إعلان

هل تكون قمة بغداد الثلاثية نقطة إنطلاق لاندفاعة عربية جديدة؟

المصدر: النهار العربي
د.ناصر زيدان
القمة الثلاثية في بغداد
القمة الثلاثية في بغداد
A+ A-
القمة العربية الثلاثية التي انعقدت في بغداد بين قادة الأردن ومصر والعراق الأحد في 27 حزيران (يونيو) الماضي لها أبعاد استراتيجية، وتنطوي على أهمية اقتصادية في آنٍ، ذلك أن جَمعَة الدول الثلاث في هذه اللحظة السياسية المهمة من تاريخ المنطقة، يحمل الكثير من المعاني، ويعود بالفائدة الجمَّة على شعوب هذه الدول، خصوصاً على العراق الذي يغرق في ضياع وفوضى لا مثيل لها، كما أن للقمة فائدة على الحالة العربية عامةً.
 
ويترافُق إنعقاد القمة مع تطورات حصلت على الساحة العراقية لكنها لا تُقلل من تأثيراتها، بل على العكس من ذلك، فقد تبيّن أن التحرشات التي تستهدف تطويق الحكومة العراقية وحركة رئيسها مصطفى الكاظمي من خلال إفتعال مشكلة الكهرباء وتوتير الوضع الأمني وزيادة منسوب الإشتباك مع القوات الأميركية، لم يُكتب لها النجاح. فالكاظمي أنهى أجتماع القمة وسافر في اليوم التالي الى محافظة ديالى لترؤس العرض الذي أقامه "الحشد الشعبي" هناك. والهدف من هذا الجهد واضح للعيان، وهو التأكيد على منع الفتنة الداخلية والتذكير بالضوابط القانونية التي تحكُم حركة فصائل "الحشد" المُتفلتة والتي تتقيد بأوامر خارجية، بينما هي جزء من القوات المسلحة العراقية التي تعود قيادتها العليا لرئيس الحكومة.
 
الكاظمي كان قد أعلن في قمة عمان للدول الثلاث في 25 آب (أغسطس) من العام الماضي، أنه سيعمل بكل قوة لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول محور "الشام الجديد" كما سمّاه، لأن في ذلك مصلحة استراتيجية للعراق ولمصر وللأردن، ولكل الدول العربية الأخرى، وقد حان الوقت للتوضيح أن العراق ليس جزءاً من " الهلال الشيعي" الذي يتبع لمحور إيران، كما حان الوقت ايضاً لإزالة العوائق من أمام التعاون العربي في مختلف المجالات، وتجربة الاتحاد الأوروبي، صورة ناجحة عن أهمية التعاضد وفتح الإنسدادات التي لا مبرر لها في الزمن الحاضر.
 
البيان الصادر عن قمة بغداد تحدث عن اتفاقات متعددة حصلت بين البلدان الثلاث، وأبرزها إنشاء خط لنقل النفط العراقي من البصرة جنوب العراق الى ميناء العقبة الأردني القريب من مصر على البحر الأحمر، وتزويد مصر والأردن بالنفط العراقي بتسهيلات وازنة، كذلك مدّ خط لنقل الغاز الطبيعي من مصر الى العراق، وتأهيل خطوط الربط الكهربائي بينهم، إضافة إلى الاتفاق على تطوير الحركة التجارية والإسكانية، وتحفيز التعاون في المجالات الثقافية والعلمية.
 
وإذا كان البيان لم يتطرق الى كل الجوانب السياسية التي تُحيط بالقمة، فإن حضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الى بغداد - وهي الزيارة الأولى لرئيس مصري منذ عام 1990 - أعطى إشارة واضحة للأهمية السياسية والاستراتيجية لتطلعات المُجتمعين، وأهم هذه التطلعات تحصين الساحة العربية في مواجهة التدخلات الخارجية، والتأكيد على قدرة الدول العربية على حماية أمنها القومي، ومنع أي تغييرات جوهرية على الخريطة الجيوسياسية تطمح بإحداثها دول الجوار، خصوصاً إيران وتركيا وإسرائيل، حيث أن حالة الإنكفاء العربي في الماضي القريب كانت بسبب عوامل موقتة، وهي لا يمكن أن تدوم.
 
كان واضحاً الإرتياح الذي بدا على الرئيس العراقي برهم صالح الذي شارك في القمة، وهذا يُشير بوضوح الى أن أقليم كردستان الذي ينتمي اليه صالح؛ يرحب أكثر من أي وقت مضى بالتعاون بين الدول العربية، وقادة الإقليم ليس لديهم أي تحسُّس من الحضور العربي الفاعل في العراق، على عكس من الإنزعاج الذي يبدو منهم تجاه التدخلات التركية والإيرانية. وقوة الموقف العربي الذي أسست له القمة الثلاثية، سيفعل فعله في مواجهة الفوضى التي تعممها الفصائل العسكرية العراقية المُتفلتة، خصوصاً منها التي تعمل على التهريب والترهيب في العراق وسوريا وربما في لبنان ايضاً، وتُطلق الصواريخ على القواعد الأميركية المتواجدة بموجب اتفاق بين الحكومة العراقية والأميركيين حصل في 18 كانون الأول (ديسمبر) عام 2011.
 
التضامن العادي بين المكونات العراقية ضد الضربات الأميركية التي استهدفت مراكز ومصانع عسكرية لفصائل محسوبة على "الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا قرب دير الزور، لا يعني بأي شكل من الأشكال أن غالبية هذه المكونات تؤيد ممارسات هذه الفصائل في أماكن متعددة من العراق، لا سيما أن بعضها تجاوز حدود التكليف الشرعي الذي أضفاه المرجع السيد علي السيستاني على "الحشد" إبان مقاومته لمجموعات "داعش" الإرهابية قبل العام 2017. وبعض فصائل هذا "الحشد" مارس شيئاً من التمرُّد على السلطات الشرعية، خصوصاً بعد إعتقال قاسم صالح قائد عمليات الأنبار في "الحشد" في 25 أيار (مايو) الماضي على خلفية اتهامه بأعمال قتل لناشطين معارضين، قبل أن تطلق هذه السلطات صراحه بعد أيام قليلة. وفصائل أخرى من "الحشد" متهمة بأنها تتلقى تعليماتها من الخارج، وليس من وزارة الدفاع العراقية وفق ما ينص عليه القانون.
 
قمة بغداد الثلاثية تحصين واضح للاندفاعة العربية الجديدة في مواجهة التجاوزات التي تستهدف الأمن القومي العربي في فلسطين وفي العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن وفي ليبيا، على أمل أن يستمرّ تطوير التعاون العربي المشترك ليشمل كل الساحات العربية، ويضع حداً للاستباحة الخارجية التي تستهدف الأمة.
 
أوساط النُخب العربية تتطلع بأمل كبير الى تفعيل العمل المشترك، على شاكلة ثنائية او ثلاثية او جماعية، ذلك أن زمن التراجع الذي أعقب الانتفاضات العربية - او ما سُميَ بـ"الربيع العربي" - استغرق وقتاً أكثر مما يجب، وكانت فاتورة هذا التراجع باهظة جداً على غالبية الدول العربية.
 
*استاذ في العلوم السياسية والقانون الدولي العام
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم