إعلان

تونس... الغرق في مستنقع صندوق النقد الدولي

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
النهضة الإخوانية في الحكم
النهضة الإخوانية في الحكم
A+ A-
تسير الحكومة التونسية الحالية برئاسة هشام المشيشي، والمدعومة من حركة "النهضة الإخوانية"، بالبلاد إلى ما لا يحمد عقباه في كل المجالات من دون استثناء، خصوصاً في المجال الاقتصادي الذي وصلت فيه الأوضاع إلى الحضيض في بلد له من الثروات ما يكفي شعبه محدود العدد بفضل سياسة تحديد النسل التي انتهجتها دولة الإستقلال منذ ستينات القرن العشرين. وإذا كان المشيشي لا يتحمل سوى جزء يسير من وزر الكوارث التي حلت بالبلد، فإن "حركة النهضة" تتحمل نصيب الأسد باعتبارها موجودة في الحكم منذ عشر سنوات بالتمام والكمال.
 
لقد تم رهن تونس إلى صندوق النقد الدولي الذي لا يمنح قروضه إلا بشروط تؤدي في النهاية إلى القطع مع الدولة الاجتماعية التي ترتفع فيها نسبة الطبقة الوسطى من مجموع السكان ويتم فيها الاعتناء بالفئات الفقيرة والمعوزة، وذلك لتشكيل دولة جديدة رأسمالية متوحشة تسحق فيها الطبقات الكادحة من خلال جملة من الإجراءات. ومن بين هذه الإجراءات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، رفع الدعم عن المواد الأساسية والتخفيض في كتلة أجور القطاع العام وهو ما سيؤدي إلى أزمة حادة برأي البعض بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، نصير الطبقات الكادحة والفقيرة والمدافع عن حقوق العمال والموظفين والذي يتمتع بثقل مهم في الحياة السياسية التونسية.
 
ولا يبدو أن الخضراء التي يحكمها "الإخوان" منذ عشر سنوات، وتسببوا بقسط وافر في غرقها في هذا المستنقع، لديها القدرة على رفض إملاءات صندوق النقد الدولي وذلك بالنظر إلى حاجتها الماسة والملحة للسيولة المالية لضخها في الموازنة العامة. فالحكومة مطالبة بتوفير ما يقارب السبع مليارات من الدولارات وهو ليس بالمبلغ الهين الذي يمكن توفيره بالسهولة التي يتصورها البعض خصوصاً مع توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية التي كانت تدر على البلاد مداخيل مهمة على غرار نشاط استخراج الفوسفات وتحويله وتصنيعه وتصديره، وكذلك السياحة وبعض الصناعات المهمة.
 
والحقيقة أن تونس لم تعرف هذه الوضعية المأسوية منذ الإستقلال، فقد كانت قبل الثورة مضرب الأمثال في النجاح الاقتصادي بالنسبة إلى البلدان العربية غير النفطية، والتي خلقت اقتصاداً لا تعتمد فيه على المداخيل المتأتية من المحروقات. وقد شبه البعض هذه المرحلة المأزومة في تاريخ تونس بفترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث كثر اللصوص في الخضراء في محيط الملك محمد الصادق من أمثال مصطفى خزندار ومصطفى بن إسماعيل ومحمود بن عياد وغيرهم، وتسبب نهمهم في إفلاس حزينة البلاد وهو ما مهد لقدوم الاستعمار بحجة استرجاع فرنسا لديونها المتراكمة في ذمة الدولة التونسية التي اضطرت إلى الاستدانة من باريس للتغطية على النهب والنهابين.
 
كما شبه البعض هذه الفترة بتلك المرحلة العصيبة في حقب ما قبل ميلاد المسيح والتي سبقت سقوط قرطاج إثر هزيمتها أمام روما في معركة زاما في الحرب البونيقية الثالثة والتي تصدى فيها تيار فاسد شبّهه البعض بـ"حركة النهضة" لإصلاحات القائد هنيبعل الذي انتخب سبطاً (رئيس حكومة). وأدت سيطرة هذه الطبقة الفاسدة إلى عجز قرطاج عن سداد ديونها وإلى انهيارها وحرقها بعد قرون من المجد والهيمنة على حوض البحر الأبيض المتوسط.
 
وذهب البعض اليوم إلى حد المقارنة بين عصر الاستبداد مع زين العابدين بن علي وعصر الديموقراطية الوهمية مع "الإخوان" وخلص هؤلاء إلى أن عصر بن علي كان أفضل بكثير اقتصادياً واجتماعياً. فقد كانت نسبة الطبقة الوسطى مرتفعة وتمكنت تونس لقرابة العقدين من القطع في التعامل مع صندوق النقد الدولي وكانت تسدد قروضها للأطراف المانحة الأخرى، على غرار الاتحاد الأوروبي والبنك الأفريقي للتنمية، قبل حلول الآجال، ناهيك بأن الترقيم السيادي كان محترماً ويمكّن البلاد من الإقتراض متى شاءت من دون الحاجة إلى كفيل كما هو حاصل اليوم. كما أن الدينار التونسي كان مضرب الأمثال، وسعر صرفه كان مرتفعاً ويؤشر إلى ارتفاع الصادرات وقلة الواردات وعلى توفر إحتياطي مهم من العملة الصعبة في البلاد.
 
كما أن نسب الفقر والبطالة كانت في العهد السابق أقل بكثير مما هي عليه اليوم، ورغم ذلك انقلبت فئة من الشعب التونسي على الرئيس الراحل ورفضت حتى أن يوارى الثرى في مسقط رأسه واضطر أهله وذووه إلى دفنه في البقيع بأرض الحرمين. فهل سيلقى حكام اليوم مصيراً أسوأ من مصير بن علي باعتبار الأوضاع الكارثية التي حلت بالبلد وفاقت من حيث السوء ما كان سائداً في عهد الأخير؟ أم أن تدثر هؤلاء بعباءة الدين من دون الإلتزام بتعاليمه سيشفع لهم لدى جمهور البسطاء والعامة ومن يخدرهم الخطاب الديني ويذهب عقولهم؟
 
يرى البعض أن الثورة على رافعي الشعارات الدينية في المجتمعات العاطفية الشرقية على غرار المجتمع التونسي أمر صعب التحقق حتى وإن كان رافعو هذه الشعارات لا يلتزمون بها ويستغلونها فقط للوصول إلى الحكم والسيطرة على عقول بسطاء القوم على غرار الحركات "الإخوانية" التي عرفت من أين تؤكل الكتف. وحتى إزاحة هؤلاء بصناديق الاقتراع هو أمر مستحيل باعتبار الدعم المالي الخارجي الكبير الذي يحصلون عليه ويشترون به أصوات الناخبين ممن يشتكون الفقر والفاقة، فتصبح العملية الانتخابية برمتها مزورة نتيجة لهذا المال الذي يغلب كفة طرف على طرف.
 
وفيما البلد يسير إلى حتفه وينهار، ما على "حركة النهضة" إلا أن تتحلى بالشجاعة وتعترف بأخطائها وفشلها في تسيير البلاد طيلة العشرية الماضية وتقبل بتغيير النظامين السياسي والانتخابي وكذلك المنوال الاقتصادي وتحتكم إلى قواعد اللعبة الانتخابية قاطعة مع الغش والتزوير الذي تجنح إليه الآن من خلال توظيف المال السياسي الخارجي. وما لم يحصل ذلك فإن تونس مقبلة على سنوات عجاف على غرار تلك التي عرفها السودان تحت حكم "الإخوان" وأدت بالبلاد للإنشطار إلى نصفين.
الكلمات الدالة