إعلان

الواشنطن بوست: مقتدى الصدر صانع الملوك بدعم ضمني أميركي

المصدر: النهار العربي
صورة لمقتدى الصدر
صورة لمقتدى الصدر
A+ A-
تحت الأضواء الكاشفة الساطعة، تمر مسيرة للحملة الصدرية وسط الضوضاء والألوان، ويرفع المؤيدون الرايات الزمردية عالياً، بينما يصدح صوت أحد المساعدين بأناشيد في مدح المرشح من خلال مكبرات صوت صغيرة.
يجأر بصوته قائلاً: "نحن لا نمارس السياسة مثلما يفعل الآخرون. التصويت للتيار الصدري سوف يجلب الأمل".
 
يضع مرشح التيار الصدري في المنطقة، حاكم الزاملي، يده على صدره بينما تعلو وجهه ابتسامة صغيرة. وبعد إيماءة، يقف على قدميه ويتقدم نحو المنصة، ويقول للجمهور المبتهج: "لم يتبقَ سوى أسبوع واحد على فوزنا".
 
بينما يستعد العراق للانتخابات البرلمانية يوم غد الأحد، وهي السادسة منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 ونصّبت فيه نظاماً سياسياً جديداً، يبدو أن حزب رجل الدين الشيعي الشهير مقتدى الصدر سيكون "صانع الملوك". وإذا حصل الحزب على أكبر حصة من مقاعد البرلمان العراقي البالغ عددها 329، فسيكون ذلك ذروة جهود الصدر لتعزيز مكانته وقوته من خلال صناديق الاقتراع وفي الشارع وعبر الخدمة المدنية بكاملها.
 
يُعدّ الصدر شخصية بارزة في الداخل والخارج، إذ لديه تاريخ من التحريض ضد القوات الأميركية، ويتمتع بولاء شديد من عشرات الآلاف من المتدينين وأبناء الطبقة العاملة.
 
لكنه في الوقت نفسه شخص متلوّن، ففي السنوات التي تلت الغزو الأميركي عام 2003، قدّم الصدر نفسه بصور مختلفة بصفته زعيم ميليشيا طائفية حيناً، وشخصية ثورية أحياناً، وفي أوقات أخرى كرجل قومي يمكنه توحيد البلاد. وقد اعتمد في بعض الأحيان على الدعم الإيراني، لكنه اليوم يرفض علناً نفوذ طهران في العراق.
 
وتتحدث القيادات العليا في تياره الآن للمرة الأولى بصراحة أنها تريد استخدام هيمنتها المرجحة على البرلمان، التي تنبأت بها استطلاعات آراء الناخبين، لاختيار رئيس وزراء البلاد المقبل.
 
يقول رئيس الجناح السياسي للتيار الصدري، نصار الربيعي: "لا يمكن أن يكون هناك رئيس وزراء من دون دعم الصدريين". ويتفق السياسيون من كل الأطياف في العراق، بمن فيهم مكتب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، على هذا الأمر.
 
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان تيار الصدر سيواصل دعم الكاظمي وانتخابه لولاية ثانية، فالقرار النهائي يعتمد على التفاوض مع الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران، وكذلك الجماعات السياسية الكردية.
 
وعلى الرغم من تاريخ الصدر المشحون تجاه الغرب، إلا أن صعود حزبه إلى السلطة قد يحصل بدعم ضمني على الأقل من واشنطن.
وتقول المحللة في مجموعة الأزمات الدولية لهيب هيجل: "لقد حاولوا كسب المزيد من الشرعية الدولية من خلال الظهور بمظهر الحزب الموالي للدولة. وهذا هو السبب في أننا رأينا الصدريين يتفاعلون أكثر من قبل مع الدول الغربية، بما في ذلك الأميركيون والأوروبيون". وأضافت هيجل، أن الصدر "يروج لنفسه كخيار عملي ومحوري في السياسة العراقية".
 
وقال مسؤول غربي رفيع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث مع الصحافة: "أعتقد في هذه المرحلة أننا ننظر إلى الصدر على أنه شخص وطني يُعدّ أفضل من الخيارات الأخرى".
 
سلك الصدريون في الشهور الأخيرة مساراً أكثر حذراً من الأحزاب العراقية المتحالفة مع إيران، والتي دعت إلى طرد القوات الأميركية المتبقية في العراق البالغ عددها 2500 جندي.
 
وقال الربيعي "نحن ضد أي وجود للقوات الأجنبية على الأراضي العراقية. أما عندما يتعلق الأمر بالدعم اللوجستي والتدريب والمعدات والمجال الجوي، فهذه ليست قضية سياسية. لذا نترك القرار في هذا الشأن للمتخصصين في هذه القضايا"، مشيراً إلى أن الدور غير القتالي للقوات الأميركية يمكن أن يكون مقبولاً.
 
 
 
 
الصعود إلى الهيمنة
يصوّر الصدريون أنفسهم على أنهم حماة فئة الطبقة العاملة الشيعية العراقية. فقد كان والد الصدر، آية الله العظمى محمد صادق الصدر، من الشخصيات البارزة في المقاومة ضد الديكتاتور السني صدام حسين، وقد قُتل جرّاء ذلك. وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، حظي جيش المهدي التابع للصدر بالدعم الشعبي بسبب رفضه الاحتلال الأميركي.
 
واليوم، يوفر تيار الصدر للعديد من مؤيديه الوظائف والخدمات عبر الوزارات والشركات التي يسيطر عليها، فضلاً عن تجنيدهم في صفوف جناحه المسلح: سرايا السلام.
 
عزز الصدريون نفوذهم في كل مفاصل الحكومة العراقية من خلال السيطرة على المناصب الرئيسية في الخدمة المدنية. وبحسب دراسة أجراها مركز أبحاث "تشاتام هاوس" في لندن، فإن الموالين للصدر يهيمنون اليوم على الحصة الأكبر من هذه المناصب التي تُعرف باسم "الدرجات الخاصة"، ما سمح لهم باستغلال قدر هائل من الموارد العامة لصالح غايات التيار الصدري نفسه".
 
ولضمان استمرار تدفق الأموال، تمكّن الصدريون من السيطرة على الهيئة المسؤولة عن منح مناصب الخدمة المدنية. وفي بعض الأحيان كان الصدريون يؤيدون الوزراء التكنوقراط الذين يتمتعون عملياً بسلطة أقل من سلطة موظفي الخدمة المدنية الذين يُفترض أنهم يعملون تحت إمرتهم.
 
يقول وزير سابق، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: "أدركت منذ اليوم الأول أنه كانت هناك فقط أكوام من العقود التي ينتظرون مني التوقيع عليها. كانوا يريدون خاتماً مطاطياً فحسب، (وليس وزيراً).
 
وعلى مدى السنوات الماضية، اتهم مسؤولو الحكومة ومنظمات حقوق الإنسان الصدريين بارتكاب انتهاكات واسعة، حيث أدار جيش المهدي فرق الموت خلال الحرب الأهلية، واعتُقل المرشح الزاملي لاستخدامه منصبه بصفته وزيراً للصحة في توفير الموارد لأغراض الاختطاف والقتل. واتُهمت سرايا السلام في الآونة الأخيرة بالابتزاز واغتيال المعارضين السياسيين.
عزز الصدريون نفوذهم في كل مفاصل الحكومة العراقية من خلال السيطرة على المناصب الرئيسية في الخدمة المدنية.
يُعدّ الصدريون القوة المهيمنة في وزارة الصحة. وفي هذا الصيف، أعلن الصدر عن عدم مشاركته في الانتخابات وسط الصخب الذي أثارته حرائق اندلعت في مستشفى ببغداد ومدينة الناصرية، احترق خلالها عنبران للمرضى المصابين بفيروس كورونا. وقال باحثون إن العقود الحكومية الفاسدة، التي ألقي باللوم فيها على الصدريين، تركت المستشفيات الكبرى من دون إجراءات السلامة من الحرائق.
 
تضاؤل الثقة
أشاد رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بقرار إجراء انتخابات برلمانية مبكرة استجابةً لمطالب الاحتجاجات في الشارع التي دعت إلى الإطاحة بالنظام السياسي، حيث قامت قوات الأمن بسحق المتظاهرين وقتل أكثر من 600 محتج على مدى عدة أشهر.
 
ومع تراجع الثقة بين الشعب العراقي وساسته خلال السنوات الأخيرة، من المرجح أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة الأدنى في تاريخ البلاد، وذلك حسب ما تشير إليه استطلاعات رأي الناخبين.
 
ويشمل هذا القلق الصدريين، حيث خرج الصدر يوم الأحد الماضي حزين الوجه في ظهور نادر مع مرشحي التيار. وبعد ساعات من مشاركته كتب تغريدة مطالباً كل مُقترع أن يُحضر معه 10 ناخبين إلى صناديق الاقتراع.
 
يقول الباحث في جامعة أرهوس في الدنمارك، بن روبن دي كروز: "اتسمت تكتيكات الصدريين بالقسوة في الحملة الانتخابية هذه في شكل يظهر حالة من اليأس داخل الحركة بسبب خيبة الأمل، لا سيما بين الجيل الشاب من الصدريين".
لكن التيار الصدري لا يزال على الأرجح يتمتع بالموقف الأفضل. حيث قال دي كروز: "لدى الصدريين ميزة تنافسية". ففي انتخابات عام 2018، ساعدت المشاركة المنخفضة للناخبين الائتلاف الذي يقوده الصدر على زيادة عدد مقاعده في البرلمان من 20 إلى 54 مقعداً، أي أكثر من أي تجمع آخر.
 
في تجمع الزاملي الانتخابي الواقع في ضاحية مدينة الصدر المترامية الأطراف ببغداد الأسبوع الماضي، قال أنصاره إنه والتيار الصدري الذي ينتمي إليه سيوفرون لهم شعوراً أكبر بالكرامة والانتماء من الجماعات السياسية الأخرى. وقال حيدر الحلفي البالغ من العمر 47 عاماً معلقاً: "لا أحد غيرهم يستطيع إنقاذ العراق".
 
وقالت أمل لطيف، وهي أرملة تبلغ من العمر 40 عاماً وهي أم لأربعة أطفال، إن الزاملي معروف في الحي أنه يفتح منزله لأنصاره حتى يتمكنوا من طلب المساعدة في حل مشاكلهم. وأضافت وهي رافعة علم الصدريين الزمردي: "نحن فقراء للغاية، ونحتاج إلى المساعدة من شخص ما". وكان أحد موظفي الحملة واقفاً بالقرب منها وهي تتحدث، وقال لاحقاً إنها تلقت أجراً لحضور التجمع.
 
مع انتهاء الحدث وتدفق المؤيدين إلى المخارج، كانت الأضواء الكاشفة أكثر إشراقاً من أي شيء آخر في الشوارع المحيطة بهم، فقد كانت مصابيح الشوارع مُطفأة، وكانت السيارات تحاول تفادي الحفر. ووسط هذا الظلام، كان متطوعون يرتدون ملابس الحزب يضعون الحجارة لرصيف جديد بينما كان ناخب سابق يراقبهم.
 
وقال أحمد علي، وهو موظف حكومي "إنهم يفعلون ذلك دائماً عندما تقترب الانتخابات. فلنرى ما سيفعلونه لهذا المكان بعد الانتخابات".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم