إعلان

"وثيقة ترشيد الجهاد"... الخديعة الكبرى للدكتور فضل

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
مسلحو تنظيمات متطرفة في مصر
مسلحو تنظيمات متطرفة في مصر
A+ A-
منذ 14 سنة تقريباً وتحديداً في كانون الأول (ديسمبر) 2006، بدأ التكفيري السيد إمام الشريف، الشهير بـ"الدكتور فضل"، أو "عبد القادر بن عبدالعزيز"، يخط أول سطور وثيقة "ترشيد الجهاد"، بعد مشاورات جرت بينه وبين الأجهزة الأمنية المصرية في إطار استكمال مشروع المراجعات الفكرية التي بدأها اللواء أحمد رأفت مع الجماعة الإسلامية وتنظيم "الجهاد المصري".
 
الدكتور فضل
 
 
كانت وثيقة "ترشيد الجهاد"، بمثابة إقرار "التوبة" لعناصر تنظيم "الجهاد المصري"، والخروج من السجون، بعد تورطهم في أعمال عنف مسلح، وكذلك لروافده الفكرية والتنظيمية في الداخل والخارج، التي انتشرت في أفغانستان وباكستان والسودان وبعض الدول الأوروبية.
 
رغم تصدر الدكتور فضل للمشهد التنظيري والإفتائي للقضايا الشرعية للتنظيمات التكفيرية، فإنه لم يكن دارساً لعلومها ومشتقاتها اللغوية، أو عارفاً بأبعادها الإنسانية، التي تمكنه من الفتوى وضرورتها ومنافعها المجتمعية، إذ كونه تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1974، متخصصاً في الجراحة العامة.
 
استثمر الدكتور فضل فعاليته الذهنية والتنظيرية للعلوم الشرعية في تسويق العنف والتمرد والتطرف، فضلاً عن قدرته القوية والمؤثرة في توظيف الحجج الشرعية وأدلتها في تأكيد مقاصده الفكرية، التي يضعها دائماً في خدمة دوافعه النفسية ومعاركه مع خصومه من أنصار التيارات الأصولية، لا سيما الذين عانقهم في خضم جماعة "الجهاد"، ودروب الحرب الأفغانية منذ عام 1986.
 
أورد الدكتور فضل تفسيرات وتأويلات للكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفقاً لمعطيات نفسية خاطب بها العقل الجمعي للعناصر المتطرفة، التي شاركت في الحرب الأفغانية والحركة الجهادية المسلحة، سعياً منه إلى اغتنام تلك الحالة في تحقيق مكانته بينهم، مصدراً صورة العالِم الجليل والشيخ الفقيه الذي يأتمر بكلماته الآلاف من المتشددين الذي يبحثون عمن يبرر لهم أفعالهم تحت راية الدين.
 
خدع الدكتور فضل اتباع "حركة الجهاد المصرية" التي لم تجد من ينّظر لها أفكارها ويشرعن لمريديها العنف والإرهاب المسلح، ويصنع من جرائمهم تاريخاً ينسب للإسلام والمسلمين، يتوافق مع أهوائهم وتقبله نفوسهم، بعد اعتماده مرجعاً شرعياً، على غرار الجماعة الإسلامية التي اعتمدت الدكتور عمر عبد الرحمن مرجعاً فقهياً وروحياً لقواعدها.
 
سار الدكتور فضل على درب سيد قطب، ومحمد عبد السلام فرج، في التنظير والتأصيل الفقهي والفكري للتيارات المتأسلمة، من باب المطالعة الثقافية والمعرفية، وليس من قبيل الدراسة المنهجية العلمية الشارحة والضابطة للأمور في نصبها الصحيح والسليم للمفاهيم الشرعية، ويعتبر القاسم المشترك بينهم، قائم على نزعة مبنية على الضعف الشخصي في مقابل النرجسية النفسية التى ترسم في النهاية صورة الزعيم والقائد للجماعات الإرهابية.
 
حاول الدكتور فضل، أن تخرج وثيقته المسماه "بترشيد الجهاد"، في إطار أطروحات تهدم المرتكزات الفكرية التي ترجمت انحراف الجماعات المتطرفة وفهمهم الخاطئ لمفردات الجهاد، مفنداً فيها العديد من القضايا الفقهية والشرعية في شكل عام. لكن لم يتطرق لنقد ما سطره في كتاباته السابقة، مثل كتاب "العمدة في إعداد العدة"، وكتاب "الجامع في طلب العلم الشريف"، التي طرحها حول ضروريات الجهاد المسلح، بانياً أبجدياته الفقهية والفكرية على استراتيجية سياسية عسكرية لشرعنة العنف والإرهاب، تحقيقاً لمشروع الدولة الإسلامية، وفقاً لأسس المواجهة المسلحة المباشرة أو المواجهة مع أعلى قمة في الدولة، وليس التغلغل في القاعدة العريضة من المجتمع، والتي تحولت لمرجع ودستور، ليس للتنظيمات المتطرفة فقط، بل للكثير من الشباب العربي بمختلف مكوناته الاجتماعية. 
 
أحدثت وثيقة "ترشيد الجهاد" التي كتبها الدكتور فضل الكثير من الخلافات والصدامات مع قيادات تنظيم "الجهاد" داخل السجون وخارجها، خصوصاً أنها صدرت من مرجعهم المؤسس للفكر التكفيري والمشرعن للعمل المسلح، ورفيق درب أيمن الظواهري وشريكه في تأسيس أول خلية جهادية في مصر عام 1968، فضلاً عن زمالتهما في طب القاهرة.
 
كان الظواهري، أول المعقبين على "وثيقة ترشيد الجهاد"، من خلال كتاب "التبرئة... رسالة في تبرئة أمة السيف والقلم من منقصة تهمة الخور والضعف"، الذي قدم فيه بحوثاً فقهية ومزاعم فكرية للرد على الدكتور فضل.
 
حالة السجال التي دارت بين الطرفين، ترجمة المغزى الحقيقي لوثيقة "ترشيد الجهاد"، إثر قيام الدكتور فضل، بالرد على الظواهري في وثيقة جديدة حملت هجوماً على شخصيته ونالت من قيادات التنظيمات المتطرفة، تحت عنوان "التعرية لكتاب التبرئة". 
 
حملت وثيقة "ترشيد الجهاد"، مجموعة من الأهداف، رغب الدكتور فضل في تحقيقها من داخل جدران سجن العقرب في القاهرة، أولها، مغازلة الأجهزة الأمنية المصرية، هروباً من جحيم السجون، والتماهي مع فكرة "التقية الشرعية"، واعتماده لما يسمى بـ"فقه التبرير"، الذي استخدمه كثيراً في كتاباته التحريضة، لا سيما أن عقيدته قائمة على تكفير الأجهزة الأمنية والمتعاملين معها.
 
ثانيها، أن الدكتور فضل أراد فعلياً غسل سمعته من الدماء التي سالت في عدد من البقاع العربية والغربية بسب انحرافاته الفكرية وضلالاته الفقهية، التي ربي عليها أجيال كاملة في معسكرات التدريب المسلح، وجلسات التأهيل الفكري، لا سيما بعد استقطابهم للشباب المصري وغيرهم، إلى تلك البقع الجغرافية التي تحولت لمفرخة لإنتاج الإرهابيين والتكفيرين على مدار سنوات طويلة.
 
ثالثها، أن الدكتور فضل، اتجه لتصفية حساباته مع قيادات تنظيم "الجهاد"، وتنظيم "القاعدة"، بعد اشتعال الخلافات الشخصية بينهم، والانتقام منهم عقب طرده من رئاسة التنظيم في أفغانستان في شكل تم إجباره عليها، على مرأى ومسمع من الجميع.
 
لذلك جاءت أطروحات الدكتور فضل تحت مسمى "الترشيد"، وليس النفي القاطع أو الإدانة التامة، طارحاً إرجاء التكفير والعنف لتحيّن الظروف الملائمة وتوفرها، فعلق الجهاد على "الاستطاعة"، والقدرة البدنية والنفسية، وربط العمليات الاستشهادية باستئذان الوالدين.
 
وهل للإرهاب والتطرف ضوابط شرعية تقنن أفعاله وجرائمه تحت عباءة الدين؟ من قبل تنظيمات متطرفة تلاعبت بالمفاهيم والقيم الدينية لخدمة أغراضها التخريبية، تحت شعارات "الجهاد"،"والغزو".
 
فقد خدع الدكتور فضل الجميع، وساق وثيقته بما يرضي غروره الشخصي ويحقق مطامعه ومصالحه ومكاسبه المادية، بعد أن حولها إلى تجارة مربحة تقاضى منها الآلاف من الدولارات، وفرصة للتكسب من القنوات والصحف شريطة نشر سطورها، ولو كانت فعلياً لوجه الله وتكفيراً عما نشره من ضلالات فقهية وفكرية، لما تقاضى عليها مليماً واحداً.
 
في منتصف عام 2011، تمكنت من اختراق سجن العقرب 922 بالقاهرة، "كمغامرة صحافية نظراً لصعوبة الإجراءات الرسمية"، وقضيت به 6 ساعات متصلة، أجريت فيها مجموعة من الحوارات مع عدد من قيادات الجماعة الإسلامية، وتنظيم "الجهاد"، قبيل الإفراج عنهم مباشرة، في مقدمهم محمد الظواهري، شقيق أيمن الظواهري، وأحمد سلامة مبروك، أحد قيادات تنظيم "طلائع الفتح"، الشهير بـ"أبو الفرج المصري"، والذي قتل في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، عقب هروبه من مصر وانضمامه لـ"جبهة النصرة" بتعليمات من ايمن الظواهري رفيق دربه.
 
كما التقيت بمحمد الأسواني، صاحب عملية الهروب الكبير التي وقعت حوادثها عام 1988، ومصطفى حمزة مسؤول الجناح المسلح للجماعة الإسلامية، وعادل الجزار، أحد المتهمين في قضية تنظيم "الوعد" عام 2001، وأول مصر يعائد من سجن غونتانامو، فضلاً عن مجموعة تنظيم "التوحيد والجهاد" المتورطة في تفجيرات دهب وشرم الشيخ عام 2006، الموالية لتنظيم "القاعدة".
 
بحثت عن الدكتور فضل وسط المتواجدين، لكني علمت أنه مقيم في مستشفى سجن العقرب، وأن هناك قطيعة كبيرة بينه وبينهم بسبب إهانته المستمرة والمتعمدة لهم، وأن ما صنعه من مراجعات لم تكن إلا للإنتقام والتشفي فيهم، وتبكيتهم وإحراجهم أمام الرأي العام، وليس من باب تصحيح المفاهيم التي صاغ أبجدياتها الفكرية والمنهجية الأولى، إذ أنه لم يتراجع عنها".
 
الحقيقة التي اكتشفتها بنفسي في وجوه وآراء المجموعة المحسوبة على تنظيم "الجهاد"، أنهم لم يتراجعوا نهائياً عن التكفير أو العنف وشرعنته، فضلاً عن رفضهم للأطروحات التي صاغها الدكتور فضل في وثيقة" ترشيد الجهاد"، بل كفروا أمامي قيادات المجلس العسكري، التي تولت زمام الأمور عقب سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، وطالبوها مراراً بالإفراج عنهم.
 
مرحلة سقوط نظام الرئيس مبارك، ومعه جهاز أمن الدولة بالقاهرة "الأمن الوطني حالياً"، الجهة المعنية والمسؤولة أمام القيادة السياسية المصرية حينها، بمتابعة وتنفيذ مشروع المراجعات الفكرية للتنظيمات المسلحة، كانت بمثابة فرصة لينكشف ما يبطنه الدكتور فضل، وخبائه من ضلالات وانحرافات فكرية وعقائدية، تظاهر بعكسها على الملأ وأمام الجميع عبر وسائل الإعلام. فخرجت المكنونات الفكرية الحقيقية للدكتور فضل، من خلال ما صرح به في حواراته المتعددة في وسائل الإعلام عقب الإفراج عنه خلال فترة حكم "الإخوان المسلمين"، وعبر وثيقته التي كتبها وسطرها تحت مسمى "المتاجرون بالإسلام"، وخرجت مفرداتها متماهية مع ضلالاته الفكرية التي آمن بها من قبل، وكاشفة عن عدائه ومرضه النفسي وخلافاته الشخصية مع مختلف الأطراف، ابتداء من المجتمع والحكام، والأنظمة السياسية والديموقراطية التي وصفها بالوضعية الكفرية، إضافة لخصومه من جماعات وتيارات الإسلام الراديكالية التي بادلها العداء والكراهية، وتنفي في مجملها تراجعه الكامل عن معتقداته التكفيرية. فضلاً عن إعادته لنشر وثيقته التي خطها بيده قبل أيام قليلة من القبض عليه في اليمن، وترحيله إلى القاهرة عام 2004، تحت مسمى"الإرهاب من الإسلام ومن أنكر ذلك فقد كفر"، مدافعاً فيها عن تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) وفاعليها، ومعتبراً أن الإرهاب واجب شرعي، وقد حذرت دار الإفتاء المصرية من تداولها، باعتبارها تحمل عدداً من المغالطات الشرعية.
 
أفتى الدكتور فضل، خلال الحوارات الصحافية التي أجرها عقب خروجه من السجن، بتكفير الأحزاب السياسية، وحرمة الكيانات البرلمانية، لكونها تضع قوانين وتشريعات وضعية تخالف مضامين التشريعات الإلهية، وأن صياغة الدستور يعتبر كفراً صريحاً، متناسياً أن القوانين المصرية متوافقة تماماً مع الشريعة الإسلامية، إن لم تكن نصاً، فهي متفقة تأويلاً، وفقاً لبحوث العالم الأزهري الشيخ عبد المتعال الصعيدي في كتابه "من أين نبدأ؟".
 
لم يتوقف تطرف الدكتور فضل عند هذا الحد، لكنه زاد بأن التيارات الأصولية و"الإخوان المسلمين" خرجوا عن الملة بتقاعسهم عن تطبيق الشريعة وتحويل مصر لإمارة إسلامية، وأنهم برروا تخاذلهم بحجة "التدرج في التطبيق"، وأن الرئيس مبارك كافر كفراً فاق حد الخروج عن الملة، وأنه رفض الخروج عليه لعدم الاستطاعة فقط، وفقاً لحواره في صحيفة "الوطن" المصرية في آذار (مارس) 2013.
 
ورغم أن عدداً ليس بالقليل من عناصر التنظيمات المتطرفة اتجه إلى معسكرات القتال في سوريا والعراق وليبيا، عقب الإفراج عنهم، فضلاً عن التحفظات على مشروع المراجعات الفكرية، فإن الأجهزة الأمنية المصرية كانت حسنة النية في احتواء تلك العناصر لوقف موجات العنف المسلح، كونها فتحت الباب أمام العديد منهم لبناء حياة جديدة، والخروج من عباءة وسطوة المرجعيات التكفيرية التي خدعتهم لسنوات طويلة، وإقرار بعضهم لمراجعات ذاتية شخصية حول الدين والمجتمع والدولة.
 
*كاتب مصري وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم