إعلان

تونس... ثورة على "ثورة الياسمين"؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
سعيّد وأعضاء الحكومة التونسية الجديدة
سعيّد وأعضاء الحكومة التونسية الجديدة
A+ A-
التحوّلات في أنظمة الحكم وما يواكبها من وضع دساتير وهياكل جديدة، هي مرحلة مخاض تمر بها الدول والشعوب في كل منحنى تغيير جذري لعملية إدارة البلاد وتقاسم السلطة. وهي غالباً ما تكون شرسة، مؤلمة ومعقدة، وقد تمتد تداعياتها الى ما بعد استقرار الأحوال. وقد تعقبها ارتدادات نتيجة فشل النظام الجديد في التفوق على من سبقه، والوفاء بالوعود، والتعامل مع التحديات، فيصمد ويتطور، أو ينهار وتبدأ مرحلة مخاض جديدة. وهكذا تستمر دورة التحوّل حتى تنكسر بفعل حدث غير متوقع، كثورة شعب سئم الحال، او صعود قيادة تاريخية، أو تدخل خارجي.
 
التحولات التاريخية
وما حدث بعد عاصفة "الربيع العربي" التي أطاحت بأنظمة حكمت بلدانها لعقود، منذ الاستقلال، أو الانقلابات العسكرية، مرّت بمثله دول أوروبا وآسيا وأفريقيا والأميركتين، بما فيها الولايات المتحدة، بعد الاستقلال عن بريطانيا، وبعد الحرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومرت به روسيا، بعد الثورة البلشفية على القيصر، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وقيام روسيا الاتحادية. كما مرت به قوى عظمى، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان والصين والهند، بعد الحرب العالمية الثانية.
 
بعض هذه التحوّلات واكبتها حروب ضروس، داخلية أو خارجية، كما حدث في قرن واحد لألمانيا القيصرية، فالنازية، فالديموقراطية. وللمملكة الإيطالية، فالفاشية، فالديموقراطية. وتركيا من الخلافة الدينية، الى العلمانية القومية. أو خلال قرون من التقلبات، كالصين التي انتقلت من اقطاعيات الى إمبراطورية فجمهورية. وكفرنسا التي انتقلت من ملكية، الى إمبراطورية، الى جمهورية. أو كبريطانيا التي انتقلت من الملكية المطلقة الى الدستورية.
 
دموية التغيير
ولم تكن هذه التغيّرات سلمية، بل دموية، تنازعت خلالها الأطراف المتصارعة على الأرض والسلطة، فكسب من كسب وخسر من خسر. وتمخضت العملية القيصرية المؤلمة بعد عقود أو قرون عن أنظمة برلمانية أو رئاسية، رأسمالية أو اشتراكية، محافظة أو عمالية، مسيحية أو ليبرالية، نجحت بدرجات مختلفة في تحقيق قدر من مشاركة السلطة مع الشعب، وتقاسمها بين النخب السياسية والاقتصادية والعرقية في البلاد.
 
وفي العالم العربي، تسارعت الخطى نحو الحلول الديموقراطية الغربية، بضغط تارة وتشجيع وتمويل تارة أخرى من الولايات المتحدة وحلفائها، ضمن مشروعها الأوسع لإعادة بناء المنطقة وتشكيلها على النسق والمفاهيم الغربية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير. وساهم في نجاح التثوير تعلق أنظمة طال أمدها بالسلطة، وتوجهها لتوريثها، مع تراجع ملموس لحيويتها وقدرتها على التجدد، والعطاء... والبقاء. ومع بلوغ جيل متعلم، منفتح على العالم من حوله، ومتطلع إلى مستقبل أفضل، وعدم قدرة النظام على استيعاب طموحه وامكاناته وحماسه للمشاركة، اشتعلت الثورات واحدة بعد الأخرى، ووجدت من المخطط الأميركي الدعم والتأييد... والتوجيه.
 
"ثورة الياسمين"
تونس كانت أول من خاض التجربة، فهي بلد ثورة الياسمين، وأول من خضع حاكمها لرغبة شعبه فرحل، وأول من أعاد صياغة الدستور وتجديد هياكل الدولة، ومضى قدماً على درب المشاركة الشعبية، والحريات الشخصية. وبالتالي، فقد كان نجاحها إرهاصة رائدة ومعلمة وقائدة لغيرها من المشاريع، خصوصاً، بعد فشل التجربة الديموقراطية التي فرضها المحتل الأميركي على العراق، وتكشف عورات الأنظمة "الجمهوملكية"، التي تدثرت بالديموقراطية وحكمت بالديكتاتورية الطائفية والعسكرية والوراثية.
 
كانت مقومات النجاح في تونس مبشرة. إذ لم ينفرط عقد الدولة بتماسك الجيش وقوات الأمن والمؤسسة الاقتصادية، وبثقافة ووعي شعب متعلم، متجانس، وبدعم المجتمع الدولي. ولكن من دون تدخل عسكري، كما حدث في بلدان انهارت فيها المؤسسة العسكرية والأمنية، كالجارة ليبيا.
الإرهاصات الأولى أوحت بسلاسة انتقال السلطة، وعقلانية الأحزاب والقوى السياسية المؤثرة، ورعاية المؤسسة العسكرية وحمايتها للحوار الوطني من دون فرض وجود أو تدخل سافر.
 
نجاح النظرية وفشل التطبيق
شُكلت مؤسسات النظام، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتم التوافق على الدستور، وأجريت استفتاءات وانتخابات نزيهة، انتهت، بعد عقد كامل، الى نظام شامل، متكامل، بكل مزايا الديموقراطية وعيوبها. على أن هذا الإنجاز التأسيسي لم يترجم الى إنجاز تنفيذي. فـ"حزب النهضة" الذي كسب الجولات الأولى وسيطر على مفاصل الحكم، فشل في تحقيق أي انجازات ملموسة. لم يحارب الفساد، وكان جزءاً من المشكلة لا الحل، ولم يفك الاشتباك الداخلي بين المكونات المتضاربة في عقيدتها وأجنداتها، ولم ينفك من الارتباط الخارجي المشبوه.
 
والأهم بالنسبة إلى الناخب، لم تواصل تونس نهضتها الاقتصادية التي تحققت في مطلع الألفية الثالثة، وتراجع الانتاج القومي الى مستويات لم يشهدها منذ الاستقلال، وعانت الإدارة المحلية من ضعف في الخدمات العامة، التعليمية والصحية، وحتى الأمنية.
 
حرب الفساد
لذا فعندما قرر الرئيس التونسي قيس بن سعيّد، الفائز في الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 بنسبة "تفويضية"، بلغت 72.71 في المئة، تعليق البرلمان وحل مجلس الوزراء، لم يواجه معارضة شعبية أو دولية تذكر، بل ارتياحاً عاماً. ولم يلبِ دعوة رئيس "النهضة" والبرلمان راشد الغنوشي للتظاهر حتى أعضاء الحزب وجماهيره. فقد بدا واضحاً يأس الشعب التونسي وملله بعد عشر سنوات من متابعة مسلسل الجدل السياسي على ساحات البرلمان والإعلام والشارع حول شؤون السلطة والدستور والشؤون النخبوية، مع غياب شبه كامل للقضايا الحياتية والمجتمعية والتنموية. فكان لا بد من كسر هذه الدائرة الخاسرة وإعادة النظر في قوانين اللعبة وكفاءة اللاعبين.
 
كما فتحت فضائح الفساد جروحاً موروثة من عهود مضت. فالثورة قامت أساساً ضد طبقة مستحكمة، مستفيدة، مستمتعة بالثروات والمناصب والفرص، على حساب غالبية تحصل على الحد الأدنى أو المتوسط من الاحتياجات اليومية والتطلعات المستقبلية. وبعد كل الدماء والمعاناة والتضحيات التي بُذلت لإنجاح مرحلة التغيير، يجد الشعب نفسه أمام وضع أكثر تردياً. فلا بقي له الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، ولا حصل على الحرية والنزاهة والمشاركة في الحكم. ولم يحظَ في نهاية الجولة إلا على حق التظاهر والتعبير … والهجرة.
 
تململ "مدني"
الموقف اليوم، وإن كان مبشراً بتغيير جديد، وثورة على الثورة، إلا أنه ليس مطمئناً. فاختيار امرأة، مستقلة، علمانية، من خارج دواوين السلطة، كأول رئيسة وزراء في تونس والعالم العربي، أسعد فئات واسعة في الداخل، خصوصاً المرأة التي كانت تشعر بالتهميش في العهود الماضية، وفي الخارج، وأقلق الذين أخذوا عليها ليبراليتها في مجتمع محافظ، وقلة خبرتها في الإدارة الحكومية، وافتقادها للصلاحيات التي احتفظ بها الرئيس، حتى في اختيار وزرائها. ومع غياب البرلمان وتعطيل الدستور، لم يعد لديها مؤسسات مرجعية، أو تفويض دستوري.
 
وفي وقت رحبت القوى العظمى والمنظمات الدولية والحقوقية بتعيين السيدة نجلاء بودن رمضان في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، بعد شهرين من حلّ مجلس الوزراء وتعطيل البرلمان، يطالب المجتمع الدولي الرئيس قيس بن سعيّد بالتعجيل في العودة الى حكم المؤسسات، حتى لا تجتمع السلطات التنفيدية والتشريعية كلها تحت يديه. فيما بدأ يظهر في داخل تونس تململ "مدني" من بطء خطوات تعيين الوزارة الجديدة، ومحاربة الفساد، وإصلاح الخلل الإداري والاقتصادي، الذي كان من نتائجه ضعف النشاط الاقتصادي، وزيادة معدلات البطالة، وسوء الخدمات العامة. كما أبدى بعض النشطاء الحزبيين قلقهم من الإجراءات الأمنية التي اتخذت ضد بعض القنوات والإعلاميين.
 
تونس الغد
وعدت رئيسة الوزراء المعينة في أن تكون الوزارة الجديدة بحضور نسائي قوي للمرة الأولى في تاريخ تونس، وأوفت بوعدها باختيار 10 نساء بين 24 وزيراً. ومن المبكر الحكم ما اذا كنّ من ذوات الخبرة والاقتدار، فمن المهم أن لا ننتقل من المعايير الحزبية والبرلمانية الى المعايير الجندرية والعقائدية. فالمعيار الوحيد الذي يجب أن يكون حاكماً هنا هو معيار الكفاءة والنزاهة فحسب. ذلك أن جملة من الملفات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الشائكة تنتظر الحكومة، على رأسها إعادة التفاوض مع البنك الدولي، وأزمة الديون، ومعدلات البطالة وغيرها من التحديات الاقتصادية.
 
كما يجب أن تتسارع الخطوات في إقامة العدل ضد المتهمين بالفساد، فيستبعد من يثبت عليه ذلك من العمل الحكومي والتأثير الاجتماعي عبر منصات الإعلام والمنابر، ويسترد ما نهبه، وتطبق عليه العقوبات النظامية. فالعدل البطيء ظلم، و"لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" كما وجه ولاته الفاروق عمر.
 
ومن الأهمية بمكان، أن لا تطول مسيرة الإصلاح السياسي والدستوري، وأن تحظى عملية الصياغة والتأليف بمشاركة الجميع، ثم تطرح للاستفتاء العام. فالعمل الجماعي يؤمن الشمولية والكمال، وموافقة الأغلبية توفر له غطاء الشرعية. والتوافق الوطني يضمن للمتفق عليه حماية الشعب، وحراسة جنده. ويعجز الدخيل الخارجي من التسلل من ثغرات الخلاف والتنافس المحلي.
 
تونس الغد التي يحلم بها أهلها، ويشاركهم العرب والعالم أحلامهم، هي تونس القدوة والمثال، تونس الحكمة والجمال، تونس الخضراء بأرضها وقلوب أهلها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم