إعلان

الاغتيال السياسي من الأرشيدوق إلى شينزو آبي ... رصاصات غيّرت العالم!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
يابانيون يضعون الورود في مكان اغتيال شينزو آبي. أ ف ب
يابانيون يضعون الورود في مكان اغتيال شينزو آبي. أ ف ب
A+ A-
جافريلو برينسيب مراهق صربي ضعيف البنية، أسقط بطريقة ما، عدداً من أكبر الأباطرة والملوك في أوروبا. أطلق الرصاص على ولي عهد النمسا، الأرشيدوق فرانز فرديناند في 28 حزيران (يونيو) 1914، في سراييفو عاصمة البوسنة، فأرداه قتيلاً، وأشعل فتيل الحرب العالمية الأولى، بين الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا، وروسيا)، والمحور (ألمانيا والنمسا وبلغاريا، والدولة العثمانية). في نهاية الحرب انهارت إمبراطوريات وذبلت أخرى ... اغتيال الخصوم رفيق درب التاريخ، فالأسبوع الماضي سقط رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي صريعاً برصاصة من متطرف ياباني، وقد وافق البرلمان الياباني أمس على تعديل الدستور، وزيادة مخصصات الجيش. يظل "الرصاص" و"الدم" عنصرين أساسيين في صياغة المشهد السياسي المحلي والدولي يغير الحدود ويبدل خريطة العالم ... طلقة طلقة، ونقطة نقطة!
 
فصول المأساة
دفعت رصاصات جافريلو برينسيب، القوى الأوروبية إلى صراع دموي، أكل الأخضر واليابس، وحصد ملايين الأرواح... سقطت الإمبراطورية العثمانية، والنمسوية والروسية، وأخذت الشمس التي كانت لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية، في الأفول. خرجت ألمانيا مهزومة منكسرة، ما هيأ المناخ لصعود النازية بزعامة هتلر، ومن ثم استعارّ الحرب العالمية الثانية، بكل مآسيها، وضرب اليابان بالقنبلة الذرية، وقيام إسرائيل لترضية يهود أوروبا على حساب الشعوب العربية، حيث ما زالت فصول المأساة تتوالى في الشرق الأوسط. ثم دارت الحرب الكورية، بالتزامن مع الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وما تبعها من صعود حركات الإسلام السياسي وتوظيفها، وصولاً إلى أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وغزو أفغانستان والعراق ... إلخ. رصاصتان أطلقهما جافريلو برينسيب أعادتا تشكيل خرائط ومصائر شعوب العالم ولا تزال توابعهما تتوالى حتى زمننا هذا، إنه "تأثير الفراشة"!.
 
الأمر ليس جديداً، شهد التاريخ الإنساني اغتيالات سياسية هزت المشهد العالمي وأ زالت دولاً من الوجود. السمة المشتركة بينها هي استخدام العنف لإسكات الآخر للأبد، سواء كان يحمل أفكاراً مختلفة، أو يتبنى مصالح مغايرة، جرائم تنبّئ عن توتر اجتماعي وعطب سياسي. إحدى أشهر عمليات الاغتيال في التاريخ حدثت عام 44 قبل الميلاد، كان ضحيتها الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر ... مؤامرة نفذتها مجموعة من حاشيته، بقيادة تلميذه وصديقه بروتوس، ما أضفى على الواقعة صبغة درامية يتردد صداها حتى اليوم.
 
ونشبت "حرب البسوس" لأربعين عاماً، في شبه الجزيرة العربية، خلال العصر الجاهلي، لخلاف بين زعماء قبيلتي جشم وشيبان، حول رعي ناقة في أرض أحدهم، فقتلها، وتوالت فصول الدم. كما تعرض الخلفاء الراشدون عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم للاغتيال، لذرائع مختلفة.
 
وفي شبه القارة الهندية، اغتالت قبائل الجات الهندوسية، الحاكم المغولي عبد النبي خان (ماثورا) عام 1669، فأشعلت فتنة طائفية بين الطرفين، راح ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين والهندوس، لا تكاد تنطفئ حتى تشتعل إلى اليوم، وأفضت إلى قتل المهاتما غاندي أيقونة الهند وبطل استقلالها وداعية السلام العالمي، لأنه دعا لوحدة الهنود، مسلمين وهندوساً، فاغتاله متطرف هندوسي عام 1948، كما اغتيلت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي سنة 1984، على يد متطرف من السيخ، وابنها راجيف غاندي الذي كان أيضاً رئيساً للوزراء 1991.
 
لينكولن وكينيدي
أما الولايات المتحدة، فقد شهدت على مدى تاريخها القصير سلسلة اغتيالات، استهدفت رؤساء ووزراء وزعماء حركة الحقوق المدنية. اغتيل الرئيس السادس عشر لأميركا أبراهام لينكولن عام 1865، وهي أشهر حادثة اغتيال في التاريخ الأميركي. كذلك اغتيل جيمس جافيلد الرئيس العشرون عام 1881، واغتيل أيضاً الرئيس الخامس والعشرون وليام ماكينلي عام 1901. ومن أبرز حوادث القتل اغتيال الرئيس الأميركي جون إف. كينيدى عام 1963، ولا يعرف أحد حتى اليوم من هو العقل المدبر وراء اغتيال كينيدى، هل هي المخابرات الإسرائيلية أم الأميركية أم الكوبية أم المافيا، وذلك برغم مرور أكثر من نصف قرن على عملية الاغتيال. كما طاولت الاغتيالات ناشطي الحقوق المدنية، لا سيما المدافعين عن حقوق السود، مالكوم أكس المتحدث الرئيسي لحركة أمة الإسلام، عام 1965، ومارتن لوثر كينغ 1968.
 
في العصر الحديث، يحظى العالم العربي بنصيب وافر من الاغتيالات؛ نتيجة لخلافات سياسية أو مذهبية أو عرقية. اغتال الجهاز السري (الجناح المسلح) لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر رئيسي وزراء للبلاد. في رد فعل على ذلك أمر الملك فاروق باغتيال المرشد العام الأول للجماعة حسن البنا، ثم حاولت الجماعة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر في الإسكندرية، وبفشل المحاولة تم التنكيل بـ"الإخوان"، ولما جاء الرئيس أنور السادات إلى سدة الحكم بعث الجماعة مرة أخرى، أفرج عن قادتها، وأتاح لها حرية الحركة في المجال العام، فما كان من أتباع الجماعة إلا اغتيال السادات عام 1981، في ذكرى نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973.
 
كذلك جرى اغتيال العاهل السعودي فيصل بن عبدالعزيز عام 1975، والرئيس الجزائري محمد بوضياف عام 1992، ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري سنة 2005، في تفجير استهدف موكبه في بيروت، ما فاقم الانقسامات السياسية في البلاد. وفي 2011، تمت تصفية الرئيس الليبي معمر القذافي، على الهواء، عقب احتجاجات شعبية أطاحت بحكمه. وبعد زمن من القفز على رؤوس الثعابين، شرب الرئيس اليمني على عبدالله صالح من الكأس نفسها عام 2017، بأيدي جماعة"الحوثي.
 
إسكات الخصوم
ولم تسلم إسرائيل من الداء الوبيل، برغم ادعائها الديموقراطية؛ اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1994، على يد متطرف يهودي، بسبب ما اعتبره (سعي رابين للسلام مع العرب)، ما فتح الميدان لهيمنة بنيامين نتنياهو اليميني المتطرف المراوغ على الحكم وانهيار جهود التسوية الإقليمية والدولية. وبالمثل تعرضت بناظير بوتو للاغتيال في 2007، وهي أول امرأة تتولى منصب رئيس وزراء في باكستان، في تفجير نفذه انتحاري عمره 15 عاماً في وضح النهار، وترك اغتيالها فراغاً سياسياً في البلاد.
 
بالطبع هناك جرائم اغتيالات بلا حصر، تطاول سياسيين وعسكريين ورجال أعمال وباحثين وقادة رأي وغيرهم، لأسباب سياسية، بل إن الدول قد تقوم بذلك وتعلن عنه... قتلت الولايات المتحدة، أسامة بن لادن زعيم تنظيم "القاعدة"، مثلما اغتالت قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني من طريق غارة جوية، بينما تستهدف إسرائيل علماء الذرة الإيرانيين، لعرقلة محاولة طهران امتلاك قنبلة نووية. أجهزة المخابرات في العالم قد تقوم بعمليات تصفية، من دون إعلان بالطبع، وقد تنفضح، أو يجري الكشف عنها، لأسباب مختلفة.
 
اغتيال رئيس وزراء اليابان السابق، شينزو آبي، قبل أيام لن يكون الأخير، الاغتيالات السياسية لن تصل إلى مشارف النهاية؛ الاغتيال هنا محاولة لإسكات الخصم أو المناوئ أو حتى الصديق؛ إذا كان منافساً أو مختلفاً أو مغايراً، بتغييبه واستئصاله، وبغض الطرف عن اختلاف المجتمعات، والأنظمة، ديموقراطية أو ديكتاتورية، فإن الاغتيال هو أكثر السلوكيات خسة، فعل دنيء وغدر بالحياة وتدنيس للبراءة، يشمئز منه الضمير الإنساني وتنفر منه الفطرة السليمة، إنه تعبير عن موقف جبان وإخفاء ضعف وتستر على فشل، هروب إلى الأمام وتحميل الغير مسؤولية العجز وتقديم كبش فداء من أجل خلاص جزئي أو انتفاع فئوي غير مشروع. ذلك أن الرأي والموقف لا يمكن تغييبهما أو استئصالهما أو إسكاتهما، حتى عند تصفية مفكر أو صاحب رأي، سواء كان ناشطاً مدنياً أو سياسياً أو رجل دين متنوّراً أو صاحب مشروع فكري واجتماعي أو غيره؛ يمكن مقارعة الحجة بالحجة، الرأي بالرأي، الفكرة بالفكرة، وليس الرصاصة مقابل الكلمة، وكاتم الصوت مقابل الرأي، والمفخخة مقابل الفكرة؛ فذلك دليل عجز وضعف وضيق أفق، ولن يحل الاغتيال السياسي محل ارتفاع الصوت والقناعة بالرأي، وقوة الفكرة. بارود الغدر، لم يكن في أي يوم، رسولاً للسلام والاستقرار؛ والشواهد من حولنا، أكبر من الحصر!.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم