إعلان

الثوار... بين لحس المبرد والمواجهة الحقيقية

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
محتجون يقطعون الطريق
محتجون يقطعون الطريق
A+ A-
بعد انقضاء أسابيع عدة على انطلاق ثورة السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019 وأثناء وقوفي أمام إشارة سير على أحد تقاطعات الطرق وسط بيروت، اتجه نحوي أحد الشبان اليافعين من الثوار وسألني بنبرة فائقة التهذيب عن رأيي بعملية قطع الطرق، موضحاً أنهم كمجموعة من مجموعات الثورة الذين يقطعون الطرق يحاولون استمزاج آراء الشارع حول هذه الخطوة التي يرى البعض أنها ضرورية ويعتبرها البعض الآخر سلبية ومضرة لما تبقى من اقتصاد لبنان. بطبيعة الحال، كان ردي لرفيقي الثائر أن قطع الطريق هو وسيلة وليس هدفاً، وعلى الثوار الانتقال إلى المواجهة الحقيقية عبر الاعتصام أمام قصر بعبدا والتركيز على استعادة السلطة من السلاح غير الشرعي الحامي للفساد.
 
هذا اللقاء القصير مع الشاب الثائر عاد إلى ذاكرتي وأنا أتابع قطع الطرقات والطريقة التي استَغلّت بها أحزاب السلطة، وعلى رأسها "حزب الله"، غضب الشارع والغلاء الفاحش والارتفاع القياسي للدولار وقطع الطرق لتُجاهر بأن الثورة تفتقر إلى أي مكون بنّاء وأن الطرح الوحيد لدى الشارع اللبناني هو الغضب والإطارات المشتعلة.
 
بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيين الذين شاركوا في التظاهرات وحلقات الحوار والمجموعات الناشطة، فإن الثورة خانت أحلامهم ولم ترقَ إلى مستوى طموحاتهم. والحماس والفرحة اللذان شعروا بهما في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 ودفعا بهم إلى اصطحاب أولادهم وعائلاتهم إلى ساحات النضال خفتا ليحلّ محلهما الشعور بالخوف - وربما الجبن - على اعتبار أن الطبقة الحاكمة المستقوية بسلاح "حزب الله" هي أقوى منهم ومن حناجرهم المطالبة بنظام جديد للجمهورية اللبنانية، أو ما تبقى منها.
 
الثورة الحقيقية لم تبدأ بعد كون ما نمرّ به هو فقط غضب من الارتفاع الجنوني لأسعار السلع واحتكار المواد الغذائية، ومعظم الثوا ر- الحقيقيون منهم والمهرطقون - لا يزالون يعتقدون أن أموالهم وأموال أهاليهم المتقاعدين المودعة في المصارف قد تُسترجع يوماً، من دون أن يصلوا إلى قناعة حقيقية أن تلك الأرقام على شاشات حواسيبهم وهواتفهم هي أرقام وهمية. تماماً كما هو الوهم، لدى قسم من اللبنانيين، بأن حزب الله بسلاحه الإيراني هو الحامي الحقيقي لوجودهم كطائفة ترفض الحرمان وهرطقات العودة إلى مسح الأحذية.
 
الغضب الحقيقي للشعب اللبناني يجب ألا ينفجر في وجه ارتفاع الدولار إلى ما فوق العشرة آلاف ليرة لبنانية فحسب، بل في وجه غياب السيادة والحوكمة الصالحة وفي وجه استبدال الدستور اللبناني والقوانين بشريعة الغاب.
 
الغضب الحقيقي يجب أن لا ينفجر في وجه سارقي اللقاح والدواء والطحين والمحروقات فحسب، بل في وجه أي شخص يعتبر أن الاقتصاد اللبناني يمكن أن ينهض على أيادي مجرمين دمّروا بيروت بعنابر الموت والقتل في المرفأ.
 
الغضب الحقيقي للثوار يجب أن يبدأ بالاعتراف في أن صمتهم عن اختطاف الدولة اللبنانية لم يكن بسبب جبنهم أو انصياعهم لأمراء طوائفهم فحسب، بل نتيجة رشوتهم من قبل هذا النظام الاقتصادي الريعي الذي أعطى الشعب اللبناني الشعور بالأمان، في حين أنهم كانوا هم أنفسهم يموّلون حفلة الجنون السياسية من جيوبهم الخاصة وعلى حساب حياتهم ومستقبل أولادهم. لعقود مضت، قام الشعب اللبناني بلحس المبرد على غرار القط الذي فرح بلعق دمه واستمر بتلك العملية كونها تعطيه شعوراً سريعاً باللذة والشبع.
 
ثقافة القط ولحس المبرد يجب أن تُحرق مع الإطارات المشتعلة، وعلى الثائرين التيقّن في أن التشبث بقطع الطرق لا يختلف كثيراً عن التمسك بالسلاح من أجل السلاح. فحرق الإطارات لن يبني بلداً، بل سيزيد من حالات السرطان والأمراض الصدرية، تماماً كما هو حال السلاح الإيراني المنتشر في المشرق الذي يدّعي تحرير فلسطين في وقت يدمر فيه نسيج عالمنا العربي، أو حال السياسيين اللبنانيين المبشرين بالجنة الاقتصادية والإصلاح وهم ليسوا سوى تُجّار وضيعين من جنس الأبالسة.
الكلمات الدالة