إعلان

لقمان سليم وحرّاس الذّاكرة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
لقمان سليم
لقمان سليم
A+ A-

قَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى
                                    وتَبْقَى حَزازاتُ النفوس كما هِيا                                                                     زُفر بن الحارث

تأتي ذكرى الحرب الأهلية في 13 نيسان (أبريل) من كل عام لتذكّرنا بأن ذاكرة اللبنانيين ليست بخير. فبرغم مرور 31 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لا يزال الشعب اللبناني يفتقر الى الشجاعة والنضج التاريخي لمواجهة شياطينه، والاعتراف بأن قِدّيسيه السياسيين هم أنفسهم شياطينه، وبأن الحرب اللبنانية لم تكن، كما يزعم هؤلاء السياسيون، حربَ الآخرين على أرضه ولا معركة تحرير فلسطين أو إصلاح النظام اللبناني.
 
بهذه الأكاذيب عمد اللبنانيون وأمراء طوائفهم إلى تسليح الذاكرة الجماعية وأسرها في أقبية الذاكرة المظلمة، بل والعمل في أحيان كثيرة على تدميرها بالمعنى المجازي وحتى الحسّي عبر إزالة النصب التذكارية أو تشييدها. غياب أرشيف حربنا الأهلية الورقي لم يكن من قبيل الصدفة أو التقصير، بل هو فعل جرمي استهدف محو أسماء الضحايا الأبرياء والجزارين.
 
لقمان سليم الذي أُعدم في جنوب لبنان منذ أكثر من شهرين لم يكن مناضلاً من أجل استرجاع الدولة المسلوبة فحسب، بل كان جزءاً من جماعة أو أمّة من اللبنانيين رفضت أن تترك الحرب الأهلية وذكرياتها الأليمة في دائرة الماضي والنسيان. وعبر مؤسسة "أمم" للأبحاث والتوثيق، قام لقمان بلملمة روايات وقصاصات الحرب وجماعاتها، ليس من أجل التشفي والانتقام، بل من أجل العدالة الانتقالية ومنع أشباح الذاكرة من تحويل حلمنا في بناء وطن عصري ومدني كابوساً متكرراً.
 
لقمان سليم وأمثاله الرافضون طمر الذاكرة والتطبيع مع قوى الأمر الواقع نذروا حياتهم لمقارعة رموز السلطة عبر نشر الكتب والأبحاث وعقد المؤتمرات وإنتاج الأفلام التي تروي قصص هؤلاء الذين، بحسب زعم الطائفيين، لا يستحقون أن تُروى قصصهم وتُعرف مأساتهم لأنهم مجرد وقود ضمن سردية عظمى، هدفها الوحيد إنتاج الشهداء من أجل "الدفاع" عن الوجود وعن نسختهم من لبنان.
 
دور لقمان وشقيقته رشا الأمير وزوجته مونيكا لم يقتصر على احتواء ذاكرة لبنان وحراستها، بل نسجوا شبكةً من العلاقات مع الجوار العربي وحاولوا أن يستفيدوا من تجربة بلدان كالمغرب والنكبة الفلسطينية والشتات. وكانوا من أوائل الذين أنشأوا مشاريع تُعنى بالذاكرة وبجرائم الحرب السورية التي يقترفها نظام الأسد و"مثقّفو" البراميل المتفجرة الذين يبررون القتل اليومي بذرائع خيالية ويشيطنون القتلى من الأمهات والأطفال على أنهم وسائل الإمبريالية والصهيونية العالمية.
 
قد يبدو للبعض أن طرح موضوع الحرب والذاكرة هو أمر سخيف أمام ما يجري حالياً في لبنان من انهيار تام للنظام السياسي والاقتصادي وتحوّل سويسرا الشرق فنزويلا، إنما بنسخة رديئة تطرح زراعة البطاطا والبقدونس كنموذج لاقتصاد الفقر "المقاوم". وقد يكون مشهد الانتظار في طابور الخبز أو على أبواب الزعماء توسلاً لكرتونة من الإعاشة من أجل إشباع البطون الجائعة، ولو على حساب كرامة اللبنانيين، أولوية للبعض على اعتبار أن مناقشة مشاريع لقمان سليم وزمرته هي ضرب من الفلسفة والنخبوية والتّرف يستطيع اللبنانيون الاستغناء عنه في الوقت الحالي.
 
الوضع المزري الذي يمر به لبنان ليس مقروناً فقط بسيطرة السلاح غير الشرعي والفساد على المنظومة، بل ينبع أيضاً من جُبن الشعب اللبناني أو تقاعسه عن مواجهة ماضيه، تماماً كما يفعل التلميذ الكسول الذي غالباً ما يعيد أداءه الضعيف إلى انقطاع التيار الكهربائي أو حتى قيام كلبه الأليف بالتهام واجباته المنزلية.
 
الخروج من جحيم لبنان الحالي وتحريره من السلاح والفساد - الآتيين لا محالة - قد يكونان أسهل من مواجهة الماضي وحروبها الأهلية، لا سيما أن اللبنانيين لم يرتقوا بعد إلى مرحلة يكونون فيها حراس الذاكرة أو مناضلين في سبيل العدالة الاجتماعية على جثث زعمائهم المتحللة أصلاً والتي تنتظر الدفن في المقابر الجماعية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم