إعلان

بعد "صفقة الرافال" المثيرة... الجيش المصري و"المهمة المستحيلة"

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
طائرات مقاتلة للجيش المصري
طائرات مقاتلة للجيش المصري
A+ A-
وقّعت مصر وفرنسا عقداً لتوريد 30 طائرة من طراز "رافال" متعددة المهمات، وهي إحدى أبرز طائرات الجيل الرابع ونصف، بما تملكه من قدرات فائقة التطور، ليرتفع عدد ما تملكه القاهرة من هذا الطراز إلى 54 مقاتلة. الصفقة تكسو عظام الجيش المصري بطبقة من الفولاذ والقوة النيرانية الهائلة، في وقت تحوم الدبابير السامة حول رأس مصر من كل الاتجاهات، مع تعدد منصات المخاطر وتصدّع النظام العربي؛ لذلك شكّل بناء القوة العسكرية المجهود الرئيسي للدولة المصرية. في السنوات السبع الأخيرة، عقدت صفقات تسلح ضخمة مع فرنسا وروسيا وألمانيا والصين والولايات المتحدة، عكست تحولاً في عقيدة الجيش، من الدفاع إلى الدفاع الهجومي النشيط، تحصيناً لديمومة المكانة، أمام تحديات وجودية غير مسبوقة، لكن البعض يثير الشكوك حول من يكون هدفاً للنيران المصرية؛ وتكلفة هذه الصفقات، برغم الأعباء، في بيئة استراتيجية مضطربة بالإقليم؟
 
مبارزة استراتيجية
تعيد الزلازل صياغة الجغرافيا الاستراتيجية في الشرق الأوسط... تعيش الدول العربية حالة خواء استراتيجى وفراغ قوة مريع. ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، يتداعى لاعبون كثر على المنطقة لاستحلاب ثرواتها؛ تتغير محاور الصراع، يستعيد الاستعمار القديم حاسته الاستعمارية، ويتفاقم حضور جماعات العنف والإرهاب... حرائق في كل مكان، تخوض مصر مبارزة استراتيجية مع خصومها، بل بعض أشقائها وأصدقائها، يتوقف على نتيجتها، مصيرها والإقليم كله لعقود. من أجل ذلك تسابق مصر الزمن لتحديث جيشها، حتى انتزع المرتبة الأولى عربياً وأفريقياً والعاشرة بين أقوى جيوش العالم، وفقاً لتصنيف "غلوبال فاير باور".
 
بعدما سقط رهان جماعة "الإخوان" ورعاتهم الإقليميين والدوليين على تفكيك القوات المسلحة، بعد ثورتي 25 كانون الثاني (يناير) و30 حزيران (يونيو)، أملاً بتمزيق الدولة نفسها، على غرار العراق وسوريا وليبيا واليمن، تبدو كلمة السر هى رسوخ مكانة الجيش المصري في الوجدان الشعبي، ونجاح قيادته فى رفع كفاءته القتالية وتزويده بأحدث منظومات التسلح، مثل: حاملتا المروحيات "ميسترال" و3 فرقاطات "فريم" و4 "ميكو"، و4 غواصات "تايب" و4 كورفيتات "جويند" وطائرات "رافال" و"ميغ 35" و"سوخوي- 35"، هددت واشنطن بفرض عقوبات على القاهرة بسببها؛ حتى لا تعتدل موازين القوى التي تميل لمصلحة إسرائيل-، ومروحيات "كا 52" وأنظمة صواريخ "إس-300" و"بوك" وأقمار اصطناعية للتجسس وطائرات من دون طيار، و"طائرات تانكر" من مصادر مختلفة. لذلك صدرت دراسة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بعنوان: "الجيش المصري: العملاق المستيقظ من سباته"، وأرجعت الدراسة هذا التحديث إلى أسباب، منها التهديدات الأمنية المحلية والإقليمية، التي تواجهها البلاد.
 
من المؤكد أن هذه أخبار غير سارة لمنافسي مصر، فالأسماك الكبيرة تعجز عن العيش بسلام في حوض صغير، تبدي إسرائيل انزعاجها من المساعي المصرية، تتحدث الميديا الإسرائيلية عن"أنياب مصر الكبيرة"، وأن الأمور قد تتطور يوماً لمواجهة بين الجانبين... سربت مجلة "إسرائيل ديفينس" خطة "عوز"، استعداداً لتلك المواجهة العسكرية المحتملة، بينما تقتني الدولة العبرية أرقى أنظمة التسلح والتكنولوجيا الهجومية فى العالم، حيث تقوم عقيدتها الأمنية التي أرساها مؤسسها بن غوريون على أن "أمن إسرائيل يتحقق عندما تكون أقوى عسكرياً من أي تحالف عربي"، وللإنصاف تحقق للدولة العبرية ورعاتها الكثير مما حلمت به، بعدما عصفت "الفوضى الخلاقة"- المستوحاة من نظرية "تأثير الفراشة" في الديناميكا الهوائية - بجيوش العراق وليبيا وسوريا وغيرها... أما دول الجوار، تركيا وإيران وإثيوبيا، فترغب باستمرار حالة الانكشاف العربي...
 
فيتو على "الدور المصري"
كأن هؤلاء جميعاً يضعون "فيتو" – على "المحروسة" أن تستجمع قواها وتستعيد حضورها، أو أن تتحرك في محيطها العربي والأفريقي حيث منابع الحياة، من دون إذن من أحد؛ لا يروق لبعضهم أن تمد "ذراعها الطويلة" لإطفاء الحرائق، أو التصدى للمهددات على أطرافها. تتبنى مصر في عهد الرئيس السيسي - ابن المؤسسة العسكرية - استراتيجية للردع، تقوم على امتلاك قدرات توازي أو أكبر من قدرات الأعداء المحتملين، وبالتالي يقتنع العدو أن أي محاولة للاعتداء ستكون خسائره أكبر من أرباحه؛ ومن ثمّ ارتفعت قدرات الجيش المصري، كماً ونوعاً، في معظم فروعه، لا سيما البحرية والطيران، مثلاً، طائرات "سوخوي- 35" الروسية و"رافال" الفرنسية توسع المدى العملياتي لسلاح الجو إلى مختلف التهديدات داخل مجال مصر الاستراتيجي. وقد استعملت مصر "المقاربة العسكرية" لضبط الأوضاع خارج حدودها، على سبيل المثال، تحدثت وكالات الأنباء عن قيام طائرات "رافال" بدك "القاعدة التركية"، في الوطية الليبية، وكان لتلويح السيسي بالتدخل عسكرياً في ليبيا لو تجاوزت "قوات الغرب" المدعومة من تركيا وقطر الخط الأحمر (سرت - الجفرة) دور أساسي في وقف الحرب الأهلية ولجم التمدد التركي، بل وطلب الأتراك التصالح وتطبيع العلاقات مع القاهرة، بعد أن تأكدوا أن مصر جاهزة لفعل ما يلزم، استناداً لقوة ضاربة متأهبة للتدخل.
 
بيد أن التلويح بالقوة لا يبدو كافياً وحده أحياناً للنجاح في المعركة. تواجه مصر راهناً أكبر تحد في تاريخها، أزمة السد الإثيوبي الذي يمثل تهديداً وجودياً، يستحيل التعايش معه أو التكيف مع آثاره، فشلت مفاوضات السد، نتيجة العنجهية الإثيوبية والمواقف الداعمة لها من قوى عربية وإقليمية ودولية؛ تتراكم الصخور فوق صدر النيل الأزرق بينما تضغط الولايات المتحدة وآخرون على مصر لمنعها من اللجوء إلى الخيار الأخير (القوة المسلحة)، بينما يتحرق الرأي العام المصري لخبر دك السد، باعتبار أن ترك الحبل على الغارب لإثيوبيا، من دون اتفاق ملزم، يعني نهاية مصر كما نعرفها، بعد "كسر إرادتها"، وهو ما لم يحدث عبر أكثر من 10 آلاف سنة. صحيح أنها احتلت وهزمت مرات، لكن بقيت إرادة شعبها جذوة متقدة تحت الرماد، سرعان ما تعاود الاشتعال بقوة. هذه المرة الأمر مختلف؛ يؤكد الخبير الاستراتيجي أحمد عز الدين أن الشعب المصري يؤمن بأن الآثار التي تترتب على تدمير هذا التهديد الوجودي، أقل خطراً من الآثار التي يمكن أن تترتب على القعود عن منازلته، لافتاً إلى أن الوظيفة الأساسية للعقل الاستراتيجي المصري، هي الحفاظ على الكيان الوطني وتصفية أي تهديد وجودي. ويحذر من أن التهديدات تطوّق مصر على محاورها الاستراتيجية كافة، منبهاً إلى المتغيرات التي تجري على الشاطئ الغربي في القرن الأفريقي وجواره الإثيوبي، أو على الشاطئ الشرقي في اليمن، بما تتضمنه من جراحات عسكرية لحساب قوى إقليمية وغربية، وارتباط ذلك بقناة السويس، مفتاح العبور، بين المحيطات والبحار، شرق الكرة الأرضية وغربها، وفي ضوء محاولة غير مستبعدة لصناعة مفتاح وقفل بديلين. كذلك محاولات انتزاع جزء من سيناء تحت ما يسمي "صفقة القرن" أو إثارة الاضطرابات في الداخل، وإعانة جماعات التطرف والإرهاب...إلخ.
 
استعادة الهيبة
منذ وحّدها الملك مينا، وجمع بين نسر الوجه القبلي وثعبان الوجه البحرى، ظل وجود مصر أقدم "دولة - حضارة" مرتبطاً بجيشها، مد ظلها فى التاريخ والجغرافيا، بقوته تنامت وبقيت متفردة في إشعاعها أو نكباتها، ترسخ فى الوجدان والعقل المصري ألا قيام للدولة ولا بقاء لقوامها ولا استقرار لسيادتها، من دون مؤسسة عسكرية قوية، حتى عدّ المفكر الدكتور أنور عبد الملك، مصر (مجتمعاً عسكرياً). اليوم تتجلى "المهمة المستحيلة" للجيش المصري، بوصفه القوة العربية الوحيدة القادرة على ردع الخصوم واستعادة الهيبة وعلاج خلل موازين القوى في المنطقة. بالطبع ليس من اليسير تحقيق ذلك، في ظل تحديات على كل المستويات، فالاقتصاد المصري يعاني مع "كورونا"، كما عانى المصريون من برنامج "إصلاح اقتصادي" قاسٍ. لكن المصريين الذين يختلفون حول السياسات الراهنة يجمعون على تقوية الجيش، حماية لمصالح الوطن، بل لجميع الشعوب العربية؛ وفي ذلك يقول كاتب جزائرى: "تحتاج مصر أن تستعيد حضورها في النظام العربي، وأن تملأ الفراغ الذي تعبث فيه دول أخرى، وبعضها لا مجال لمقارنته بمصر، عمقاً وتاريخاً وأثراً ومقدرات، وهذا العبث يرتد بدوره على مصر، شاءت أم أبت، احتاطت داخلياً أم لم تحتط، ومن دون أن تتفهم مصر هذا الأمر وتحدد دورها في النظام العربي، كما يجب، ستزداد غرقاً في مشكلاتها الداخلية واختناقاً بتحدياتها الوجودية".
الكلمات الدالة