إعلان

تقارب سعودي - إيراني محتمل... ما هي مكاسب الشّرق الأوسط إذا تحقق؟

المصدر: النهار العربي-فاطمة الغول
بقايا صاروخ حوثي ايراني اسقط فوق السعودية
بقايا صاروخ حوثي ايراني اسقط فوق السعودية
A+ A-
شهدت الأجندة الأميركية للشرق الأوسط تغيراً ملحوظاً مع وصول الرئيس الديموقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، وتركيزه مع إدارته على الصين وروسيا كتهديدين أساسيين للولايات المتحدة، فيما تراجع أعداء أميركا التقليديون في العقدين الأخيرين من إيران والتنظيمات الإرهابية إلى المرتبة الثانية على لائحة المخاطر. تزامن ذلك مع الحملات التي اعتادت تركيا القيام بها في محاولة لتعويم الإخوان المسلمين في المنطقة، ما أدى إلى اعتبار العديد من التقارير الإعلامية والاستخبارية تركيا تهديداً مباشراً للدول التي شهدت "الربيع العربي" أو الواقعة على حدودها مباشرةً.
 
هذه الأسباب وغيرها دفعت السعودية إلى تغيير نهجها، بما يناسب خطة الحضور الأميركي الجديدة، وصعود قوى "تهديد" جديدة، لتكون سياسة المملكة أكثر ديناميكية وسرعة. فالرياض التي تلقّت دعماً واسعاً من واشنطن أثناء وجود ترامب، عندما كانت مصالحها متوافقة بدقة مع حملة "الضغط الأقصى" الأميركية بهدف نيل التنازلات من إيران، تراجعت ثقتها بحليفها التقليدي في عهد بايدن الذي رفع العقوبات عن الحوثيين كمؤشر الى تصميمه على المضي مع إيران في الاتفاق النووي.
 
لكن من ترامب إلى بايدن ما الذي حصل بين طهران والرياض؟
 
جذور الخلافات
طغى التوتر كأبرز سمة للعلاقة السعودية - الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 ورفعها شعار "تصدير الثورة". ومنذ ذلك الحين، باتت المنافسة الإقليمية والاختلافات الأيديولوجية والصراعات بالوكالة بين الطرفين، الأصل في العلاقة الثنائية، فيما غدت فترات "السّلم والهدنة" بمثابة استثناءات. فقد دعمت المملكة صدام حسين في حربه ضد إيران عام 1980، ثم كان الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي كانت أولى نتائجه تمدد النفوذ الإيراني في العراق من جهة، وانفجار "الصراع الطائفي" في العراق والمنطقة، وبالتالي العودة بالرياض وطهران إلى حقبة المنافسة والحروب بالوكالة، من جهة أخرى. وهكذا وجدت القوتان الإقليميتان نفسيهما على طرفي نقيض، في لبنان وسوريا واليمن، لتنهار العلاقات الثنائية الهشة بالكامل بعد اقتحام محتجين إيرانيين سفارة الرياض في طهران عام 2016، رداً على إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر.

بداية جديدة
في خضم التقارير والتوقعات بانفجار المنطقة وانجرار الرياض وطهران مع حلفاء كل منهما إلى حرب أهلية، ظهر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تصريح غير اعتيادي، واصفاً إيران بـ"دولة جارة، تطمح المملكة لأن تكون لديها علاقات معها، بما يخدم مصالح البلدين، ولا نريد لإيران وضعاً صعباً، بالعكس، نتمنى لها النمو والازدهار".
 
نبرة محمد بن سلمان الدبلوماسية كانت مختلفة اختلافاً ملحوظاً عما سبق، وهو ما أشار إليه المحلل السعودي شاهر النهري في تصريح الى "النهار العربي"، قائلاً إن "تصريحات ولي العهد السعودي تعطي جانباً آخر للدبلوماسية السعودية التي لا ترفض تغيير نهجها ما دام يصبّ في مصلحة المملكة وكذلك العالم العربي".
 
ولخّص النهري النهج السعودي "الجديد" بالقول إن "الولايات المتحدة في عهد الرئيس بايدن تتراخى في بعض المناطق، وتقلل اهتمامها بأخرى، لذلك كان لا بد للمملكة من أن تتحرك بدبلوماسية، وأن تزاول سياستها محاولة حل مشكلاتها ذاتياً".

مصالح مشتركة
من الممكن أن يكون مشروع ولي العهد السعودي 2030 الذي يتضمن رؤية مستقبلية للنهوض بالمملكة، والذي يتطلب القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية شاملة، وتصفير المشكلات الخارجية للسعودية، أحد أهم الدوافع وراء المصالحة الخليجية (مع قطر)، والدعوات السعودية للحوثيين إلى طاولة المفاوضات، والتوجه نحو سوريا في ظل تسريبات إعلامية عن نية الرياض إعادة افتتاح سفارتها في دمشق، والجلوس مع إيران الى طاولة الحوار. فالرياض بحاجة إلى ضمان عدم استهداف إيران للمملكة (سواء عن طريق إثارة الشيعة في المنطقة أم إطلاق الصواريخ عبر قواتها في العراق واليمن)، لتحقيق مشروع 2030، ما يجعل المصالحة أو "الهدنة" حاجة سياسية واقتصادية.
 
ويرى السياسي الإيراني أمير الموسوي، في تصريح الى "النهار العربي"، أن "هذا التقارب يمكن أن يقوّض المساعي الإسرائيلية في المنطقة، ويحد من الوجود العسكري الأجنبي، ويفتح باباً جديداً للتفاهم بين الشعوب وحكومات المنطقة"، مضيفاً أن "التفاهم مهم، لأنه في الحقيقة نحن في منطقة واحدة، ولا يمكن إزالة دولة برغبة أخرى، يعني لا يمكن لإيران أن تزيل السعودية أو العكس، والأجانب لا بد من أن يرحلوا. بالنتيجة هم غرباء، مصلحتهم أن يبقوا في المنطقة لإثارة الفتنة بين الأشقاء والجيران حتى يستغلوا هذا الظرف ويستنزفوا ثروات المنطقة، وبخاصة أن الدول الخليجية غنية ولديها أموال كثيرة، لذا من مصلحة الرياض وطهران أن تتفاهما وتحافظا على ثرواتهما وإمكاناتهما وسيادتهما". وهو ما أكده تركي بن سعود الحزيم، لـ"النهار العربي" بقوله إن "المصلحة مشتركة في هذه المفاوضات، والمملكة تعتبر إيران دولة جارة، وترحّب بأي تقارب يعود بالمصلحة لشعبها والمنطقة".

دور العراق
ويسعى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى تحويل العراق من ساحة للصراع إلى طاولة جامعة بين الخصمين، معتمداً على علاقاته الجيدة بإيران وبولي العهد السعودي. هذه العلاقة سهّلت من مهمة الكاظمي الطامح إلى تحويل العراق جسراً بين إيران ودول المنطقة، وسط تردد أنباء عن محاولاته بناء قنوات حوار بين طهران والقاهرة، وبين طهران وعَمّان.
 
ورأى النهري  أن "العراق دولة جارة للمملكة، وهي تحاول أن تفتح مع السعودية أبواباً اقتصادية وتعاونية ودبلوماسية، لذا فهي تحاول القيام بهذا الدور والتهدئة".

مكاسب المنطقة من مصالحة الخصمين
تبدو اليوم الاستراتيجية الأميركية قائمة على الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي العسكري، وهو ما تبلور في الانسحابات التي بدأت مع حقبة بايدن، فبعد أفغانستان تُركز واشنطن اليوم على الانسحاب الكامل من العراق، برغم تمسكها بوجودها في سوريا مقابل الحضور الروسي القوي فيها.
 
وعلى عكس التوقعات، لم تؤد الانسحابات العسكرية الوشيكة من المنطقة، إلى انفجار الفوضى، بل يبدو أنها مهّدت لاندلاع دبلوماسية إقليمية قائمة على أساس المفاوضات التي قد تعود بالفائدة على الإقليم، في ظل سعي جميع اللاعبين الفاعلين إلى إصلاح العلاقات المتوترة والبدء من جديد في ضوء توازن القوى القادم. وظهر ذلك جلياً بانفتاحات تركيا الجديدة على خصوم لها، وتوجه السعودية وحلفائها في المنطقة نحو قطر، إضافة لتصريحات المملكة الأخيرة حول طهران والتسريبات الإعلامية الخاصة بالعلاقات السورية - السعودية.
 
وفي هذا السياق، أكد الموسوي أنه "إذا حصل تفاهم بين إيران والسعودية فسيؤدي إلى إنهاء الحرب بالوكالة، والحكومة اللبنانية سوف تتشكّل، لأن المشكلة الأساسية في تشكيل الحكومة تكمن في عناد التحالفات السياسية، بحيث يمكن للسعودية وإيران أن تساعدا اللبنانيين في تشكيل الحكومة وترتيب الوضع الاقتصادي، والصراع في اليمن من الوارد جداً أن ينتهي، وكذلك يستتب الوضع  في العراق، ولاحظنا الزيارات بين الرياض ودمشق، والتي من الممكن أن تفشل قانون قيصر في حال التفاهم، وموضوع إعادة الإعمار في سوريا سيكون للمملكة دور كبير فيه، وبالتالي ستهدأ المنطقة كلياً".
 
ولفت النهري إلى أن "التقارب إذا حدث سيؤثر في الملف اليمني تأثيراً أساسياً، المتمثل بمضايقة السعودية واستهدافها بالصواريخ، فإن أول شروطه وقف الضربات اليمنية على السعودية، والبدء في حوار بين الأطراف اليمنية لإنهاء الخلاف".
 
تزامن اللقاء السعودي - الإيراني في العراق مع اجتماعات فيينا حول الاتفاق النووي، يشير إلى حتمية ارتباط المصالحة بنتائج مفاوضات الملف النووي. لكن إلى الآن لم تظهر أي إشارات الى وجود تفاهم بين المملكة العربية السعودية وإيران، وقد يستهلك ذلك وقتاً طويلاً، إلا أن صدى التهدئة في حال حصوله سيُسمع مباشرة في كل ميادين الصراع بالوكالة، بدءاً من اليمن وصولاً إلى سوريا.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم