إعلان

هل الديموقراطية في خطر؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
 مادة الاتهام الموقعة في مجلس النواب الأميركي لعزل دونالد ترامب. أ ف ب
مادة الاتهام الموقعة في مجلس النواب الأميركي لعزل دونالد ترامب. أ ف ب
A+ A-
لقد شكلت المفاهيم السياسية مثل الدولة والنظام والشعب والأمة والملك والجمهورية...، أدوات أساسية ومركزية في تحليل الواقع الاجتماعي، غير أن بروز الثورة الصناعية وصعود القيم الرأسمالية وتحررها من الإقطاع والسلطة السياسية التي تشكلت في ظلها بدعم من الكنيسة، جعل منها كما يقول إيل ديو - ساسيلو "قاعدةً" جديدة للتنظيم الاجتماعي، ما نتج منه تغيير البراديغما السياسية ببراديغما اقتصادية واجتماعية، فتحت المجال لمصطلحات ومقولات جديدة لتحليل الواقع الاجتماعي، مثل الطبقات الاجتماعية والثروة والصراع الطبقي، والبورجوازية والبروليتاريا، والنقابات والإضرابات، والتفاوتات وإعادة التوزيع.

الجديد اليوم هو أن هذه المفاهيم نفسها، على الأقل منذ حوالي أربعة عقود، لم تعد تملك القدرة على تفكيك الواقع الذي تعيشه الإنسانية اليوم، في ظل هذا الفراغ المفاهيمي والعجز عن الإحاطة بالتعقيدات المتسارعة التي تحيط بنا، برزت قضايا الثقافة والنزوعات الإثنية والعرقية والهويات المغلقة أو القاتلة بتعبير أمين معلوف، بحيث أصبحت هي من يملئ الساحة وذلك بشكل متزامن بين العالم الغربي، الذي طالما نُعت بالعالم الحر والديموقراطي، من خلال بروز الجماعات اليمنية المتطرفة، أو في باقي بقاع العالم التي تعيش وعاشت لعقود، على وقع الصراعات الدينية والمذهبية والإثنية والقبلية، ومنها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي برزت فيها تيارات الإسلام السياسي وأيضاً الخصوصيات اللغوية والثقافية والمناطقية، كل هذه التعبيرات تمثل مرحلة انتقال من زمن ما بعد السياسي والاقتصادي، إلى مرحلة جديدة غير واضحة المعالم، لكنها تنطوي على مخاطر كبيرة. 

ما تشهده الولايات المتحدة الأميركية اليوم، بخاصة بعد الأربعاء الأسود الذي شهد اقتحام مقر الكونغرس الأميركي، هو شكل من أشكال التحالف أو التوظيف المتبادل بين تيار شعبوي صاعد على يمين "الحزب الجمهوري"، الذي يمثل دونالد ترامب علامته البارزة، وبين تيارات يمينية متطرفة لها جذور طويلة في المجتمع الأميركي منذ حركة الحقوق المدنية بين 1954 و 1968، إذ إن أبرز حركات اليمين المتطرف التي تتحالف اليوم مع ترامب، ليست في النهاية سوى إمتداد للحركات المتطرفة التي ناهضت حقوق الأميركيين من أصول أفريقية والملونين، ودافعت عن ذلك بسرديات عنصرية تعتقد بتفوق الجنس الأبيض، وهي ذات السرديات التي يعاد إنتاجها اليوم، هذا الظهور الجديد لهذه الحركات يأتي في أعقاب الزلزال الذي خلفته الأزمة الاقتصادية والمالية لسنة 2008، وفي عجز منظومة الحكم في الولايات المتحدة على صيانة "الحلم الأميركي" بعد أن سيطرت الرأسمالية المتوحشة وتصاعدت الفوارق في المجتمع ما حول ملايين الأميركيين إلى هامش الدورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكانت الخطابات اليمينية العنصرية والدينية المتطرفة ملاذاً لكثيرين، لم يكن ينقصهم سوى شخص مثل ترامب للبروز إلى الواجهة والتعبير عن رفض مؤسسة الحكم "الاستبلشمنت" والأوليغارشية السياسية والاقتصادية الحاكمة في واشنطن، ومعهم السود واللاتينين والمهاجرين بصفة عامة. 

الأكيد أن ما يحدث اليوم أمامنا هو تحالف بين طرفين يجب التمييز بينهما، فمن جهة نجد الشعبوية ممثلة في ترامب، ومن جهة أخرى نجد الجماعات اليمينية، تقوم ضرورة هذا التمييز عندما نعلم أن الشعبوية في الجوهر هي نمط من السياسات الأخلاقية، إذ إن التمييز بين النخبة والشعب هو أولاً وأخيراً أخلاقي (أي النقاء مقابل الفساد)، فالشعبوية تنطوي على نظرة مانوية للعالم تقسم الفضاء الاجتماعي إلى معسكرين متعارضين: "الشعب" الأخلاقي ومؤسسة الحكم الفاسدة كما تقول ناديا أوربيناتي، إذ لا يقوم التمييز على جانب ظرفي يرتبط بالموقف من السلطة، أو اجتماعي ثقافي يقوم على الفوارق الإثنية أو الدينية، أو اجتماعي اقتصادي يقوم على الفوارق الطبقية، كما يؤكد كل من کاس مودیه، وکریستوبال روفيرا كالتواسير، فالهدف النهائي للشعبويين واليمين المتطرف مختلف ومتمايز، وأي خلط أو الاعتقاد بوجود نوع من التطابق الكامل بينهما، إنما يساهم في تضليل التحليل الذي يسعى إلى فهم ما يجري اليوم على الساحة الأميركية. 

بالتأكيد ليست أميركا فقط هي التي تواجه تراجع الديموقراطية وتصاعد العداء لها بشعارات ومبررات مختلفة، ولكن ذلك يمثل موجة عالمية متصاعدة منذ انهيار جدار برلين، كما أن ترامب ليس سبباً في ما تعرفه أميركا اليوم، بل هو نتيجة لمسار طويل من التراجعات التي كانت موضوع كتابات وازنة منها كتاب ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبالت "كيف تموت الديموقراطيات"، والذي أكدا فيه أن التاريخ أثبت في معظم الحالات "أن الديموقراطيات تموت ببطء لا يكاد يلاحظه أحد إذ إنها تفسد بسبب القادة الذين يسيئون استغلالها"، وأن أرض الديموقراطية الخصبة تخضع للتجريف لمدة طويلة، كما أن "مجلة الديمقراطية" Journal of Democracy التي تأسست سنة 1990، اختارت مسألة تراجع الديموقراطية موضوعاً لعدد خاص أصدرته بمناسبة مرور ربع قرن على إنشائها، ثم نشرته سنة 2015 ككتاب جماعي تناول مجموعة من القضايا التي تهم واقع ومستقبل الديموقراطية في العالم والولايات المتحدة الأميركية، بين متفائل بمساراتها المستقبلية وبين متشائم بذلك المسار. 

الأحداث الجارية اليوم توضح حجم التفاؤل والتشاؤم، معززاً بآخر التقارير الدولية حول الديموقراطية في العالم والتي تخلص إلى حقيقة تراجع قيمها في مقابل بروز بعض مظاهرها مثل الانتخابات، فعلى الرغم من أن الانتخابات أصبحت هي القاعدة وليس الاستثناء، فإن الكثير من الأنظمة غير الديمقراطية، كما أكدت المؤسسة الدولية للديموقراطية والانتخابات في تقريرها حول الحالة العالمية للديموقراطية لسنة 2019، تستخدمها فقط كوسيلة لإضفاء الشرعية الداخلية والخارجية. وفي البلدان التي تحكمها أنظمة هجينة أو غـير ديمقراطية، حسب ذات التقرير، فإن دور الانتخابـات يقتصر على تعزيـز الواجهـة الديموقراطيـة. وهـذا التشـويه للمبـادئ الانتخابية لأغراض غير ديمقراطية يساهم في تقويض ثقة الجمهـور بقيمة العملية الانتخابية في البلدان الديموقراطية كما يخلص التقرير.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم