إعلان

رئيسي يمهّد الطريق للدولة الخامنئية... خامنئي على خطى معاوية؟

المصدر: عارف سلیمی وسعید ریزوندی - النهار العربي*
خامنئي ورئيسي
خامنئي ورئيسي
A+ A-
يُعتبر مؤسس الدولة الأموية، معاوية، شخصية مكروهة جداً عند الشيعة عموماً والإثني عشرية منهم خصوصاً، وبالنسبة إليهم أي وجه شبه بينه وبين الشيعة أو علمائهم إهانة كبيرة لهم.
 
تم إعلان إبراهيم رئيسي المفضل لدى خامنئي، كما كان متوقعاً، رئيساً للجمهورية في إيران في انتخابات باهتة بأقل نسبة مشاركة منذ تأسيس النظام وبذلك أُلبس رداء "الصدارة العظمى" المشؤوم، مقامٌ قلما نجا منه أحد سالماً غانماً في التاريخ الإيراني منذ ألف عام على الأقل من دون أن تصيبه لعنة هذا المقام سواء أكان الشخص الثاني في الحكم ويسمى "الصدر الأعظم" أو "رئيس الوزراء" أو "رئيس الجمهورية". ومن أشهرهم حسن مكالي المعروف باسم حسنك الوزير الذي أُعدم شنقاً في العهد الغزنوي وميرزا محمد تقي خان فراهاني الملقب بـ"الأمير الكبير" رئيس الوزراء في عهد الملك ناصر الدين القاجاري ومحمد مصدّق وأمير عباس هويدا من رؤساء الوزراء في العهد البهلوي ومير حسين موسوي رئيس الوزراء طيلة حكم الخميني، وهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وأحمدي نجاد وحسن روحاني وهم رؤساء الجمهورية في عهد خامنئي.
 
يُعتبر علي خامنئي من إستثناءات معدودة على الأصابع لهذه القاعدة في التاريخ الإيراني فهو نجح في الوصول إلى سدة الحكم من بوابة الصدارة العظمى المشؤومة دائماً في إيران رغم أنه أيضاً - طوال فترته الرئاسية - تعرض لانتقادات ومضايقات شتى حيث ضاقت به الأمور أحياناً، ودفعت به إلى أن يلجأ إلى سطح المبنى الرئاسي ليبكي خائباً يائساً بشهادة هاشمي رفسنجاني.
 
واليوم بعد تولي إبراهيم رئيسي التلميذ المدلل الخاضع المنصت لخامنئي منصب رئاسة الجمهورية بفضل دعم الأخير له، يُطرح السؤال نفسه هل سوف يكون مصيره كمصير أسلافه من الرؤساء أو رؤساء الوزراء والصدور العظام السابقين أو أنه من المقرر - كما يتكهن البعض - أن يكون إستثناءً آخر كخامنئي الذي سيعلّمه سحر الوصول إلى كرسي الولاية المطلقة للفقيه عبر سلم رئاسة الجمهورية؟ وهل ينوي خامنئي فعلاً تمهيد الطريق لرئيسي خلفاً له أو لديه مخطط آخر؟
 
إبراهيم رئيسي: أبو موسى الأشعري في رداء عمرو بن العاص؟
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية حتى توليه الرئاسة مؤخراً، كان إبراهيم رئيسي دائماً يشغر منصباً في السلطة القضائية الإيرانية. فقد تسلّق سلم التقدم الوظيفي تدريجياً حتى وصل إلى رأس السلطة القضائية. إن المعارضة الإيرانية والأكثرية الساحقة من الإصلاحيين يرونه من أسوأ قضاة الجمهورية الإسلامية سمعة وأحد القضاة الأربعة في ما أطلق عليه "لجنة الموت"، التي كانت تقرر مصير الآلاف من معتقلي المعارضة بعد أن تم تأسيسها بأمر مباشر من الخميني الذي كان يهدف إلى القضاء على السجناء السياسيين بعيد إنتهاء الحرب الإيرانية - العراقية. فقد تورط رئيسي من خلال هذه اللجنة في مقتل الآلاف من هؤلاء المعارضين ودفنهم في مقابر جماعية في ما وصف "بأبشع جريمة ممنهجة في تاريخ الجمهورية الإسلامية" بحسب حسين علي منتظري نائب الخميني آنذاك الذي تم عزله لاحقاً لأسباب سياسية منها احتجاجه على هذه الإعدامات المروعة.
 
ولد رئيسي في مشهد، مسقط رأس خامنئي وتتلمذ على يده في الفقه والأصول وتقرب إليه أكثر بعد وصول خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى. لم يحظَ رئيسي بدراسات أكاديمية عالية إنما أكمل دراسته الإبتدائية فقط ثم التحق بالحوزة العلمية بمدينة مشهد. وعندما تولّى منصبه الأول في السلك القضائي لم يتجاوز العشرينات من عمره ما يعني أنه لم يكمل دراساته الحوزوية أيضاً.
 
أستاذه الأكبر في أبحاث الفقه والخارج أي خامنئي، صدقيته العلمية أيضاً مشكوك فيها أصلاً من قبل أساتذة الحوزات العلمية الشيعية المستقلين في إيران وخارج البلاد.
 
إن رئيسي ومجموعة ضيقة في السلطات القضائية منهم غلام حسين محسني إيجئي - الذي عين رئيساً للسلطة مؤخراً خلفاً لرئيسي - من الذين يثق بهم ولي الفقيه وثوقاً مطلقاً، ولذلك أحيلت إليهم معظم ملفات فساد المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى للتقصي فيها طوال العقود الثلاثة الأخيرة ... ملفات يمكن النظر إليها في إطار الصراعات الداخلية بين الأجنحة المختلفة داخل النظام وتصفية حسابات سياسية في ما بينها وترسيخ دعائم حكم خامنئي المطلق.
 
عندما أطلق رئيسي حملاته الانتخابية قبل أربعة أعوام كمرشح رئيسي للمعسکر الأصولي الموالي لخامنئي بدأ يؤسس له موطئ قدم في الأوساط والتيارات السياسية داخل النظام ما زاد من التكهنات حول إمكان تسلمه مقاليد الحكم في البلد كمرشح محتمل لديه حظ كبير بعد وفاة خامنئي.
 
هل جاء إبراهيم رئيسي ليصبح المرشد الأعلى المقبل على خطى خامنئي الذي تولى منصب الرئاسة قبل أن يصل إلى عرش ولاية الفقيه أو أن مصيره المحتوم سيكون كمصير أسلافه من الرؤساء السابقين؟ أو ربما لا هذا و لا ذاك؟ قد تكون مهمته و محسني إيجئي مجرد إعداد وتمهيد الطريق لحكم وراثي وتأسيس"الدولة الخامنئية"؟.
 
بعكس كل التوقعات و التحليلات، فإن رئيسي ليس لديه حظوظ كبيرة ليصبح خليفة خامنئي. فإضافةً إلى ثقافته البسيطة وقدراته الخطابية المتواضعة، هناك دليلان مهمان للغاية يمنعاه من أن يكون خياراً ملائماً لتسلم عرش ولاية الفقيه المطلقة حتى بين الجناح الأصولي المحسوب على خامنئي وهما: أولاً، سمعته السيئة جداً بسبب ماضيه الأسود في السلطة القضائية ما يعرقل مسيرته نحو توليه منصباً يعتبر مقدساً لا يمكن المساس به لدى معظم التيارات والأجنحة السياسية داخل النظام بينما كانت وجهت له انتقادات لاذعة مراراً وتكراراً بسبب أدائه السيّئ في السلك القضائي وتاريخه الدموي، من قبل الإصلاحيين وأحياناً المحافظين على حد سواء.
 
أما السبب الثاني والأهم، فهو أن منصب المرشد الأعلى في النظام الإيراني يتمتع بصلاحيات واسعة لا يمكن مقارنتها إلا مع الصلاحيات الممنوحة للحكام في الأنظمة الملكية المطلقة الإيرانية السابقة ما يثير مخاوف المسؤولين الحاليين الموالين لخامنئي من مصير مجهول في حال وصول رئيسي إلى السلطة وهو يحظى بمثل هذه الصلاحيات القانونية التي ستمكنه من القضاء عليهم جميعاً أو إقصائهم عن المشهد السياسي كلياً، وهو الأمر الذي قام به خامنئي بنفسه بعد إنتخابه مرشداً إثر وفاة الخميني عام 1989، حيث أنه همّش أفراد أسرة الخميني والعديد من الشخصيات المقربه له وحتى اتهم باغتيال نجل الخميني الأكبر، أحمد، الذي توفي في ظروف غامضة. قد يكون ذلك مصير أسرة خامنئي وبخاصة نجله الأكبر مجتبى إذا خرج الحكم من قبضة العائلة حتى لو كان المرشد المقبل شخصاً مستسلماً خاضعاً لخامنئي حالياً كما كان الأخير للخميني أيام حكمه.
 
وبذلك تبقى فرضية إعطاء خامنئي الرئاسة لرئيسي كخطوة تمهيدية لتوريث ابنه مجتبى الحكم، الاحتمال الأقوى في هذا المجال.
 
مكائد خفية وحيل جلية!
قبل 32 سنة عندما انتخب خامنئي مرشداً أعلى بمساعدة وتنفيخ كل من هاشمي رفسنجاني وأحمد الخميني، ابن مؤسس الجمهورية الإسلامية، لم يكن يُعتبر من الرجال البارزين في إيران أكان سياسياً أو فقهياً، فهو كان حجة للإسلام الذي أصبح "آية الله" بين عشية وضحاها. إن العديد من السياسيين الإيرانيين آنذاك وبخاصة المقربين منهم إلى الخميني كانوا يرونه أقل شأناً منهم سياسياً وفقهياً وحتى من ناحية سجلهم النضالي ضد نظام الشاه. فقد كانت الوجوه البارزة للخط الأصولي المسمى بخط الإمام - والتي تسيطر على المناصب المفصلية للدولة آنذاك - في صراع محتدم مع جناح رفسنجاني وخامنئي أيام حكم الخميني. فهم وعبر فرضهم مير حسين موسوي رئيساً للوزراء على خامنئي في مكتبه الوزاري حولوا عملياً رئاسة الجمهورية إلى منصب تشريفي رغم أن خامنئي كان من الشخصيات البارزة المحسوبة على الجناح نفسه، بيد أنه لم يرتقِ نفوذه إلى مستوى الشخصيات الأخرى داخل الجناح مثل هاشمي رفسنجاني أو مهدوي كني أو كاشاني ومصباح يزدي. فهاشمي رفسنجاني - على سبيل المثال - كونه رئيساً للبرلمان وقائماً بأعمال قائد القوات المسلحة الإيرانية بتعيين مباشر من قبل الخميني، كانت لديه قوة أكبر بكثير من خامنئي ويعتبر عملياً الشخص الثاني في هرم السلطة بعد الخميني.
 
كما كانت هناك مجموعة من رجال الدين المتنفذين الذين تم تعيينهم من قبل الخميني في أرجاء البلاد، منهم عباس واعظ طبسي، مدير "العتبة الرضوية" موقع ضريح علي بن موسى الرضا ثامن أئمة الشيعة في خراسان، وطاهري أصفهاني إمام الجمعة بأصفهان ودستغيب إمام الجمعة في شيراز، وأئمة الجمعة الآخرين الذين كانوا يشكلون مراكز قوى كالإقطاعيين في الإمارات المحلية التي كانت لديها قوة مهمة في العهد القاجاري. وبما أن هؤلاء عُينوا في هذه المناصب من قبل الخميني شخصياً، كان من الصعب بمكان أن يزيحهم خامنئي من الحكم أو يهمشهم نهائياً بعدما توّج مرشداً إثر موت الخميني.
 
من ناحية أخرى، كانت المؤسسات العسكرية والإستخباراتية كـ"الحرس الثوري" والجيش وجهاز الإستخبارات لا تزال موالية للأشخاص والأوساط المقربة من الخميني أو أسرته وهاشمي رفسنجاني على وجه الخصوص بحيث أن معظم المسؤولين الأمنيين والعسكريين حتى في السنوات الأربع الأولى من حكم خامنئي كانوا محسوبين على رفسنجاني الذي أصبح الآن أول رئيس جمهورية في إيران في عهد ولي الفقيه الجديد. فشقيقه محمد هاشمي مثلاً كان مدير الإذاعة والتلفزيون إضافةً إلى العديد من المؤسسات الإعلامية والثقافية والاقتصادية الحكومية الأخرى التي كانت مقربة أو موالية له، كأن زعيم عصابة أو إمبراطورية مالية إعلامية عسكرية أمنية قد عين أحد أفراده كالمرشد الجديد للجمهورية الإسلامية؛ وهو رئيس كان يعتبر الشخص الأقوى في البلد خلال هذه الفترة بحيث يلقب بـ"أكبر شاه" من قبل أوساط المعارضة الداخلية والخارجية، في إشارة إلى مدى نفوذه وقوته في هرم السلطة ومؤسسات الدولة.
 
ومن جانب آخر، المؤسسات الدينية كالحوزات العلمية لم تخضع لسيطرة الحكومة في شكل كامل وكان لا يزال هناك مراجع دين بارزون على قيد الحياة كمنتظري وأراكي وكلبايكاني وغيرهم الذين يشككون أصلاً بمستوى الثقافة الفقهية لولي الفقيه الجديد وأهليته العلمية.
 
ألاعيب العمامة والتاج!
لكن خامنئي بدوره استطاع من خلال مكائد وحيل معقدة أن يُخرج كل منافسيه المحتملين وكل من تسوّل له نفسه المساس بأمن عرشه عن الساحة السياسية ليتفرد بالسلطة ويحكم قبضته عليها. ففي السنوات الأخيرة لحكم الخميني، قام خامنئي - بالتعاون مع أحمد الخميني وهاشمي رفسنجاني - بالتآمر على وريث الخميني، حسین علي منتظري، وعزله عن منصبه وذلك قبل ثلاثة أشهر من وفاة الخميني بالتحديد ما مهّد الطريق أمامه للتخلص من الشخصيات البارزة المحسوبة على "خط الإمام" لاحقاً والتي تم استبعادها بالجملة من السباق الانتخابي البرلماني عام 1992 من قبل مجلس صيانة الدستور. وبذلك هُمّش عدد كبير من الذين كانوا يُعتبرون من أركان النظام أيام حكم الخميني ومن أبرزهم موسوي أردبيلي (رئيس السلطة القضائية) ومهدي كروبي وموسوي خوئينيها وميرحسين موسوي وغيرهم.
 
منذ عام 1993 بدأ يُنفذ مخطط تقويض بيت الخميني وتهميشه ما أدى إلى إنهاء تحالفه المشبوه مع أحمد الخميني في وقت سابق. ففي عام 1994 ما إن حرك الأخير لسانه بتوجيه الانتقادات الى المرشد حول كيفية إدارة البلاد حتى وافته المنية بغتة في ظروف غامضة. ويعتقد كثيرون أنها كانت عميلة اغتيال مدبرة. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت ملامح خلافات حادة بينه وبين صديقه الحميم ورفيق دربه هاشمي رفسنجاني أيضاً.
 
كما أنه، وبفضل الصلاحيات الواسعة الممنوحة له دستورياً، أقال عدداً كبيراً من قادة "الحرس الثوري" رفيعي المستوى وعيّن الموالين له خلفاً لهم. خلال هذه السنوات، قُتل العديد من قادة الجيش في حوادث طيران منفصلة مشبوهة يرى البعض أنها كانت مدبرة. من ناحية ثانية، أقيل شقيق رفسنجاني من إدارة الإذاعة والتلفزيون حتى يحلّ محله علي لاريجاني أحد أفراد عائلة لاريجاني المتنفذة ومن أعمدة الجناح الموالي لخامنئي.
 
منذ التسعينات من القرن الماضي، انقسم التيار الأصولي إلى قسمين: الجناح اليميني المتشدد والجناح اليميني المعتدل. وكان رفسنجاني يتزعم الجناح المعتدل بينما المتشددون كانوا محسوبين على خامنئي. إن المتشددين الذين كانوا يسيطرون على مؤسسة البازار الإيراني تقليدياً والكارتليلات والمافيات الاقتصادية الضخمة التابعة لخامنئي والمؤسسات الدينية والدوائر الثقافية بدأوا يشنون حرباً على الجناح المعتدل المحسوب على رفسنجاني. ففي عام 1994 وبالتزامن مع الفترة الرئاسية الثانية لرفسنجاني، ظهرت ميليشيات ومجموعات شبيحة بملابس مدنية مدعومة من "الحرس الثوري" و"الباسيج" وعبثت بالمؤسسات الثقافية ودور السينما والنشر للضغط على رفسنجاني لقبول طلبات الجناح المتشدد وإملاءاته عليه. وقد نجحوا فعلاً تحت هذه الضغوط المتزايدة في إدخال بعض عناصرهم في التركيبة الوزارية لحكومة رفسنجاني على حساب بعض الوزراء البارزين المعتدلين مثل محمد خاتمي، وزير الثقافة آنذك، الذي استقال ليحل مكانه مصطفى ميرسليم، أحد أعضاء حزب "جمعية المؤتلفة الإسلامية" وهي من أقوى التشكيلات السياسية لليمين المتشدد في إيران. ومن خلال كل هذه الألاعيب وبفضل صلاحياته الدستورية الكبيرة، تمكن خامنئي في نهاية المطاف من السيطرة الشاملة على كل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإعلامية وتقويض نفوذ هاشمي فيها إلى حد بعيد.
 
محاولات رفسنجاني والجناح اليساري - الذي أعاد تشكيل هيكلته التنظيمية في إطار التيار الاصلاحي في الحملات الانتخابية البرلمانية عام 1996 والانتخابات الرئاسية في العام التالي - لإنعاش نفوذهم الضائع في هرم السلطة من جديد باءت بالفشل، ذلك أن خصمهم خامنئي كان خير الماكرين!
 
منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، بدأ خامنئي يخطط لإقصاء رفسنجاني نهائياً من الساحة السياسية والقضاء على نفوذه الذي أصبح الآن هزيلاً إلى أبعد الحدود فأخرج أحمدي نجاد - وهو شخصية غير معروفة - من القمقم، ليضرب به رفسنجاني وأسرته. ثم نكّل بالتيار الإصلاحي المحسوب عليه في انتخابات 2009 شر تنكيل ما جعلهم يتوسلون ترشيح حسن روحاني المحافظ في الانتخابات الرئاسية التالية عام 2013 للحفاظ على ما تبقى من نفوذهم الهش الضئيل في هرم السلطة. وأخيراً بوفاة رفسنجاني في هالة من الغموض قبل خمس سنوات يبدو أن خامنئي أطلق رصاصة الرحمة على عائلته والجناح المحسوب عليه وبذلك طويت صفحة الإصلاحيين في السياسة في إيران إلى الأبد.
 
بعد كسر شوكة الاصلاحيين، جاء الدور على "آل لاريجاني" رغم أنهم كانوا دائماً من أشد الأسر ولاءً لخامنئي إلا أنه لا يؤمن جانبهم فقد يغردون خارج السرب ليشكلوا خطراً على بيته بعد موته. لذلك قرر أن يزيل هذه العقبة أيضاً ولكن بمراحل. فبدأ بصادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية الأسبق.
 
تدفق أخبار ومعلومات مسرّبة عن الفساد الممنهج المستشري في الجهاز القضائي بالتزامن مع اعتقال أكبر طبري، النائب التنفيذي لمكتب صادق لاريجاني واغتيال قاض منشق على النظام في رومانيا إضافة إلى نشر تقارير تزعم تجسس ابنة صادق لصالح الأميركيين ينظر الكثيرون إليها كخيوط مؤامرة حاكها خامنئي وبيته لتحقيق هذا الهدف.
 
وعلى الصعيد نفسه، تم منع علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني السابق وشقيق صادق لاريجاني من خوض مسرحية الانتخابات الرئاسية الأخيرة من قبل مجلس صيانة الدستور الذي يعيّن خامنئي أعضاءه إما بشكل مباشر أو غير مباشر من خامنئي نفسه.
 
خامنئي ورضا شاه البهلوي!
واليوم مع بدء رئاسة إبراهيم رئيسي، فإن الأكثرية الساحقة من الأشخاص المقربين للخميني إما ماتوا أو خرجوا من دائرة الحكم. كما أنه لا يوجد هناك مرجع شيعي في إيران لا يدين لخامنئي بمرجعيته في الحوزات العلمية التي أصبحت تابعة له في شكل شبه تام. من جانب آخر، لم يبقَ "بيت" في إيران إلا بيت خامنئي.
 
إن حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، اضطر إلى مبايعة خامنئي على غرار صلح الحسن مع معاوية. وبيت رفسنجاني اليوم هو أوهن من بيت العنكبوت، والاصلاحيون حالهم حال الغريق المتشبث بقشة. وحسن روحاني أضعف من أن يفعل أي شيء إلا التمتع بالمعاش التقاعدي!
 
وأعضاء مجلس الخبراء الذين من المقرر أن ينتخبوا المرشد الأعلى المقبل، هم عبارة عن رجال دين صادق مجلس صيانة الدستور على أهليتهم الفقهية؛ وهو مجلس يهيمن عليه المرشد الحالي في شكل مطلق.
 
وفي الوقت الذي يدخل إبراهيم رئيسي القصر الرئاسي "المتهاوي"، أصبح بيت خامنئي المتين أكثر من أي وقت مضى يشبه البلاط الصفوي والقاجاري والبهلوي. فمستشاروه في الشؤون الاقتصادية والسياسية والخارجية هم في الحقيقة وزراء دولة بلاط خامنئي. وعليه صار بلاطه أشبه ما يكون إلى بلاط معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية الذي يكرهه الشيعة أكثر من أي شخص آخر في التاريخ الإسلامي.
 
وحسب المنظور الشيعي، فإن معاوية وبعد وفاة معظم صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) أو تهميشهم، قام بترسيخ دعائم حكمه مستعيناً بعمرو بن العاص أولاً ومن ثم تفرغ إلى التأسيس لبناء ملكية وراثية من بعده. وكما يبدو هذا هو ما بصدده خامنئي، العدو اللدود لمعاوية، بالتحديد. من ناحية أخرى، لا تخلو تصرفات خامنئي من أوجه شبه كثيرة بينها وبين تصرفات رضا شاه، مؤسس الدولة البهلوية حيث أن الأخير وفي غضون بضع سنوات تحول إلى أقوى وأغنى ملاك الأرض في إيران بعد أن قام بمصادرة أموال وممتلكات كبار الإقطاعيين وقمع رؤساء العشائر في أنحاء البلاد وإقصاء السياسيين البارزين في العهد القاجاري.
 
وقد أصبح خامنئي أيضاً أثرى الأثرياء في إيران بعد سيطرته على كل الإمبراطوريات المالية التابعة لـ"الحرس الثوري" ومراكز مالية مهمة أخرى منها "مؤسسة علوي" و"العتبة الرضوية المقدسة" و "مؤسسة المستضعفين" وغيرها.
 
لا تستحوذ هذه المؤسسات على أكثر من 60 في المئة من اقتصاد البلد وثرواته فحسب، بل إنها لا تخضع لأي مساءلة أو رقابة ناهيك بإعفائها من دفع الضرائب للحكومة. من هنا تأتي الأهمية القصوى لانتخاب أو تعيين كل من إبراهيم رئيسي ومحسن إيجئي في ضمان توريث الحكم لعائلة خامنئي مستقبلاً.
 
واستناداً إلى الدستور الإيراني، فكل منهما باعتبارهما رئيساً للجمهورية ورئيساً للسلطة القضائية، سيكونان من ضمن مجلس ثلاثي العضوية يُشكل لقيادة البلد في حال وفاة أو غياب المرشد الحالي إلى أن يُنتخب مرشد جديد للجمهورية الإسلامية. لذلك من المهم بمكان أن تتم الخطوات التمهيدية لتوريث مجتبى، نجل خامنئي، في شكل مسبق.
 
ينبغي الذكر بأن أي عضو من أعضاء هذه اللجنة المزمع تشكيلها (وهم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور الذي يعينه المرشد مباشرة) ليس لديهم حظ كبير لخلافة خامنئي بعد وفاته. إذاً، كل هذه المؤشرات ربما تدل على إمكان إعطاء رئيسي دوراً مماثلاً لعمرو بن العاص لتسهيل توريث العرش لابن خامنئي، بيد أن رئيسي أثبت لغاية الآن أنه يشبه أبا موسى الأشعري أكثر منه عمرو بن العاص. أو بعبارة أخرى، هو أبو موسى الأشعري ألبسه خامنئي رداء عمرو بن العاص لكي يساعده في تأسيس "الدولة الخامنئية" ولا غير!
 
 *عارف سليمى كاتب كردي إيراني مقيم في السويد  وسعيد ریزوندی كاتب كردي ايراني مقيم في لندن
الكلمات الدالة