إعلان

العرب بين العقائدية والحرب العالمية

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الحرب الروسية - الأوكرانية
الحرب الروسية - الأوكرانية
A+ A-
يرى مؤسس علم الاجتماع، عبدالرحمن ابن خلدون، أن أصحاب العقائد لا يصلحون للسياسة والقيادة. ولعله بذلك يفسر الحالة النفسية لأولئك الذين تقيدهم نصوص ثابتة وقوانين حدّية، يسخّرون حياتهم لنشرها بين الناس وتطبيقها على أرض الواقع. ويجادلون بها ويحادون من يخالفهم حولها. فمثل هذه الشخصية يصعب عليها التعامل مع متغيرات السياسة وتحديات الإدارة والقيادة. فمن يسوس الناس على مختلف ثقافاتهم وتوجهاتهم، تناقضاتهم ومتطلباتهم، هممهم وعزائمهم، ينبغي أن يتمتع بسعة الصدر، والعرب يقولون (ضيّق الصدر لا يصلح للرئاسة). كما ينبغي أن يتميز بمرونة التعامل وسرعة التفاعل واتساع الافق.
 
القطبية العقائدية
والعقائديون ليسوا بالضرورة أهل دين، فحتى الإلحاد عقيدة. وإنما هم كل صاحب مصطلح ثقافي يؤطر تفكيره ويوجه استجابته ويقيّم أداءه. وهم بين الناس الأكثر التزاماً وتحمساً وعطاء. وهم أيضاً الأكثر جدلية وصدامية ومدافعة. وعندما يصلون الى المنبر أو مقعد القيادة يتصدرون المشهد وحدهم، ويحرمون غيرهم. يتحزبون لمن على نهجهم ويقصون الآخر. وبعض يزيد فينتقص حقوق المخالف ويرفض وجوده ويحاربه.
 
واليوم، يعود العالم الى قطبيته القائمة على العقائدية، ونعود معه الى الحرب الباردة. فبعد ثلاثة عقود من هيمنة النظام العالمي الجديد، القائم على الرأسمالية الاقتصادية والبراغماتية السياسية والتوافقات الأممية، تشتعل حرب جديدة بين عقيدتين، فينحاز كل الى معسكره، ويستعيد ماضيه، ويلتحف بأتباع طريقته. غزو روسيا لجارتها أوكرانيا أيقظ كل التزمت الفكري بين الفرقاء. فحزب المعسكر الغربي (بيمينه القومي ويساره الليبرالي) التف حول راية حلف "الناتو"، واستسلم أكثر لقيادة الفحل الأقوى، وانضوى تحت العلم الأميركي. وحزب المعسكر الشرقي (من أقصى اليمين القومي الى أقصى اليسار الشيوعي)، استذكر عظمة ماضيه، ومظلومية حاضره، وظلامية مستقبله، فانتفض لنصرة امبراطوريته والدفاع عن مبادئه واستعادة حقوقه.
 
الشللية العقائدية
وحتى داخل المعسكر الواحد، تدافعت الأحزاب لعقد الراية والتصدي للقيادة. ففي الولايات المتحدة عاد الديموقراطيون مع غلبة أقصى يسارهم، الى السلطة، بعد غياب لم يدم أكثر من أربع سنوات، تسيّد المشهد فيها الحزب الجمهوري، ممثلاً في يمينه الديني والعرقي، وحلفائه من العسكر وأصحاب المال والأعمال.
 
وفي أوروبا، اجتاح تيار اليمين المتشدد بلداناً عدة، فحكم بعضها وأوشك بالأمس، ويوشك اليوم على حكم أخرى. فمن بولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا والمجر وحتى فرنسا التي أوشكت أن تقع في أيديهم، يكاد التيار أن يجتاح أيقونة العلمانية والليبرالية. وفي أميركا الجنوبية يتدافع اليسار واليمين في كبرى وصغرى دولها، كالبرازيل اليمينية، وفنزويلا اليسارية. وفي آسيا، تعود نغمة المواجهة مع الغرب الى لغة الخطاب الشيوعي، الصيني والكوري الشمالي، وتعود أسطوانة محاصرة الشرق الى لغة اليمين في أستراليا مع المعسكر الانغلوساكسوني، والى الهند تجاه الصين وباكستان. وتحتار صغرى الدول بين هذا التيار الجارف وذاك، ويصبح الخيار أحادياً، والحياد مرفوضاً، والتوازن لعبة خطرة.
 
العقائدية العربية
ولم يسلم عالمنا من هذه التحزبات العقدية بعد ألف واربعمئة عام من الدمار الذي خلفته. فقد مضت عقود كان التمايز فيها بين المحافظين في ممالك وإمارات العرب، والثوريين في جمهوريات العسكر. بين الملتزمين التقاليد العربية والتعاليم الإسلامية، والمتحررين من هذه وتلك، تحت رايات القومية والبعثية، الماركسية والاشتراكية.
 
ثم تقارب العرب فخفف كل سرب من تحيزه، وكأنما هو انعكاس طبيعي لحال العالم بعد سقوط سور برلين، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وانحسار الشيوعية العالمية. فروسيا التي حالفت المعسكر العربي اليساري انكفأت على ذاتها، وغيرت مسارها، وتحولت الى مشروع ديموقراطية، رأسمالية، يتعثر في خطوه، ويتناقض في إرادته، ويتلفت في طريقه، والمتلفت لا يصل.
 
"مولد وصاحبه غائب"
أما اليوم، بعد ما يسمى بـ"الربيع العربي"، أو الهندسة الديموقراطية اليسارية للشرق الأوسط الكبير، بالتحالف مع "التثوير الديني" الأعجمي والعربي. وبعد يقظة الدب الروسي العسكرية وتحليق التنين الصيني اقتصادياً،عاد المشهد السياسي في المنطقة الى المعمل الدولي ليتشكل من جديد.
 
استقر التوجه في بلدان محافظة، كدول الخليج العربي، على الحداثة والتسامح والانفتاح، وانزلقت بعض دول الشمال العربي الى مخاض الولادة المتعسرة، الحائرة بين ماضيها الاستبدادي وحاضرها التعددي، كتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسودان. ووقعت دول أخرى في دائرة الفشل نتيجة للتناقض الحاد بين قوى الديموقراطية المفروضة، وطبيعتها العشائرية، والعقائدية المستبدة، كالعراق واليمن.
 
ونتيجة للفراغات الأمنية والسياسية والفكرية التي تشكلت كنتيجة طبيعية للتحولات والتحزبات والصراعات الأممية، ولغياب كيان الدولة ممثلاً في الجيش القوي والطبقة الحاكمة والدولة العميقة، فقد قفزت الى سوق المصالح قوى اقليمية ودولية في تنافس حاد، ودموي، على الموارد الطبيعية والمواقع الاستراتيجية والنفوذ العالمي. وهكذا توافدت الجيوش والميليشيات والعصابات المسلحة، من كل اصقاع العالم، تحمل مختلف عقائده وأجنداته، لتشارك في حصد الغنائم وحجز المقاعد ورسم الخرائط.
 
الجسد العربي
المشكلة، أن هذا التواجد الدولي الكثيف، وهذه المشاحنات على مسرح العرب، حريق يهدد حتى الدول المستقرة، الآمنة. فزلزال يصيب موقعاً لا يسلم منه جواره. وعليه، فقد بات على الدول الصامدة أن تتحمل مسؤولية إنقاذ تلك التي لم يحالفها الحظ.
 
ولأنه لم يعد خياراً أن تكتفي الدول الناجية بغلق حدودها والتركيز على مشاريعها التنموية والمستقبلية، وترك الغريقة لمصيرها، كان لا بد من إيقاظ الأحلاف العربية، وتفعيل ميثاق الدفاع العربي، لتحرير اليمن وليبيا، وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي لتعويم العراق ولبنان والسودان وتونس، والمساهمة في تثبيت الأردن والجزائر والمغرب وموريتانيا والسلطة الفلسطينية أمام التحديات.
 
وتبقى سوريا علامة استفهام محيرة، تفاوتت مقاربات العرب تجاهها بين مطبّع، مطالب بعودتها الى الجامعة العربية، لمساعدتها في التحرر من تغوّل الأعاجم، وبين معارض في انتظار قبول القيادة بالمسار السياسي، الدستوري، العروبي المستقل. وبين موازن بين التوجهين، يميل سراً مع النظام، ويحجم علناً عن التعامل معه.
 
طوق النجاة
في كثير من بلدان العالم والأمة العربية، تحكم العقائد مسارات الأزمات، وتعقد حلّها. ثم هناك الواقعيون، أصحاب مبدأ أن السياسة فن الممكن لا المستحيل، وأن العلاقات الدولية تقوم على المصالح الدائمة لا الصداقة الدائمة ولا العداوة الدائمة. وأن القيادة الرشيدة تتطلب سعة الصدر والأفق، ومرونة التعامل والتكيف، وسرعة التجاوب مع المتغيرات. ولكن هؤلاء الساسة العقلانيون يجدون أنفسهم بين نيران عدوة وصديقة، أصحابها يرتدون العمائم الأيدلوجية والقبعات العسكرية، ويرفعون الرايات ويقدسون الشعارات، ويسوقون شعوبهم وبلدانهم نحو الصراعات والمنافسات ... وربما حرب عالمية ثالثة!
 
ولا حل أمامهم إلا التحالف لمواجهة التيارات المتطرفة، والتعاون بالشراكة المتوازنة مع كل القوى الدولية الفاعلية. وتقديم مصالح بلدانهم وشعوبهم على القطبية الأممية. والترفع عن العقائد والشعارات. ومساعدة المتعثرين من أشقائهم للوقوف على أقدامهم والانضمام الى معسكر الصمود، ورحلة النماء والرخاء. بقي أن يقبل الغارقون بطوق النجاة، فلا نجاة بلا إرادة حياة. ويا للعجب، فبعض الحكومات والطوائف تتردد في قبول يد المخلّص وتقبل يد الجاني!
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم