إعلان

كازاخستان دولة برأسين في درجة الاشتعال ... "أرض التفاح" والخروج من "عبادة الفرد"!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
من الاحتجاجات في كازاخستان. أ ف ب
من الاحتجاجات في كازاخستان. أ ف ب
A+ A-
رفعت الحكومة أسعار الغاز ثلاثة أضعاف، فاشتعلت الاحتجاجات في كازاخستان، صارت تمرداً على السلطة، سقط قتلى من المتظاهرين وقوات الأمن التي انهارت بشكل مفاجئ. تحدث الرئيس قاسم توكاييف عن الأيادي الخفية والتدخلات الأجنبية، ومنح الجيش إذناً بإطلاق النار على من وصفهم بـ"الإرهابيين". استعان توكاييف بالقوات الروسية لتحرير المنشآت الحساسة من أيدي المحتجين. حذر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من أن الروس "إذا دخلوا بيتاً لا يغادرونه بسهولة"، وردت عليه الخارجية الروسية بأن "الأميركيين إذا دخلوا منزلاً قتلوا أهله". نظرياً، تبدو الأحداث مقدمة لثورات ملونة جديدة في الحديقة الخلفية لروسيا والصين، يلعب التدخل الخارجي دوراً في إشعالها، لكن عمليّاً تظل العوامل الداخلية، كالفساد والاستبداد والديموقراطية الصورية المسؤول الأول عن كرة النار المتدحرجة، أو على أقل تقدير هي التي تفتح الأبواب للتدخلات الخارجية، في إطار لعبة الأمم. ما يحدث في كازاخستان يحبس الأنفاس في الشرق الأوسط الذي لم يبرأ ساكنوه من الاضطرابات والثورات!.
 
الانفجار المفاجئ
كيف وصلت كازاخستان الوادعة إلى هذا الانفجار المفاجئ، أم أن البركان كان يغلي تحت السطح، من دون أن نبصره؟
تبلغ مساحة كازاخستان 2.7 مليوني كلم مربع، وهي تاسع أكبر دولة وأكبر دولة حبيسة في العالم، وتعادل مساحة أوروبا الغربية كلها. تقع في الجزء الشمالي من آسيا الوسطى والجزء الغربي من أوروبا الشرقية. تشترك حدودها مع الصين وروسيا وأوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان. عدد سكانها أقل من 20 مليون نسمة، واستقلت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي 1991. وتَولَّى نور سلطان نزارباييف رئاستها حتى استقال في 2019، عقب تظاهرات مناوئة، وصعّد حليفه توكاييف خلفاً له، لكن نزارباييف البالغ من العمر 81 عاماً احتفظ برئاسة مجلس الأمن الذي يشرف على الجيش والأجهزة الأمنية؛ وهو يحظى بلقب "قائد الأمة"، ويعتبر القوة السياسية في العاصمة "نور سلطان"، التي سميت تيمناً به، ويُعتقد أن عائلته تسيطر على جزء كبير من اقتصاد البلاد. ويعتبر مراقبون أن التظاهرات الحالية احتجاج ضد نزارباييف وسياساته المستمرة في المشهد الكازاخي، مع غياب الإصلاحات وتدني مستوى المعيشة، ومحدودية الحريات في الديموقراطية الصورية، في ظل ازدواجية السلطة بين توكاييف ونزارباييف وصراع الأجنحة داخل النظام، ما أدى للانهيار السريع لقوات الأمن التي كانت تحت رئاسة نزارباييف حتى إقالته، الأسبوع الماضي.
 
يثير المشهد الكازاخي الحالي أسئلة الدهشة والاستغراب. تُعتبر كازاخستان أغنى دول آسيا الوسطى وأقواها اقتصادياً وعسكرياً؛ نظراً لثرواتها الطبيعية الهائلة. تحوز مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة، وثاني أكبر احتياطي من اليورانيوم، والكروم، والرصاص، والزنك، وثالث أكبر احتياطي من المنغنيز، وخامس أكبر احتياطي نحاس، وهي من الدول العشر الأولى في تصدير الفحم، والحديد والذهب والألماس، وتحوز ثاني أكبر احتياطي للفوسفات، وتحتل المرتبة الحادية عشرة كأكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي، يبلغ 30 مليار برميل، و5 تريليونات قدم مكعبة من الغاز، ما يجعلها أكبر منتج للنفط بين الجمهوريات السوفياتية السابقة، بعد روسيا، بمعدل 1.6 مليون برميل يومياً. ويغطي حقل "تنغيز" ثلث إنتاج البلاد، بمساعدة "شيفرون" الأميركية، وتتجه معظم الصادرات النفطية إلى الصين. ووفقاً للبنك الدولي وصل ناتج البلاد إلى نحو 180 مليار دولار في 2020، بمعدل نمو 3.7 في المئة هذا العام، وتقدر وزارة التجارة الأميركية أن كازاخستان تهيمن على 60 في المئة من إجمالي ناتج منطقة آسيا الوسطى.
 
الاستفراد بالثمار
حظيت كازاخستان باستقرار نسبي، خلال عهد نزارباييف الذي تواصل لثلاثة عقود؛ فلم تخض حروباً أو صراعات حدودية أو عرقية، أو "ثورات ملونة"؛ خلافاً لكل الدول السوفياتية السابقة، بما فيها روسيا نفسها؛ من ثمّ تدفقت في شرايين الاقتصاد الكازاخي استثماراتٌ أجنبية مباشرة تتعدى 300 مليار دولار أميركي؛ كل هذا يرسم ملامح بلد غني مستقر، لشعب بالغ الثراء محدود الكثافة السكانية، لكن الواقع أن النخبة السياسية والاقتصادية التي كوّنت مفاصل نظام نزارباييف حرصت على الاستفراد بالحكم والنفوذ والثروات، وكانت أداتها الأولى هي "الديموقراطية الصورية" أو الاستبداد المقنع أو حكم الفرد -سمه ما شئت- مع الاستهانة بالإرادة الشعبية أو استبعادها تماماً من دائرة صنع القرار. تمخضت كل الانتخابات عن فوز الحزب الحاكم دائماً بنسب تتجاوز 90 في المئة، في غياب معارضة سياسية فاعلة أو التضييق عليها، بمعنى أدق. وبرغم تحقيق نزارباييف إنجازات اقتصادية ملموسة، فإن الرجل وجه عوائد ثروات بلاده الهائلة لبناء عاصمة جديدة، هي "آستانة" التي أطلق عليها لاحقاً اسم "نور سلطان"، ونشر تماثيله في ميادين البلاد، وتمتعت الطبقة المتحالفة معه بالمميزات والثروات، على نحو أحدث ما يشبه الشرخ أو الفرز الطبقي بين أقلية حاكمة تتمتع بالقدرات والإمكانات الضخمة، بلا حصر أو حساب.
 
وبينما عموم الكازاخيين الذين باتوا منذ عام 2015 يعانون ضائقة مالية، وثبات دخولهم عند نحو 6 آلاف دولار سنوياً، ترى خبيرة شؤون آسيا الوسطى في مركز تشاتام هاوس في لندن، كيت مالينسون، أن الكازاخيين كانوا موالين للنظام، لأنهم لمسوا تحسناً في الوضع الاقتصادي، لكن الأوضاع أخذت تسوء، خلال العامين الماضيين، في ظل كورونا؛ ما رفع معدل التضخم بشدة، ثم جاء قرار رفع الحكومة أسعار الوقود، التي طالما كانت في المتناول، لتمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فانطلقت شرارة التظاهرات ليلة رأس السنة الحالية من مدينة تاراز جنوب البلاد وتوسعت إلى 12 مدينة رئيسية، أبرزها "ألما أتا"- وتعني "أرض التفاح"- العاصمة القديمة والمركز المالي لكازاخستان، وفقدت قوات الشرطة السيطرة على مدن ومنشآت حساسة، وأضرم المحتجون النيران في مقار الحزب الحاكم، على نحو يذكر بما جرى في بلاد ما يسمى "الربيع العربي"؛ وبرغم تراجع الرئيس توكاييف عن رفع أسعار الوقود، وإقالته الحكومة وفرض الطوارئ، فإن المتظاهرين لا يبدون نيّة لمغادرة الشوارع.
 
درس 2019
تعلم المتظاهرون من درس 2019، عندما استقال الرئيس نزارباييف وبقي في الظل واستمرت سياساته؛ يبحثون عن تغيير جذري، في توجهات كازاخستان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يجسر الفجوات المتسعة بين الأقلية الغنية المتحكمة وحواشيها، وعموم الشعب الذي يعاني صعوبة العيش ونقص الحريات. وحدد الناشطون مطالب، منها: تغيير حقيقي في الحكومة، انتخاب حكام المقاطعات -يعينهم رئيس البلاد حالياً- عودة دستور 1993 الذي حدد فترات الرئاسة وحجّم سلطات الرئيس، فتح المجال العام لمشاركة شخصيات وناشطين لا ينتمون إلى النظام الراهن، وصولاً إلى الديموقراطية الحقيقية.
 
يشكك غياب قيادة واضحة للتظاهرات بقدرة الحراك الشعبي على إنجاز غاياته، لكن أبرز العقبات هي أن كازاخستان بموقعها الاستراتيجي في جوار روسيا والصين وثرواتها الضخمة التي تجذب الولايات المتحدة والغرب، تجعل البلاد وسط التنافس المتعاظم بين القوى الكبرى، الصين وروسيا من جهة وأميركا وأوروبا من جهة أخرى، في وقت يتصاعد التوتر بين هذه القوى أساساً، على نحو يجعل كازاخستان "عالقة" في استقطاب حاد، لا يمكن التنبؤ بتداعياته في هذا البلد المهم، مثلما هو الحال في أوكرانيا، وقد جاء التدخل السريع من القوات الروسية، بدعوة من توكاييف إلى بلدان منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهو تكتل أمني تقوده روسيا، لمساعدة بلاده في التغلب على "التهديد الإرهابي". إعتبرت موسكو الأحداث محاولة أجنبية لتقويض أمن البلاد، ودفعت بثلاثة آلاف عسكري؛ لاستعادة النظام في كازاخستان، حتى لا تتوسع الاحتجاجات إلى بقية آسيا الوسطى، كما أبدت الصين دعمها للنظام الكازاخي، وعبرت عن أملها في استقرار الأوضاع، بينما دعت واشنطن وبروكسيل لحماية المتظاهرين وعدم استخدام العنف ضدهم، وكفالة الحريات، وحذرتا من خطورة التدخل العسكري الروسي.
 
ما يجري في كازاخستان يشغل الكثيرين حول العالم، ويصيب البعض في الشرق الأوسط بالأرق ... إننا أمام المشهد الأول في عرض مسرحي جيوسياسي وجيواستراتيجي طويل، وذاك حديث آخر.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم