إعلان

أحداث ليبيا والتوازنات الإقليمية الجديدة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
خليفة حفتر
خليفة حفتر
A+ A-
لا تزال ليبيا تعاني من الفوضى وعدم الاستقرار والانفلات الأمني رغم ما تحقق من إنجازات خلال الفترة الماضية، على رأسها، التوصل بعد عشرية كاملة من الفوضى، إلى تشكيل مجلس رئاسي وحكومة شرعية قامت على التوافقات من جهة، وعلى الثقة التي تحصّلت عليها من البرلمان المنتخب من جهة أخرى. فقد عادت عمليات الاختطاف وانتهاكات حقوق الإنسان لتطفو على السطح من جديد بعد خطف مسؤول حكومي في طرابلس يشغل منصب مدير مكتب النائب الأول لرئيس الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية.
 
وتشهد ليبيا باستمرار اعتقالات وعمليات احتجاز لأشخاص بطريقة غير قانونية، إضافة إلى التعذيب الممنهج الذي لم يتوقف ويمارسه بعض الأطراف التي يعرفها الليبيون حق المعرفة. كما تتواصل الاغتيالات في بلد عمر المختار وعمليات الانتقام التي تطاول المسؤولين والصحافيين ونشطاء المجتمع المدني وغيرهم. وتحصل هذه العمليات من دون علم القضاء والأجهزة الأمنية، ومن المؤكد أن الميليشيات المسلحة التي لم يتم نزع أسلحتها بعد متورطة في هذه الإنتهاكات، وهو ما يجعل نزع هذه الأسلحة في أقرب وقت أمراً حتمياً لا محيد عنه.
 
ويبدو أن ما يحصل من فوضى يجعل فرص الحل النهائي في ليبيا تتضاءل، ويجعل تفاؤل المهتمين والمتدخلين في الشأن الليبي بقرب الانفراج يتراجع، وتعم حالة من اليأس والإحباط بسبب قناعة مفادها أن الطبخة النهائية غير جاهزة بعد. فالأكيد أن التوافقات الحاصلة منذ أشهر برعاية الأمم المتحدة لم ترضِ الجميع وهناك من فرقاء الداخل والخارج من شعر بالضيم ويرغب في تحسين موقعه ونيل قدر أكبر من المنافع من دولة ترقد على ثروات هائلة من النفط والغاز.
 
ويرى البعض أيضاً أن المتغيرات الإقليمية الجديدة الحاصلة قد ألقت بظلالها على الملف الليبي وجعلت البعض في الداخل والخارج ينتابهم شعور بأنهم باتوا أقوى من خصومهم وبالتالي وجب أن تكون لهم مواقع أهم في ليبيا الجديدة، وهو ما يفسر هذه الاضطرابات الأمنية غير المفاجئة للعارفين بالشأن الليبي. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، ومن خلال ما حصل في تونس بدا وكأنها رفعت غطاء الدعم عن حركات "الإخوان" في المنطقة، كما أن هناك تقارباً جديداً حصل بين الجزائر ومصر بعد اتفاقهما على دعم الرئيس التونسي قيس سعيّد، ناهيك بالمصالحة الخليجية، وهو ما يتطلب برأي البعض توافقات جديدة في ليبيا على أساس هذه التوازنات الجديدة.
 
ويبدو أن التمرد الأخير للواء خليفة حفتر على المجلس الرئاسي يدخل في هذا الإطار، حيث كلّف الأخير، عبدالله الثني بالإدارة السياسية للقوات المسلحة، وسمّى قيادات عسكرية أخرى من دون استشارة المجلس الرئاسي الذي يُعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة طبقاً للاتفاقات الموقعة منذ سنة برعاية أممية. ولا يبدو أن هذا المجلس يمتلك القدرة على التصدي لخليفة حفتر رغم دعوته مؤخراً كل الوحدات العسكرية إلى "التقيد بتعليماته في ما يخص الترقيات وتشكيل الوحدات العسكرية وتعيين آمري المناطق العسكرية وغيرها من اختصاصاته". فالجيش الليبي يبدو أن ولاءه لخليفة حفتر ولن يكون على المدى القريب لأحد سواه، وهو ما يفسر هذه الثقة التي يتحدث بها هذا الأخير ويتحدى بها المجلس الرئاسي من دون أن يخشى لومة لائم.
 
ويربط البعض بين قرارات حفتر الأخيرة، وصدامه مع المجلس الرئاسي، وبين الزيارة التي قام بها المبعوث الأميركي إلى ليبيا ريتشارد نورلاند إلى القاهرة للقاء حفتر ومسؤولين مصريين. وبحسب المعلن فإن الهدف من الزيارة هو السعي لإيجاد القاعدة الدستورية والإطار القانوني المطلوب الآن من أجل إجراء الانتخابات في 24 كانون الأول (ديسمبر) المقبل. لكن غير المعلن هو النظر في التسويات الجديدة الممكنة التي تراعي موازين القوى الجديدة في ليبيا والمنطقة والتي يبدو أن من دونها ستزيد الفوضى في بلد عمر المختار وقد لا تحصل هذه الانتخابات المنتظرة.
 
لقد تحولت ليبيا الجديدة إلى ساحة للصراعات والتفاهمات الإقليمية والدولية بعد ما يسمى "الربيع العربي" شأنها شأن ساحات أخرى في المحيط الإقليمي، بعضها قديم وبعضها الآخر نشأ حديثاً. ولا تعرف "الدول الساحات" عادة الهدوء والاستقرار والسكينة، فبمجرد أن يحصل خلاف إقليمي أو دولي تنفجر الأوضاع داخلها، وما أن يحصل تقارب بين قوى إقليمية أو دولية حتى تتغير الخريطة السياسية في هذه البلدان التي تم رهن مصير شعوبها بيد الخارج، وذلك باختلاق أزمات متلاحقة.
 
ويؤكد كثير من العارفين بالشأن الليبي على أن فرضية عدم إجراء الإنتخابات في موعدها يجب أخذها بالاعتبار والاستعداد لكل السيناريوات التي قد تنشأ نتيجة لهذا الفشل الذريع المتوقع والذي باتت بوادره تلوح لكل المراقبين. وبالتالي على الراغبين داخلياً وخارجياً في تحقيق الاستقرار في بلد عمر المختار، سواء الجيران الراغبين في تحقيق الهدوء خشية على أمنهم الداخلي أو غيرهم ممن لهم أطماع في ثروات ليبيا، أن يعملوا بجد خلال الفترة المقبلة لتهدئة الأوضاع والدفع باتجاه إجراء الانتخابات، حتى وإن لم تكن في موعدها فلا يجب أن يتم تجاوز موعدها المقرر بكثير.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم