إعلان

التونسيون بين أزمة كوفيد-19 والسخط على الحكومة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
كورونا في تونس
كورونا في تونس
A+ A-
تتعرض الطبقة السياسية في تونس لانتقادات واسعة، ليس بسبب النظام السياسي الرديء الذي أنتجته طوال عشر سنوات من "البناء الديموقراطي"، وليس بفعل الاقتصاد المتدهور نتيجة للخيارات الخاطئة طيلة العشرية الماضية، وليس احتجاجاً على الأوضاع الاجتماعية المتردية، بل هي سخط من الاستهتار بالمكتسبات الصحية التي تحققت منذ أشهر ولم تنجح الحكومة في المحافظة عليها. فقد تمكنت تونس، وخلافاً لجيرانها، من النجاح في عدم تسجيل أية إصابة كورونا لفترة طويلة، وذلك بداية من شهر أيار (مايو) من السنة المنقضية بفضل الكفاءات الطبية التونسية والخطط الإستباقية التي تم وضعها لمواجهة هذا الفيروس من قبل المشرفين على القطاع الصحي.
 
وتم تصنيف تونس في تلك الفترة من بداية الصيف كوجهة سياحية مفضلة من قبل المنظمة العالمية للسياحة، وبدأ البعض يتحدث عن عزمه على قضاء عطلة الصيف في ربوع الخضراء باعتبارها وجهة صحية آمنة وذلك على غرار وزير الداخلية الألماني الذي عبّر في أحد تصريحاته الذي توجه به إلى شعبه بما معناه أنه إذا سارت الأمور على ما يرام في ألمانيا، فإن الألمان سيتمكنون من قضاء عطلة الصيف في تونس. وتم رفع الحجر الصحي وفُتحت الحدود على مصراعيها للراغبين في ولوج البلد خلال فصل الصيف مع إعفاء القادمين من بعض الدول الأوروبية، بمن فيهم المهاجرون التونسيون في الخارج، من الاختبار الذي يفيد عدم إصابتهم بكوفيد-19.
 
التسيب خلال فصل الصيف، والقرارات المتسرعة التي اتخذتها حكومة إلياس الفخفاخ، والمجاملة لبعص البلدان الأوروبية على غرار فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، تسببت في عودة الفيروس خلال فصل الخريف بسرعة انتشار رهيبة فاقمتها حالات وافدة من الخارج. وذهبت النجاحات التي تحققت بفعل الجيش الأبيض من الأطباء والممرضين والمنتمين عموماً إلى قطاع الصحة، أدراج الرياح وعاد السياح الأجانب ومواطنو تونس المقيمون في الخارج إلى بلدان إقامتهم تاركين البلد يتخبط من جديد في أزمته الصحية ويسعى للخروج من المأزق الذي وضعته فيه "حكومته العتيدة".
 
وإذا كانت حكومة إلياس الفخفاخ قد استجابت لضغوط بارونات السياحة وفتحت الحدود من دون اشتراط اختبار الكوفيد على القادمين، فإن حكومة هشام المشيشي التي خلفتها في القصبة عجزت تماماً عن اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون انتشار المرض. بل أن هذه الحكومة المدعومة من حزام سياسي أهم مكوناته "حركة النهضة الإخوانية" عاجزة اليوم عن توفير اللقاح للتونسيين وتكتفي بالدعوة إلى تطبيق البروتوكول الصحي المعهود، أي ارتداء الكمامات والتعقيم والتباعد الجسدي مع حظر التجول ليلاً.
 
حكام تونس الجدد أعجز من أن يوفروا لقاح كورونا لشعبهم في الموعد المحدد بسبب ضعف علاقاتهم الخارجية وعدم قدرتهم على نسج شبكات فاعلة في شتى المجالات طيلة عشر سنوات من استحواذهم على السلطة بعد انهيار نظام بن علي. فلوبيات "الحركة الإخوانية" التونسية في الخارج تقتصر على ما يبدو على أهل الدسائس والمؤامرات والمحاور المتصارعة لا غير، فيما رئيس الجمهورية قيس سعيد يراه البعض سلبياً إلى أبعد الحدود، قابعاً باستمرر في قصر قرطاج، قليل الحركة خارجياً، وينتقد الأوضاع القائمة كأنه مواطن بسيط وذلك من خلال الحديث عن أشباح وأطراف لا يسميها تتآمر على أمن البلد واستقراره.
 
وفي انتظار وصول اللقاح يبدو أن الحل لكسر حلقة العدوى في الوقت الراهن هو العودة إلى الحجر الصحي الشامل، وفرضه بالقوة إن لزم الأمر، باعتبار أن عموم التونسيين غير مبالين بخطورة الوضع الوبائي ولا يلتزمون بالبروتوكولات الصحية ويعيشون يومياتهم في شكل طبيعي. فمن يزور الخضراء هذه الأيام يتفاجأ بنسق الحياة الطبيعي ويعتقد للوهلة الأولى أنه في عالم ما قبل الكورونا حيث التجمعات في الأماكن العامة، خصوصاً المقاهي والمطاعم، وحيث الإزدحام في وسائل النقل العمومية، وحيث تتم المطالبة حتى بعودة الجماهير الرياضية إلى مدرجات الملاعب في كرة القدم وفي غيرها من الرياضات.
 
فعموم التونسيين رافضون اليوم للعودة إلى الحجر الصحي الشامل ويعبرون على أكثر من منبر عن عدم استعدادهم لذلك بعد تجربة مريرة سابقة توقف فيها الزمن تماماً لشعب يعشق الحياة وعاش منذ الأزل منفتحاً ويتفاعل على محيطه العربي والأفريقي والمتوسطي. كانت ثلاثة أشهر عصيبة امتدت من بداية شهر آذار (مارس) وامتدت إلى نهاية شهر أيار (مايو) من العام الماضي، أجبرت فيها الحكومة المواطنين على ملازمة بيوتهم وتسببت لهم في مضار صحية ونفسية لكنها حققت المبتغى وهو القضاء على الفيروس والوصول إلى الصفر حالة.
 
ولعل أهم الأسباب التي تجعل التونسيين يرفضون اليوم العودة إلى الحجر الصحي الشامل هو عدم الثقة في الحكومة التي يرى كثيرون أنها غررت بهم بعد أن قدمت لهم جملة من الوعود والإغراءات مقابل التزامهم الحجر الصحي الشامل، لكن هذه الوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ وهو ما أضر بهم اقتصادياً واجتماعياً. ومن هذه الوعود إيقاف اقتطاع القروض المصرفية وتقديم منح مالية لمستحقيها من العاملين في القطاع الخاص ودعم المؤسسات الاقتصادية الخاصة حتى تصمد بسبب توقف الإنتاج.
 
وفي هذا الإطار يتساءل كثير من التونسيين أين ذهبت تلك الأموال الطائلة جداً والتي تقدر بربع ميزانية البلاد والتي تلقتها الحكومة التونسية في شكل منح وهبات للصمود في محاربة كورونا من قبل بعض الجهات وفي مقدمها الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول لتونس، الذي يسعى لإنقاذ شركائه؟ فالحكومة لم تفِ بوعودها مالياً بإزاء المواطنين ولا هي دعمت الميزانية بتلك الأموال التي تقدر بمليارات الدولارات للتخفيف من العجز الذي كانت تعاني منه.
 
يجد التونسيون اليوم كورونا أرحم عليهم بكثير من حكومة بلادهم ومن الحجر الصحي في ظلها وفي ظل العجزة من السياسيين الذين يسندونها، وتعلم هذه الحكومة بدورها أنه لا يمكنها إجبار شعبها على العودة مجدداً إلى الحجر الصحي وتدرك أنها مهما فعلت لن ينصاع الناس إلى أوامرها بالنظر إلى غياب الثقة وإلى حالة السخط التي يشعرون بها تجاهها وضد الحكومة التي سبقتها، وذلك بسبب العجر عن توفير مستلزمات الحجر الصحي من جهة واللقاح من جهة أخرى.
 
الكلمات الدالة