتها استراتيجية تهدف لهزيمة تنظيم "داعش" من خلال تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
 
وأوضحت أنها لم تسمح بأي معاملات مع حكومة النظام أو تلك المصنفة بموجب العقوبات الأميركية خلال الحرب التي استمرت 11 عاماً.
 
وسمحت الرخصة أيضاً بشراء منتجات نفطية مثل البنزين في المنطقة، باستثناء المعاملات التي تشارك فيها حكومة النظام السوري أو تلك المصنفة بموجب العقوبات الأميركية. كما أنها لم تسمح باستيراد النفط السوري المنشأ أو المنتجات البترولية إلى الولايات المتحدة.
 
وبحسب البيان، فإن المناطق التي تسري فيها الرخصة كالآتي: منطقة منبج باستثناء ناحيتي الخفسة ومسكنة. ومنطقة الباب باستثناء نواحي تادف ودير حافر ورسم حرمل الإمام وكويرس شرقي وعين العرب. ومنطقة أعزاز باستثناء نواحي تل رفعت ونبل. ومنطقة جرابلس.
 
وكذلك تشمل الرخصة محافظة الرقة مركز المدينة باستثناء نواحي معدان وتل أبيض. ومدينة الطبقة باستثناء ناحية المنصورة.

وتمتد الرخصة إلى محافظة دير الزور لتشمل مركز المدينة باستثناء مناطق غرب الفرات ونواحي التبني وموحسن وخشام، ومدينة الميادين باستثناء مناطق غرب الفرات وناحية العشارة. ومدينة البوكمال باستثناء مناطق غرب الفرات وناحية الجلاء.
 
 
وتصل أخيراً إلى محافظة الحسكة حيث تشمل جميع أنحاء المحافظة باستثناء حي المالكية ومدينة القامشلي وقضاء رأس العين.
 
ويستثني القرار كما هو واضح إلى جانب المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، كلاً من منطقتي عفرين في ريف حلب التي سيطرت عليها تركيا في عملية غصن الزيتون عام 2018 بعد ما طردت القوات الكردية منها، ومنطقة إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" المصنفة على قوائم الإرهاب العالمية.
 
وفي حين كانت أطراف سورية مثل "قوات سوريا الديموقراطية" تترقب بفارغ الصبر صدور القرار بعد ما بذل اللوبي الموالي لها في واشنطن جهوداً حثيثة لإمراره، كانت أطراف محلية وإقليمية أخرى مثل حكومة دمشق وتركيا تتخوفان من صدور القرار بسبب تداعياته المحتملة على وحدة الأراضي السورية من جهة، ولأنه سيعزز من نفوذ الوحدات الكردية التي تعتبرها أنقرة تنظيماً إرهابياً ويكرسها كقوة أمر واقع تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي في مناطق سيطرتها، من جهة ثانية. ويبدو أن القرار بصياغته وحيثياته لم يلبِ تطلعات الأكراد كما أنه لن يخيب آمال أنقرة بالكامل.
 
ومن حيث القطاعات التي شملها القرار الأميركي فهي قطاعات لم يكن العمل فيها ممنوعاً في وقت سابق، على مستوى الأفراد والمؤسسات، غير أنّ الجديد هو ضمان القدرة على تحويل الأموال واستيراد مستلزمات الإنتاج اللازمة لتنفيذ أعمالهم، حتى لو كانت تقنيات ومعدّات عالية التقنيّة، وأيّ معدات أو معاملات ضرورية لتنفيذ الأعمال في تلك القطاعات، التي تم تقييدها سابقاً بموجب قوانين العقوبات الأميركية.
 
وبموجب اللائحة تستطيع الشركات الأميركية والمؤسسات المرتبطة بها الدخول للعمل في مناطق شرق وشمال سوريا ضِمن القطاعات المحدّدة. علماً أنّ الجالية السورية في الولايات المتحدة الأميركية كانت قد طالبت بمثل هذه اللوائح منذ سنوات عدّة في سبيل افتتاح مؤسسات اتصال والمساهمة بأعمال البناء والإسكان وضمان تحويل الأموال بطرق شرعية ومُرخَّصة، وفق ما ذكر مركز جسور للدراسات في تقرير له حول القرار الأميركي.

ولاحظ المركز أن القرار يأتي في سياق التعافي المبكِّر، فالدول الغربية كانت قد توافقت على ضرورة الدفع بهذه العجلة من خلال مشاريع متوسطة الأمد في سوريا بعيداً من إعادة الإعمار الذي ترفضه ما لم يكن هناك حلّ سياسي. وبالأصل، تهدف عملية التعافي المبكر إلى دعم قدرة المجتمعات المحلية على الاعتماد على نفسها وتحريك عجلة الإنتاج بما يضمن تقليل الاعتماد على الأعمال الإغاثية والمعونات الإنسانية؛ الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى تخفيفِ العبء عن كاهل المانحين من جهة، وإضعافِ قدرة التنظيمات المتطرِّفة على تجنيد الشباب لأسباب مالية من جهة أخرى.
 
ومن المتوقَّع أن تُفضي اللوائح المُعلَن عنها إلى تعزيز دخول مؤسسات غير ربحية بشكل أكبر لدعم برامج التعافي المبكر وإقامة مشاريع صغيرة تطور من بِنْية القطاع العامّ وتساهم في تطوير البِنَى التحتية. كذلك يُتوقَّع أن تدخل بعض الشركات والأفراد في سبيل دعم عملية الإسكان وإنشاء مشاريع أكبر حجماً من الماضي، كما قد تشهد المنطقة تدفُّق تقنيات اتصال ومَيْكَنَة زراعية وصناعية متطوِّرة نسبياً، وافتتاح مكاتب حوالات رسمية مرخَّصة.
 
في المقابل، وعلى رغم أن مسؤولة أميركية صرحت قبيل صدور القرار بأن أنقرة لن تعارض رفع العقوبات عن مناطق "قسد"، حيث قالت القائمة بأعمال مساعدة وزير الخارجية الأميركي، فيكتوريا نولاند، خلال اجتماع "التحالف الدولي لمكافحة داعش" في مدينة مراكش المغربية، أن "أنقرة تعتبر "قسد" جماعة إرهابية، لكنها لن تعارض الترخيص"، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سارع بنفسه إلى انتقاد القرار حيث قال عقب صلاة الجمعة أنه "لا يمكن أن نقبل قرار واشنطن الخاطئ بشأن إعفاء مناطق سيطرة التنظيم من العقوبات على سوريا". وفق ما نقلت وكالة "الأناضول".
 
وأشار إلى أن الإدارات الأميركية قدمت في السنوات الأخيرة كل أنواع المساعدات منها أسلحة وذخائر ومعدات لـ "قسد" رغم تحذيرات تركيا.
 
ولم يكتف أردوغان بذلك، بل تعمد اللجوء إلى التصعيد كاشفاً أن تركيا ستعلن عملية عسكرية ضد حزب "العمال الكردستاني" شمال شرقي سوريا على غرار عملية "المخلب" الجارية الآن في شمال العراق، بغض النظر عمن يقف وراء تلك التنظيمات "المعادية".
 
بدوره اعتبر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الاستثناءات الأميركية بخصوص العقوبات على سوريا محاولة لشرعنة حزب "العمال الكردستاني" و"قسد".
 
ووصف أوغلو حسب الوكالة التركية الإعفاءات الأميركية من عقوبات "قانون قيصر" بخصوص بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بـ "الانتقائية" وتنطوي على "تمييز".

وانتقد أوغلو استثناء إدلب من الرخصة الأميركية مشيراً إلى أن "إدلب هي المنطقة الأكثر حاجة لدعم المجتمع الدولي في ما يتعلق بالمرونة في العقوبات، كونها تضم ملايين النازحين، وأن تركيا تواصل بناء منازل الطوب في المنطقة لإيواء النازحين".
 
ويعتقد مراقبون أن أنقرة رغم عدم رضاها بالكامل عن القرار الأميركي، إلا أنها لم تعرقل صدوره، لا سيما أنه يشمل مناطق خاضعة لسيطرتها، وهي بأمس الحاجة إلى فتح آفاق الاستثمار فيها بما من شأنه أن يساهم في تنفيذ خطة الرئيس التركي بإعادة مليون لاجئ سوري إلى سوريا.
 
من جهتها، انتقدت وزارة الخارجية السورية الجمعة قراراً أميركياً يسمح ببعض الاستثمارات الأجنبية في مناطق بشمال سوريا خارج نطاق سيطرة الحكومة، وتعهدت "بهزيمة" هذه الخطوة. وفي بيان صدر اليوم الجمعة، قالت وزارة الخارجية والمغتربين السورية إن دمشق "مصممة على هزيمة هذه المؤامرة الجديدة"، وحثت المواطنين في شمال البلاد على "إسقاطها".
 
ووصفت الوزارة القرار بأنه جزء من سياسة "هدامة" تنتهجها الولايات المتحدة في سوريا.
 
وفي اتصال هاتفي مع الصحافيين، رفض مسؤولون أميركيون تأكيدات بأن الخطوة الأميركية يمكن أن تعتبر تعزيزاً لجهود بعض الدول العربية لإنهاء عزلة الأسد، وكرروا القول إن واشنطن ليست لديها النية لرفع العقوبات المفروضة عليه.
 
ومع ذلك فقد حذّر مركز جسور للدراسات من أن الخطوة الأميركية ورغم أنها تستبعد مناطق النظام السوري والأفراد المُعاقَبين والمحظورين وكذلك الأنشطة النفطية من أيّ استثناء من العقوبات، إلّا أنّ الشكوك لا تزال قائمة حول إمكانيّة استفادة النظام من هذه الاستثناءات من خلال التشابُكات الكبيرة بين مناطقه والمناطق الخارجة عن سيطرته؛ بخاصة في مجال العملات الأجنبية، والموادّ الأولية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم