إعلان

لا ركوب مجانياً على "الظهر الأميركي" ... حلف "الناتو" والموت الإكلينيكي!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
وزيرا خارجية فرنسا والولايات المتحدة
وزيرا خارجية فرنسا والولايات المتحدة
A+ A-
تحّول استراتيجي وشيك يطل برأسه قد يقلب موازين السياسة الدولية، ويهدم معبدها فوق رؤوس أصحابه. تتأهب القوى الكبرى لرسم معادلة جديدة، مع انتقال مركز الثقل العالمي من المحيط الأطسي إلى الهادئ والهندي... رأس الرمح في هذا التحول هو التغيرات داخل البيت الأطلسي (الناتو)، وعلى وجه التحديد طرفيه الأميركي والأوروبي، كانت ذروة سنامها أزمة الغواصات الأسترالية التي لا تزال مشتعلة، وما صاحبها من غضب فرنسي عارم ومساندة أوروبية، تجاه الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، بما يشي بتصدع في جدران أقدم حلف عسكري في العالم، قد يقود إلى انقلاب في هرم صناعة القرار على رقعة الشطرنج العالمية، وفقاً لأي قراءة للعلاقات بين الفاعلين والجيوبوليتيك. ومع أن الأمر في بدايته، فإن كرة الثلج آخذة في التدحرج إلى حدود غير متوقعة!
 
1.2 تريليون دولار
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانبثاق الحرب الباردة، رعت الولايات المتحدة ولادة حلف "الناتو"، وقيام الاتحاد الأوروبي؛ لكبح الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو، وكلاهما انهار لاحقاً، وبقي "الناتو" وتمدد. تقود أميركا الهيكل العسكري والسياسي للحلف وتحدد مهماته، وبلغت موازنته نحو 1.2 تريليون دولار السنة الحالية، تساهم واشنطن بنحو 811 مليار دولار منها.
 
وقد بذرت ولاية دونالد ترامب الشقاق في علاقات شاطئي الأطلسي، وبمجيء جو بايدن إلى الحكم، بدا أن العلاقات الأميركية - الأوروبية ترمم نفسها وتتخطى تداعيات الحقبة الترامبية، التي خلخلت بنية "الناتو"، لكن الخروج الفوضوي من أفغانستان، وأزمة الطاقة العالمية والضغط الروسي، مع الصعود الصيني ونتائج الانتخابات الألمانية، أعاقت الأمر، لكن الضربة الأكثر شدة، كانت صفقة الغواصات الأسترالية مع الولايات المتحدة وبريطانيا، على حساب فرنسا، والتي مثّلت نقطة تحول مفصلية في علاقات جانبي الأطلسي أفسدت المزاج بين الحلفاء على نحو عاصف، وكشفت عن تشقق جدران "الناتو" وإمكان تفتته، فقد واجهت فرنسا الأمر بغضب وخيبة أمل، ليس فقط من فسخ "صفقة" القرن مع أستراليا، ولكن من الأسلوب الذي عوملت به من قبل الحليف الأميركي وشركائه الأنغلوسكسونيين (أستراليا وبريطانيا).
 
تفاوتت مواقف الدول الأوروبية تجاه ما جرى، لكن معظمها حذر من خطورة الصفقة على مستقبل التحالف الغربي. قال مفوض الاتحاد الأوروبي للأسواق الداخلية، تييري بريتون في مقابلة مع شبكة "سي إن إن": "شيء ما انقطع في علاقاتنا مع الولايات المتحدة... هناك شعور متزايد بالقلق في أوروبا خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهناك نقص في الثقة بين الحلفاء". في حين قالت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، "إنه يجب الإجابة عن الكثير من الأسئلة، عندما يتعلق الأمر بانهيار صفقة الغواصات... عوملت إحدى الدول الأعضاء بطريقة غير مقبولة". وأضافت: "أن الاتحاد الأوروبي سيصعّد لبناء دفاعه... العديد من الدول الأعضاء، لدينا أعضاء في "الناتو"، والحلف هو أقوى تحالف عسكري في العالم، لكن من المهم أن تكون هناك ركيزة أوروبية قوية في "الناتو"، وأن تكون لدى الاتحاد الأوروبي القدرات اللازمة للعمل في شكل مستقل". كما أعرب وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، عن تضامن بلاده مع فرنسا. وبينما اعتبر وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية، كليمان بيون أن "التضامن الأوروبي ودعم فرنسا واضح للغاية بين قادة الاتحاد الأوروبي"، دعا وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان، الأوروبيين للتفكير مليّاً بالتحالفات في المستقبل، مهدداً بأن باريس ستبحث مع الأوروبيين "جميع الخيارات". وسبق لفرنسا الانسحاب من القيادة العسكرية الموحدة للحلف عام 1966، وربما تُكرر ذلك أو قد تنسحب كلياً من "الناتو" وفقاً لتطورات الأحداث وحجم الترضيات الأميركية والتعويضات الأسترالية المطروحة عليها. وفي محاولة للتهدئة، صرح مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان أن بايدن مستعد في شكل حقيقي لدعم قدرات دفاعية أوروبية.
 
صدام الحلفاء
بالطبع لا يعني هذا انهياراً كاملاً للحلف في المستقبل القريب. ليست أوروبا في وضع يسمح لها بالدخول في صدام مع الحليف الأميركي، في ظل التحولات العميقة في الساحة الدولية... كتب موقع "شبيغل أونلاين" في 17 أيلول (سبتمبر) الماضي: "تتنافس الصين والولايات المتحدة على السيادة في المحيطين الهندي والهادئ، تم دفع فرنسا من قبل واشنطن إلى دور ثانوي، فيما تواصل ألمانيا انخداعها بالصين، كل هذا ليس إلا مقدمة لصراعات مستقبلية أكثر خطورة بكثير".
 
تُظهر التحركات الأميركية انزعاجاً من فكرة ابتعاد فرنسا من "الناتو"، ورغبتها العارمة، مع ألمانيا، في تشكيل "جيش أوروبي" للدفاع عن مصالح القارة العجوز، بعيداً من الهيمنة الأميركية. ترى واشنطن أن باريس تبالغ في تقدير وزنها وقدراتها، وهي تعاني اضمحلالاً وتدهوراً وجودياً، ينزع عنها تصوراتها عن نفسها، بوصفها قوة عظمى عالمياً. كذلك ترتسم ملامح الإجهاد فوق جبين الإليزيه مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية وتعاظم نفوذ اليمين المتطرف، وهو يأتي في جانب منه، رد فعل على الشعور بالتراجع والانكسار الفرنسي، لذلك يلجأ ماكرون للمساومة وابتزاز الجميع؛ لوقف مسلسل خسائر بلاده في كل الجبهات. على سبيل المثال التهديد بقطع إمدادات الكهرباء لبريطانيا بواسطة الكابلات البحرية عبر القناة الإنكليزية ... أيضاً نفى ماكرون تخلي بلاده عن مقعدها الدائم في مجلس الأمن مقابل تشكيل جيش أوروبي.
 
ثمة تمزق مرحلي في صفوف "الناتو"؛ على وقع السياسة بمعناها الضيق، معرّفة بوصفها المصلحة الضيقة التي تعرّفها بدورها أنظمة سياسية قليلة الكفاءة بين ضفتي الأطلسي، خصوصاً أن هناك تحولات جيوسياسية عدة حاسمة في تكوين ملامح مستقبل الحلف، وطبيعة العلاقات الأميركية - الأوروبية، أبرزها: صعود الشعبوية وهشاشة الديموقراطية الليبرالية في معاقلها التاريخية، فالخطر يأتي من الداخل، قبل أن يكون خارجياً من الصين أو روسيا أو حتى الإرهاب المتأسلم. كذلك ضعف السياسة الخارجية الأميركية، مع تركيز بايدن على الجبهة الداخلية، وتفضيله الانشغال بالصين على المستوى الاستراتيجي، وتراجع الاهتمام بأوروبا والشرق الأوسط، مثلاً، والرغبة الأميركية في أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون - وغيرهم - تكاليف أو مسؤولية حماية مصالحهم، وفقاً للشعار الترامبي الشهير: "انتهى زمن الركوب المجاني".
 
بحر الظلمات
فإذا وضعنا ذلك إلى جوار تراجع قدرة الأوروبيين على توفير الأمن لأنفسهم بأنفسهم، في ظل أزمات "البريكست" واللاجئين وكورونا والطاقة والإرهاب... بموازاة تعاظم قوة الصين وتمدد نفوذها، عبر مبادرة الطريق والحزام العابرة للقارات، والتحدي الروسي، لاستنتجنا مدى حاجة الاتحاد الأوروبي إلى المظلة الأميركية، ممثلة في "الناتو"، لإنقاذ البنيان الأوروبي الآيل إلى السقوط في الوقت الذي يئن فيه من ثقل قبضة واشنطن وتنكرها للحلفاء والأصدقاء.
 
لا تتوانى القوى الكبرى جميعها عن توسيع حضورها على الرقعة العالمية، في أي فرصة تسنح لها. تعمل الولايات المتحدة بدأب لتطويق الصين، من خلال إقامة شراكات استراتيجية في المحيطين الهادئ والهندي، مع أستراليا واليابان والهند وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها، وهو أمر تتبناه النخب الأميركية والدولة العميقة. كتبت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، مقالاً بهذا الشأن، في مجلة "فورين أفيرز" عام 2010، داعية إلى ضرورة إنشاء حلف للباسيفيك يوازي حلف الناتو. وفي المقابل تحذر بعض الأصوات على جانبي الأطلسي من تفكك عرى "الناتو"، بانحسار المظلة الأميركية عن أوروبا أو إنشاء قوة دفاع أوروبية مستقلة عن الحلف، بعيداً من وضع أوراقها في السلة الأميركية، وهو ما ترحب به روسيا والصين. يؤكد أصحاب هذا الرأي ضرورة قيام الأميركيين والأوروبيين بتسوية خلافاتهم، والنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمحيط الاطلسي والمنطقة الواقعة بين مداري الجدي والسرطان؛ وتمتين الروابط ووسائل الدفاع الجماعي بين دول "الناتو"، والتحرك لردع أي عدائيات؛ بوصفها ضمانة للاستقرار في المناطق المضطربة، في شرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، مشددين على بقاء واشنطن عموداً فقرياً للحلف، منعاً لانتكاسات تلوح في الأفق؛ ومؤكدين أن "أفغانستان" لن تكون آخر حروب أميركا.
 
ومن دون قيام "الناتو" ببذل جهود حازمة لتكييف أولوياته الاستراتيجية وإصلاح بنيته؛ لمجابهة عوامل التحلل الداخلي والتحدي الخارجي، فإن "الحلف" معرض للغرق إلى قاع المحيط الأطلسي "بحر الظلمات" سابقاً!.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم