إعلان

سيظل صمتهم يصرخ فينا

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
راغب جابر
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
غريب أمر السياسة والسياسيين في لبنان. كثير من الجلبة عندما لا يكون هناك مبرر وصمت قاتل عندما يجب الكلام المفيد.

قبل الازمة المالية والاجتماعية المتصاعدة منذ عشرين شهرا كان السياسيون، حاكمين ومعارضين، يملأون الشاشات ثرثرة واتهامات وشتائم وعنتريات...

فلقونا بالدراسات والاقتراحات والوعود والمشاريع التي ستضعنا جنبا الى جنب مع فنلندا و سويسرا وكوريا الجنوبية في التنمية ومستوى المعيشة. كهرباء لا تنقطع تشغل المصانع والمؤسسات وتنير المنازل والشوارع وتدفئ وتبرد. مياه لا تتوقف عن الجريان في الاراضي الزراعية والسيلان من حنفيات المنازل. سدود تروي الضرع والزرع. بترول يتدفق من أعماق البحر نبيع منه ما يفي بديوننا ونملأ خزاناتنا مازوتا وبنزينا وغازا. اوتوسترادات عربية ومحلية وسكك حديد ومطارات. فروع جامعية راقية ومدارس تضاهي مثيلاتها في الدنمارك والسويد واليابان. بيئة نظيفة وانهار انقى من دمع العينين، ومزارع على مد العين والنظر ومزارعون ينتجون حبوبا وفواكه وخضرا من كل انواع الأرض. مستشفيات حكومية محترمة وضمان الشيخوخة. سياحة لا تتوقف صيفا وشتاء، بحرا وجبلا. بلد قوي وجمهورية أقوى لا مثيل لهما لا في الشرق ولا في الغرب. بلد لا يشبه غيره من بلدان المنطقة، بلد معجزة الهية. بلد اللبن والبخور والعسل.

أوهمونا بقدراتهم السحرية على اجتراح العجائب وبأن كل صراعاتهم التي كنا وقودها الملوث هي تنافس على الخدمة العامة وعلى النهوض بالبلد قبل ان يسقط نهائيا. أتونا بثياب الملائكة وبأخلاق المخلّصين وبعقول العلماء الخبراء المنقذين. قالوا لنا أشياء لا تقنع طفلاً لكننا صدقناهم، مشينا وراءهم وصفقنا لهم وتناحرنا وتشاتمنا وتقاتلنا من اجلهم. 

طمأنوننا الى ودائعنا، جنى عمرنا في المصارف، التي لن تمس، والى متانة وضع الليرة إزاء الدولار، وإلى قوة الوضع الاقتصادي الذي لا تهزه ريح. قالوا لنا ان العالم لن يتركنا وأن دبلوماسيتنا الذكية ستأتي بالأشقاء والأصدقاء على جناح الطير ليقفوا على خاطرنا. أوهموا انفسهم واوهمونا ان لبنان حاجة للعالم أجمع تحميه دول الغرب برموش العين وتتمنى دول الشرق وضعه في حضنها وضمه الى قلبها.

وعندما ذاب الثلج وبان المرج وتبخرت الاحلام وانكشفت الحقائق المرة والموجعة وبتنا قاب قوسين أو ادنى من المجاعة ونحن نتخبط للحصول على فرمة لحم او تنكة بنزين او فروج أو علبة دواء او برميل ماء او حبة فاكهة او خسة او قلم حبر جاف أو دفتر لأطفالنا.. او نشتهي قطعة حلوى أو أكلة سردين بزرة أو حتى سندويش شاورما بعدما أصبح سندويش الفلافل حتى فوق مستوى قدرة الكثيرين. بعد كل ذلك عم الصمت.

نعم عم الصمت واختفى خطباء المنابر وعاقدو المؤتمرات الصحافية المخصصة للحديث عن إنجازاتهم ومشاريعهم ووعودهم لتقتصر إطلالاتهم على التحريض والتبرير وتبادل الاتهامات بالتعطيل والفساد والهدر وما شاكل.

لا أحد يراجع مواقفه او يعتذر. لا أحد يقول لهذا الشعب المسكين المقهور كلمة تسكن قلقه. سقطت كل المشاريع. لقد تبخر كل شيء. صارت الوعود هباء منثوراً وطواها النسيان حتى إشعار بعيد. لكنهم ما زالوا موجودين في مواقعهم يتقاتلون على ما تبقى من من البلد بانتظار ان لا يبقى شيء. 

الصمت يشبه صمت المقابر يقطعه من حين الى آخر نعيق بوم هنا او هناك منذرا بما هو أشق وادهى. ونحن كالسكارى سنظل هائمين على وجوهنا نشتم ونلعن من عجزنا عن القيام بأي شيء آخر، مستسلمين لقدرنا الذي اخترناه بأنفسنا عن سابق تصور وتصميم عندما ذهبنا زرافات ووحدانا الى صناديق الاقتراع والمهرجانات والتجمعات الحزبية والطائفية مسلوبي العقل والارادة.

إنهم يتقنون جيدا لغة الجلبة ولغة الصمت. يعرفون متى يتكلمون ومتى يخرسون. انها عدة الشغل التي يتوارثونها ويتعلمونها جيلا بعد جيل.

سيظل صمتهم يصرخ فينا ان عوا. 




الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم