إعلان

في أحزاب التبعية التونسية...

المصدر: النهار العربي
ماجد البرهومي
راشد الغنوشي و"حركة النهضة"
راشد الغنوشي و"حركة النهضة"
A+ A-
بعد حسم تقرير محكمة المحاسبات في تونس حول تلقي بعض الأحزاب السياسية أموالاً مشبوهة، من جهات خارجية سعت لتدلي بدلوها في المشهد السياسي التونسي، لم يعد هناك موجب من استمرار هذا الصمت المريب إزاء المتورطين في استهداف السيادة الوطنية وعلى رأسهم حركة "النهضة الإخوانية". لقد صمّت هذه الحركة الآذان بنضالاتها في التصدي لما قيل أنه قمع واستبداد وانتهاكات ارتكبها نظام زين العابدين بن علي السابق، وقدمت في وقت سابق دروسها في الوطنية وفي الحرص على مقومات السيادة وغيرها من القيم الجميلة.
 
لكن عدداً مهماً من التونسيين بدأوا يدركون مع الوقت أن ما تتشدق به الحركة هو مجرد شعارات جوفاء تم رفعها للتأثير في أصوات الناخبين وليتم قبولها قبولاً حسناً من قبل الوطنيين من أبناء هذا البلد. فالعديد من مظاهر السيادة التي ألفها التونسيون بخاصة مع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وتواصلت بدرجة أقل مع الرئيس بن علي، لم يعد لها اليوم أي أثر بعد عشرية من حكم "الإخوان".
 
فالفعل يتنافى إلى حد بعيد مع شعارات هذه الأحزاب التي تعملقت وانتفخت بطون أتباعها وجيوبهم، ولا أحد حاسبهم وقال لهم من أين لكم بهذه التخمة من المال السياسي الذي يضخ إليكم ويجعلكم تنفقون بسخاء على بسطاء القوم لجلبهم إلى صناديق الإقتراع كأصوات إنتخابية؟ وسرعان ما تتنكرون لهم بمجرد وصولكم إلى سدة الحكم. فالصمت مطبق وكأن المشرفين على القضاء التونسي والنيابة العمومية على رؤوسهم الطير ولا تعنيهم بتاتاً مصلحة البلد الذي بات مرتعاً لأغلب بلدان العالم بكبيرهم وصغيرهم والذين ولجوا إليه من بوابة التمويل الأجنبي للأحزاب السياسية.
 
لقد فتحت حركة "النهضة" الباب على مصراعيه للتمويل الخارجي وفرضت على بقية الأحزاب خيارين أحلاهما مر، إما النسج على منوال "الإخوان" بالقبول بالتمويل الأجنبي للإنفاق على الانتخابات من أجل الوصول إلى الحكم، أو الإمتناع عن تلقي الدعم الخارجي والبقاء على الهامش. ويبدو أن هذا ما حصل بالفعل، فقد اقتدى البعض بحركة "النهضة" وسار على "هداها" وفتح الأبواب والنوافذ والفتحات على مصراعيها للتمويل الأجنبي وتمكن من منافسة الحركة "الإخوانية" وحتى الفوز عليها، فيما جنح البعض الآخر إلى الرفض القاطع لكل مال مصدره الخارج خشية من تدخل الدول المانحة في شؤونه وشؤون البلاد من خلاله في حال نجاحه في الوصول إلى سدة الحكم، فبقي خارج دائرة القرار لعدم قدرته على شراء ذمم الناخبين.
 
إن خطورة المال السياسي الأجنبي تكمن في ارتهان الطرف السياسي الحاكم والحاصل على المال الأجنبي إلى ولي نعمته في الخارج الباحث عن مصالحه الخاصة ومصالح شعبه والذي لا يولي أي اهتمام للتونسيين وما يلائمهم. وبالتالي يصنف أتباع هذه الأطراف الخارجية في تونس في خانة البيادق أو الدمى التي يحركها الأسياد لخدمة مصالحهم مقابل فتات المال السياسي الذي يدفعونه لهم.
 
لقد أثبتت التجربة في البلدان التي تقبل بهذا التمويل أن ولاء الأحزاب السياسية يكون في النهاية إلى ولي النعمة الذي ينفق بسخاء من وراء البحار أو من دول الجوار لما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط. و قد تحولت هذه البلدان التي تقبل أحزابها التمويل الأجنبي، ومع الوقت، ونتيجة لهذا الإرتهان، إلى ساحة لصراعات الآخرين يصفّون حساباتهم فيها، فيسقطونها في مستنقع الفوضى وعدم الإستقرار، وهو المصير ذاته الذي تشهده تونس اليوم، وسيستمر الحال على ما هو عليه مستقبلاً إذا لم يتم التصدي لهذه الظاهرة التي تصيب السيادة الوطنية في مقتل.
 
فهذه الأحزاب ليست جمعيات خيرية أو نوادٍ ثقافية للمسامرات أو صالونات للأمسيات الشعرية والأدبية لتتلقى أموالاً تنفقها على نشاطاتها ويتم التغاضي عنها، بل هي مجموعات "تناضل" من أجل الوصول إلى الحكم وممارسة السلطة لتمسك بمصير شعب بأسره وتتحكم بمستقبل أجياله. وبالتالي، فإن ارتهانها للخارج يكون أمراً على غاية من الخطورة باعتباره عملية خداع لمن فوضها عن جهل بمصادر تمويلها لتدير شؤونه، ولذلك يحب عدم التهاون في تتبعها قضائياً والتحقيق في علاقاتها المشبوهة.
 
لقد رحل بن علي عن سدة الحكم وهو الذي كان رجل دولة وصاحب إنجازات في ميادين عديدة رغم أخطائه، لا ليتم استبداله بهذه الأحزاب، التي أعماها حبها للمال، ونهمها في الحصول عليه ولهفتها غير الطبيعية على جمعه، عن مصالح بلادها العليا وسيادتها. فالبديل ليس أفضل حالاً من سلفه، بل هو أشد سوءاً، خاصة أنه من دعاة العفة والطهارة وقد نصّب أتباعه أنفسهم أوصياء على "ثورة الشعب" ومؤتمنون على "دماء شهدائها" والويل والثبور لمن ينتقد سلوكهم السياسي أو يحتج على ممارساتهم.
 
لقد باع محمد الصادق باي تونس البلاد إلى الفرنسيين ذات ربيع من أوائل ثمانينات القرن التاسع عشر وعانى الشعب التونسي الويلات طيلة قرابة الثمانية عقود للتحرر من ربقة الاستعمار الأجنبي على يد الوطنيين من بناة دولة الإستقلال يتقدمهم الزعيم الراحل الرمز الحبيب بورقيبة. لكن هذا الاستعمار الأجنبي يعود اليوم في ثوب جديد ومن خلال أطراف عدة ترغب في الامساك بالقرار السيادي للبلاد تحت غطاء الثورة ومن خلال دمى تونسية صرفة توهم الشعب المنكوب بأنها زعامات وأنها وحدها الكفيلة بالخروج به من عنق الزجاجة الذي وجد نفسه فيه بعد سنوات القمع والديكتاتورية.
 
فالتحقيق مع هذه الأحزاب التي انتفخت أرصدتها فجأة وعلى حين غرة بات أمراً مؤكداً لإنقاذ تونس من براثن من يتربصون بها ويتحينون الفرص للإنقضاض عليها وذلك قبل فوات الأوان حتى تتشكل الحكومات التونسية مستقبلاً في قرطاج والقصبة لا في باريس أو لندن أو أنقرة أو واشنطن أو ربما تل أبيب يوماً ما، ويا خيبة المسعى حينها.
 
*رئيس المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق
الكلمات الدالة