إعلان

المنطقة المغاربية وأوهام القوى الإقليمية

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الدول المغاربية
الدول المغاربية
A+ A-
كان الاتحاد المغاربي على الدوام حلم الأجيال في مختلف البلدان المغاربية، خصوصاً في تونس والجزائر والمغرب، وحصلت محاولات عديدة لتجسيده واقعاً كان آخرها تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1989 والذي ولد ميتاً منذ البداية بسبب استبعاد أهم قضايا المنطقة وهي قضية الصحراء. لكن هناك قناعة راسخة اليوم لدى عدد مهم من أبناء النخبة السياسية المغاربية في أن اتحاد المغرب العربي قد قُبر ولا أمل في إحيائه من جديد وذلك بالنظر إلى العلاقات السيئة بين حكومات بلدان المنطقة، وبين شعوبها.
 
في الماضي، وعلى سبيل المثال، كان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة يقوم بدور الوساطة لفض النزاعات بين الشقيقين اللدودين، الجزائر والمغرب، وبرز ذلك خصوصاً في أزمة عام 1975 والتي كادت أن تتطور إلى حرب شعواء بين الجانبين لولا المساعي الحميدة لعدد من الدول ومنها تونس. لكن اليوم يؤكد وزير الخارجية التونسي عثمان الجارندي ما مفاده أن "تونس تلتزم الحياد في ملف الأزمة بين المغرب والجزائر، لكنها تتفاعل ايجابياً مع كل ما من شأنه أن يسهل التوافق"، مؤكداً أن "الأطراف المعنية لا تريد اي تدخل، وتونس تبقي علاقتها مع البلدين على المسافة نفسها"، وفق تعبيره.
 
الحياد السلبي التونسي المتحدث عنه يعود إلى رفض الطرفين المعنيين لأي تدخل من قبل من يعتقدان أنه "دونهما منزلة"، حيث تنامى هذا الشعور الجزائري - المغربي بدونية الآخرين بعد سقوط معمر القذافي ورحيل بورقيبة وبدرجة أقل زين العابدين بن علي الذي كان بورقيبياً في سياساته الخارجية. وبالتالي، فإن رفض التدخل للوساطة هو نوع من الإستعلاء على الجيران حتى وإن كان ذلك مبني على وهم، إذ لا توجد قوى في المنطقة المغاربية بمفهوم القوى الإقليمية في العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية، وسيطة بين كبار العالم وباقي دول الإقليم وتتدخل فعلياً في الشؤون الداخلية للآخرين في المنطقة، وذلك خلافاً لما هو عليه الحال في المشرق.
 
فليبيا المنهكة مثلاً لا سلطان لأي دولة مغاربية عليها، فما بالك بتونس أو بموريتانيا. وبعد سقوط القذافي أصبح موطن عمر المختار محط نظر كبار العالم ولا يتدخل جيرانه في شؤونه إلا في الحدود التي تضبطها القوى الكبرى على غرار الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها. كما أن تونس التي ترتبط بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الاتحاد الأوروبي، لا يسمح لأي تدخل في شؤونها وهي المتاخمة للأسطول السادس الأميركي والمطلة على مضيق صقلية مفتاح السيطرة على البحر الأبيض المتوسط.
 
كما أن التركيبة الجينية للتونسيين لا تسمح لهم بقبول من يتدخل في شؤونهم الداخلية حتى وإن تعلق الأمر بالقوى الكبرى، فما بالك بالجيران الإقليميين. وليس أدل على ذلك من استدعاء الرئيس قيس سعيّد مؤخراً للسفير الأميركي في تونس محتجاً على إدراج الشأن التونسي في جدول أعمال الكونغرس الأميركي. وكان بورقيبة قد سبق سعيّد إلى ذلك عام 1985 عندما استدعى بدوره السفير الأميركي في تونس محذراً إياه من استعمال بلاده لحق النقض الفيتو في قرار سيصدره مجلس الأمن يدين إسرائيل على قصفها لمدينة حمام الشط التونسية التي كانت تؤوي قيادات وأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، وهدد بورقيبة السفير بقطع العلاقات، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.
 
ويُروى عن بورقيبة أيضاً أنه كان حاسماً مع الرئيس الأميركي نيكسون الذي جاء في زيارة إلى تونس للإحتجاج على انتهاج بورقيبة في عقد الستينات لتجربة اقتصادية اشتراكية رأى نيكسون أنها تخندق تونسي في المعسكر الشرقي. فكان رد بورقيبة أن من يحدد مصلحة التونسيين هم التونسيون، وأنه إذا رأى أن المصلحة العامة تقتضي التخندق مع المعسكر الشرقي فإنه لن يرى حرجاً في ذلك.
 
ولعل ما يؤكد استقلالية القرار التونسي مغاربياً رغم حالة الوهن التي يعيشها البلد في السنوات الأخيرة هو الموقف الرسمي من قضية الصحراء الذي لا يعترف بالصحراء على أنها مغربية مثلما يريد المغرب، ولا يعترف بوجود جمهورية صحراوية في تندوف وبعض أراضي الصحراء الغربية كما تريد الجزائر. فتونس تساند رسمياً قرارات الشرعية الدولية في هذا الملف والاستفتاء وحق تقرير المصير، ولم يتمكن أي طرف إلى اليوم من أن يفرض عليها إملاءاته سواء تعلق الأمر بالجزائر أو بالمغرب.
 
هناك شعور عام لدى التونسيين أنهم قطب الرحى وقلب الشمال الأفريقي رغم تلاعب الاستعمار بخريطتهم، وذلك باعتبارهم أقدم دولة عصرية في المنطقة، ويتعلق الأمر بجمهورية قرطاج الديموقراطية التي كان لها دستور استثنائي في القرن التاسع قبل الميلاد والتي أبدع في وصف نظامها السياسي قدماء الفلاسفة والمؤرخين والمفكرين على غرار أرسطو. كما تواصل اشعاعهم الحضاري في المنطقة من خلال القيروان التي ولدت من رحمها حواضر علمية نشرت الإسلام المستنير في أفريقيا جنوب الصحراء على غرار تمبكتو وغيرها، ومن رحم القيروان ولدت جامعة الزيتونة في مدينة تونس ثم جامعة القرويين في فاس. وأشعت الزيتونة على محيطها علماً ومعرفة وتخرج منها كبار المفكرين والعلماء من مشارق الأرض ومغاربها.
 
وبالتالي فإن التونسي، مثقلاً بكل هذا الإرث، يرى في نفسه مصدر الحضارة في محيطه ومنبع الاشعاع الثقافي والفكري والقيمي. وبالتالي، من الصعب أن يقبل على نفسه أن يكون تابعاً حتى في هذه المرحلة الصعبة والاستثنائية من تاريخه.
 
ومن جهة أخرى، لا يسمح الوضع الاقتصادي والاجتماعي لكل من الجزائر والمغرب بأن تكونا قوتين إقليميتين. فإن كان لكلا البلدين ثروات طبيعية، بشكل متفاوت، إلا أن الإنفجار الديموغرافي السكاني كثيراً ما أعاق التنمية وذلك خلافاً لبلدان الخليج العربي التي تعيش شعوبها في رفاهية بالنظر لكثرة الثروات من جهة، والعدد المحدود من السكان من جهة أخرى. وبالتالي فمسألة القوى الإقليمية كذبة كبرى ولا وجود لها مغاربياً، فحتى موريتانيا هي سيدة قرارها وتتعامل مباشرة مع القوى الكبرى في هذا العالم على غرار الصين والولايات المتحدة ومن دون وسيط، وذلك رغم سعي الطرفين المتصارعين إلى استقطابها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم