إعلان

ينبغي أن يكون لبنان أكثر من مجرّد خطّ فوق البحر

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
حدود لبنان البحرية جنوبا
حدود لبنان البحرية جنوبا
A+ A-
 
خافتاً أو صاخباً، متسللاً أو جهاراً، يضجّ إيقاع جديد في أطلال مشرقنا المتوسطي الخرب. فبعد عقود وعقود استشرى فيها العقائديون وأصحاب الرسائل الخالدة في حروبهم الحمقاء، يضجّ إيقاع خِلاسيّ جديد.

إنه إيقاع السلام. البعض يعدّه طارئاً، ناشزاً أو عابراً، يظنه مجرّد موجة غريبة لن تلبث أن تتلاشى خارج سمفونية مشرقنا الغارق. لكن، مَن يصغِ لهذا اللحن يدركْ أنه لحن يدبّ في كل أصقاعنا المنهكة. لا تنبع قوّته من عزمه الذاتي، بقدر ما تنبع أيضاً من اختناق الإيقاعات البديلة. فبرغم ما يبديه الكثيرون من تجاهل لا يتجاوز بعض بيانات الاستنكار، فإنه يمرّ وينتشر ليخترقهم بذواتهم. فلا قرعٌ لطبول الحرب ولا شحذٌ للسيوف، ولا شيء سوى أن لا حول ولا قوة إلّا بالله.

بعد نشوء الأمم المتحدة، تولّد وهم لدى الكثير من الناس، في عالمنا العربي وخارجه، بأنّ العلاقات الدولية وحقوق الدول وحقوق الإنسان هي حقوق محفوظة في سجلّ مكنون. حقيقة الأمر أنّ هذا المناخ الذي ساد إبّان الحرب الباردة، لم يكن إلّا مناخاً خدّاعاً وناشزاً عن وجهة العلاقات الدولية، إذ كان يستند إلى سلسلة من اتفاقيات تقاسم الأدوار بين المنتصرين في الحرب الأولى والثانية. فلا حقوقَ لا للأرض ولا للناس، ولا أوهام دينية، بل أمم منتصرة ضربت عرض الحائط بالحقوق في كلّ أوروبا والشرق الأوسط والهند وباكستان إلخ... لتقيم نظاماً مبنياً على توازن القوى. فمن فرساي إلى سايكس - بيكو إلى بلفور إلى سيفر إلى يالطا، تراكمت الخرائط لتنتج الحقوق في المنطقة، بدءاً من تركيا الحديثة إلى سوريا ولبنان والأردن إلى إسرائيل إلى كشمير. إنه النظام ذاته والمشروعية ذاتها والحقوق ذاتها.  

تعلّمت هذا الدرس متأخراً بعد حرب 1982 في لبنان، حين كنت على تواصل مع بعض المسؤولين السوفيات. وكان الخطاب الدبلوماسي السوري المبطن في هذه المباحثات هو لوم روسيا لعدم تزويدها الدفاعات الجوية بصواريخ تتجاوز التشويش الإسرائيلي. قال لي المسؤول الروسي: "ألا تعتقد أننا كنا نعرف نتيجة المواجهة قبل حصولها، عليكم أن تختاروا بين التفاوض أو وقائع موازين القوى". في هذه اللحظة تعلّمت درساً ثميناً.

فما هي العبرة؟ قد يصعب علينا في مشرقنا العاثر، وأمام هذا الركام الفادح من المظالم والخراب المتبادل، وبعدما تناوبتنا النوائب وأفراح الهرب والهجرة قروناً بعد قرون، يصعب، بل يكاد يستحيل أن نفهم حكمة التاريخ.

ليصبح التاريخ في سياقه الدارج، مجرد رقصة شيطانية عبثية تضيع فيها حقوق الأمم، وتتبعثر المواريث وتندثر الحضارات. يعلّمنا التاريخ ذاته أنّ ثمة تفسيرين لهذه العبثية:

لدى العقائديين التاريخ ثلاثة أزمنة؛ زمان للنور والحق، وزمان نعيش فيه هو للظلام وللشيطان. وزمان ثالث سيعود لا محالة، على يد المخْلصين المؤمنين، الذين إذا بذلنا لهم أرواحنا وأموالنا بالطبع، قرابين على مذبحهم الدموي، فسيجلبون لنا زمن الخلاص الأبدي. هؤلاء "المخْلصون الأنقياء" هم وحدهم الذين يملكون الحق والحقيقة ولأجلهم سيعمل التاريخ.

يسري هذا التفسير على طيف العصبيات المتطرفة، تحت ستار الدين مثل "داعش"، وصولاً إلى كلّ الطغاة الدنيويين من هتلر إلى ستالين، ليسري بالطبع على نسخهما المحلية.

التفسير الثاني لعبثية التاريخ، هو أنّ ثمة قوىً عميقة تحرّكه، لتصعد بأمم وتهبط بأخرى. ليس في سياق الحق والحقوق، وليس من سخف منطق الحتميات التاريخية، بل من منطق تفرضه قوى عميقة تحكم وتحرّك قواه الفاعلة. لم تكن الحضارة البشرية عادلة قطّ، لا على المستوى الفردي ولا الأممي. لكن، برغم كلّ المآسي والدراما العظمى التي نشهدها اليوم، نستطيع التأكيد أنّ العالم اليوم هو أكثر إحقاقاً وسلماً ورفاهاً وتعدداً وعدالة وغنىً وتقدماً من أيّ وقت مضى.

في هذا السياق، يعيد التاريخ ترتيب الحقوق والحقائق، ويعيد توزيع الأدوار والمسرح. أمم قد تعلو وأخرى تتعثر، وأخرى تبقى برغم خسارتها وأخرى قد تندثر، بغضّ النظر عن "نبلها" و"عدالتها". فلو استمرت ألمانيا في حروبها الأهلية الحمقاء قبل فستفاليا لما كانت ألمانيا، ولاستمرّ البروتستانت والكلفانيوين والكاثوليك الألمان يتذابحون إلى أن يقضي الله. ولو انجرف الشعب الألماني لدعم حركة مقاومة داعشية ضد المحتلين بعد الحرب العالمية الثانية، لما كانت ألمانيا العظيمة التي نراها الآن. لكن ألمانيا اختارت تفسيراً آخر للتاريخ، اختارت أن تكون عظيمة بتحضّرها وتمدّنها لا بمفخخاتها وصواريخها ولا بعمليات الاغتيال. ذلك أنّ "خير الناس، أنفعهم للناس".

التاريخ ببساطة، ينبذ من لا يدرك سمته. فأنت لا تصنع التاريخ يا صديقي. حسبك أن تلتقط روحه. وسمته ليست العدوان ولا الاغتصاب، لكنه لا يأبه للحقوق والحقائق إلا بقدر خدمتها لحكمته الصارخة.

وأنت لن تحمي حقيقتك وحقك ولا حتى ذاتك، إلا بقدر ما تستخدم من أدوات وفرص التاريخ ودروسه وعنفوانه الرصين. قبلت اليابان التحدي وكان ردّها علماً وتحضّراً.

المتعصّبون يغتبطون حتى لو سالت بين أيديهم دماء الملايين من الناس، غالبيتهم من الناس العاديين، من بشر يذهبون كل صباح إلى دكاكينهم في دمشق أو بيروت أو القدس أو طهران أو القاهرة، يسعون لرزق "رب هذا البيت".

فأيّ طريق نختار؟ وكيف يمكن أن ندرج في هذا السياق اتفاقيات السلام والتطبيع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل؟ فبعد عقود من انسداد الأفق أمام الأجندات الصفرية. وبعدما امتطى المتعصبون القضية وصارت البندقية للإيجار، وصارت الثورة بلا عقل، وصارت السياسة شعاراً، والموت أجندة، والمؤسسات أوكاراً للصوص تعمل لكل شيء إلا القضية.

بعد كل ذلك تمكّنت المملكة العربية السعودية من عقد اجتماع قمة بيروت على المبادرة العربية للسلام. لكن قوى التطرف على جانبي الحدود أجهضت آخر محاولة، وفرح الكثيرون بإخراج العرب من السياق الفلسطيني.

وبعدما كان الطريق إلى القدس يمرّ بأيرلندا وباحتلال الكويت، وأفغانستان... جاء المتدخلون ليختلوا بلبنان أولاً باسم فلسطين، ثم بالعراق ثم سوريا وأخيراً اليمن. ولم تنجُ من بين أيديهم إلا مصر والأردن. أُخرِج العرب والأوروبيون ليدخل الإيرانيون، وأخيراً الأتراك. ولكن كان مطلوباً من العرب أن يبقوا على الباب؛ يتفرّجون كيف يتغذى المتدخلون الإقليميون على أشلاء الدول. فباسم القضية احتلت ودُمرت دمشق وبيروت وبغداد. وباسم الموت لأميركا وإسرائيل تقصف المواقع المقدسة في المملكة السعودية، وباسم فلسطين يذبح الكُرد والمسيحيون السريان والأزيديون.

على مدى العقد الماضي، بدا الإسرائيليون والعرب غارقين في مواجهة يسودها الجمود، بقدر ما يسودها التوتر مع بعض المناوشات الطفيفة. وظلّ الفلسطينيون والإسرائيليون منغمسين في مآزقهم، بينما يواصل الشرق الأوسط تعليمنا، أن لا شيء دينامياً ومدمراً مثل الجمود على الموجود.

لا بدّ من إيقاع جديد يقلب المجنّ وينهي رقصة الموت. صار لا بدّ من أفق أبعد وبصيرة أعمق، وإمساك زمام هذه المخاطر الإقليمية المتنامية في مواجهة شرق أوسط عاصف. لا يسعى الاتفاق بين إسرائيل والإمارات والبحرين إلى زيادة أمن الموقعين فحسب، بل هو في سياق إعادة صوغ الردّ الإقليمي على مخاطر الانهيار الاستراتيجي. ففي ظلّ الانهيار وعدم الاستقرار الإقليمي، كان لا بدّ من التفكير في شرق أوسط جديد يتجاوز الأزمات المزدوجة التي نجمت عن استمرار انهيار الدول المحيطة والأزمة الاقتصادية العالمية وكورونا، لتعطي بعداً جديداً لحركة التاريخ هذه.

وبعدما صار واضحاً أنّ أهم أسباب الإخفاقات في تحقيق السلام خلال مفاوضات السلام، ناجم من التركيز على التكتيكات القصيرة المدى لا على السياسات والمبادرات الطويلة الأجل، فإنّ الاتفاق بين إسرائيل والإمارات والبحرين يعكس نهجاً جديداً من جهة، ويوفر منبراً استراتيجياً لمعالجة العديد من القضايا الرئيسية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بل من ضمن ذلك الوضع في سوريا ولبنان والعراق.

كانت الولايات المتحدة، من جهتها، تجد نفسها في ظرف تختار فيه بين الخروج من المنطقة أو التدخّل المباشر بشكل كاسح. وهو أمر يزداد صعوبة لأيّ إدارة أميركية. وفيما تنظر بحذر وتوجّس إلى عمليات الاختراق التي يقوم بها اللاعبون الخارجيون في المنطقة، حاولت حثيثاً بناء تحالف MESA كدرع استراتيجية ذاتية التوازن والضبط، تدرأ احتمالات الحرب وتبعد المنافسين الاستراتيجيين. وعلى النقيض من الحجج السائدة بين المتشدّدين في الطرفين، أثبتت هذه الصفقة أنّ إيجاد شريك للسلام ليس شيئاً تعثر عليه بالصدفة. بل إنّ السلام لا يمكن تحقيقه ما لم تسع إليه، وما لم تخلق شراكة مستعدّة لمواجهة الاتجاهات المدمّرة في المنطقة.  

وإذ يشكل اتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين خطوة تاريخية أولى، فإنّ السلام الضحل لن يكون كافياً، بل يجب أن يكون هذا السلام قوياً بما يكفي لكسر الجليد بالكامل.

فضلاً عن ذلك، يمكن، لو التقط أهلنا الفلسطينيون الفرصة هذه المرة، أن تسمح هذه الصفقة بعودة دور عربي في الوساطة وتسهيل اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لا بدّ من أن يستعيدوا زمام مصيرهم من القوى التي طالما اعتاشت على تأبيد الصراع، فيما لم تعد المثل القديمة والحنين إلى الماضي تعبّر عن الجيل الفلسطيني الجديد. لقد مكّن إخراج العرب من عملية السلام، إيران وتركيا من اختطاف القضية الفلسطينية، ما يعجّل بدفع المنطقة نحو المزيد من الحروب الدينية، ويدعم أكثر القوى تعصّباً في العالم العربي.

لطالما قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها دولة قادرة على التوفيق بين الهوية العربية والإسلامية الحديثة، وبين السلام والاستقرار والازدهار. وقد يكون هذا النهج أهم ما تفتقر إليه المنطقة من أجل إحباط الإرهابيين والميليشيات، وملء الفراغ الناجم عن انهيار الأيديولوجيات "الثورية" العتيقة في المنطقة. إنها القادرة على وضع لبنات مفهوم جديد للعروبة والإسلام، يستند الى منطق التاريخ لا منطق نهاية التاريخ، بل منطق السلام وتعزيز الرفاه وأسس العيش المشترك.

في المقابل، تكشف الحقيقة التاريخية انحسار مواقع ما تسمى جبهة الصمود، لتطفو فوقها حقائق لافتة جديدة. وها هو لبنان يرسم حدوده المائية مع مَن؟ القصّة أبعد بكثير من رسم خطّ فوق مياه المتوسط. فحين يعاد تشكيل ملامح الإقليم بشكل حاسم، وحين تتكوّن جغرافيا اقتصادية جديدة فيها من المخاطر بقدر ما فيها من الفرص، فإنّ لحظة حقيقة تتبدّى أمام لبنان هو في أشدّ الحاجة لإعادة تموضعه فيها.

فبعد الاتفاقات الاقتصادية والتجارية والمصرفية الإسرائيلية الخليجية الواسعة، وبعد دبي ونيوم ونيولاين، ستنشأ منظومات اقتصادية ومالية ومصرفية كبرى من الخليج إلى البحر. وستكون هي، لا منظومات الصواريخ، المتحكّم بتقسيم العمل الإقليمي وباستراتيجيات المنطقة.

ثمة دور عظيم للبنان، منصّة الرفاه والتنوير في بلاد الشام وشرق المتوسط. والسؤال: هل وكيف يمكن لنخب لبنان الشابّة أن تكون القاطرة؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم